تقارير

ازدواجية المعايير أم حسابات المصالح.. لماذا يعجز الاتحاد الأوروبي عن الضغط على إسرائيل؟

كتبت: هدير البحيري

في لحظة اختبار حقيقية لوحدة القرار الأوروبي، يواجه الاتحاد الأوروبي انقسامًا واضحًا بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل، في ظل تصاعد الانتقادات المرتبطة بالوضع الإنساني في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

هذا الانقسام لا يعكس فقط تباينًا في المواقف، بل يطرح تساؤلات أعمق حول قدرة الاتحاد على التحرك كقوة سياسية موحدة في القضايا الدولية الحساسة.

دعوات للتعليق.. دون إجماع

دعت دول أوروبية، من بينها إسبانيا وأيرلندا، إلى تعليق معاهدة الشراكة التي تنظم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، سواء بشكل كلي أو جزئي، على خلفية مخاوف تتعلق بالاستيطان والوضع الإنساني في غزة، إلى جانب تشريعات إسرائيلية مثيرة للجدل.

وخلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورج، شدد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على أن “مصداقية أوروبا على المحك”، داعيًا إلى فتح نقاش جاد حول مستقبل الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2000.

لكن هذه الدعوات لم تترجم إلى خطوات عملية، في ظل غياب التوافق بين الدول الأعضاء، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية الانقسام الأوروبي في ملفات السياسة الخارجية.

مواقف متباينة وشلل سياسي

ورغم تصاعد الأصوات المطالبة بتغيير النهج الأوروبي، لم تسفر المناقشات عن أي تحول ملموس.

وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن تعليق المعاهدة “لم يحظ بالدعم الكافي”، مشيرة إلى استمرار المشاورات دون تغيير في المواقف.

ويعكس هذا الجمود واقعًا معقدًا داخل الاتحاد، حيث تختلف الدول الأعضاء في تقييمها لطبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود الضغط الممكن ممارسته، ما يجعل اتخاذ قرارات حاسمة أمرًا بالغ الصعوبة.

آليات معقدة تعرقل القرار

تتجلى إحدى أبرز العقبات في آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي؛ إذ يتطلب تعليق الشق التجاري من اتفاقية الشراكة دعم أغلبية مؤهلة (15 دولة تمثل 65% من سكان الاتحاد)، بينما يحتاج التعليق الكامل إلى إجماع جميع الدول الأعضاء.

هذا الإطار المؤسسي يمنح كل دولة فعليًا قدرة على تعطيل القرار، وهو ما يفسر استمرار التباين دون الوصول إلى موقف موحد.

بين الحوار والضغط

في المقابل، تتمسك دول رئيسية مثل ألمانيا وإيطاليا بخيار الحوار، معتبرة أن الحفاظ على قنوات التواصل مع إسرائيل يظل ضروريًا.

وأكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول التزام بلاده بدعم حل الدولتين، مشددًا على أهمية “الحوار النقدي والبناء” بدلًا من التصعيد.

في المقابل، تدفع دول أخرى، مثل أيرلندا وبلجيكا، نحو مواقف أكثر تشددًا، وإن كانت تدرك في الوقت نفسه صعوبة تحقيق إجماع أوروبي على خطوات جذرية.

حسابات الاقتصاد في مواجهة القرار السياسي

ولا يمكن فصل هذا التباين عن المصالح الاقتصادية العميقة بين الطرفين؛ إذ يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 42.6 مليار يورو في عام 2024.

هذا الترابط الاقتصادي يفرض حسابات معقدة على صناع القرار الأوروبيين، إذ إن أي خطوات تصعيدية قد تنعكس سلبًا على مصالح اقتصادية واستثمارية متبادلة، ما يجعل التحرك السياسي أكثر حذرًا.

بدائل جزئية على الطاولة

وفي ظل صعوبة اتخاذ قرارات شاملة، يطرح الاتحاد الأوروبي خيارات أقل حدة، مثل فرض عقوبات على مستوطنين متورطين في أعمال عنف، أو مراجعة التعامل التجاري مع المستوطنات.

كما قدمت دول مثل السويد وفرنسا مقترحات لتعزيز القيود على الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، التي تعتبرها الأمم المتحدة ومعظم المجتمع الدولي غير قانونية، رغم رفض إسرائيل لهذا التوصيف.

لماذا يتعثر القرار الأوروبي تجاه إسرائيل؟

وفي حديث خاص لـ “داي نيوز”، قدمت الباحثة في العلوم السياسية هالة السعدي تحليلًا معمقًا للجذور الهيكلية والسياسية التي تكبل الموقف الأوروبي تجاه التصعيد الحالي، معتبرة أن الاتحاد يواجه اختبارًا غير مسبوق لمصداقيته الدولية.

عجز هيكلي وقرارات مكبلة

وتقول السعدي إن الأزمة الحالية تكشف بوضوح عن عجز بنيوي ناتج عن قاعدة الإجماع المعمول بها في السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.

وتوضح أن الاتحاد الأوروبي ليس دولة قومية، بل هو منظمة فوق وطنية تعتمد في قراراتها السياسية الكبرى على موافقة جميع الأعضاء السبعة والعشرين، وهذا النظام يمنح أي دولة عضو حق النقض، مما يحول دون اتخاذ مواقف حازمة.

وتضيف السعدي أن هذا الوضع يجسد تمامًا ما يعرف في العلوم السياسية بـ “فجوة التوقعات والقدرات”؛ حيث يتوقع المجتمع الدولي من الاتحاد فعلًا سياسيًا يوازي ثقله العالمي، بينما تظل قدراته الحركية مكبلة بالقيود الهيكلية.

ونتيجة لذلك، تؤكد السعدي أن الاتحاد يضطر لإصدار بيانات توصف بالخشبية تمثل أدنى قاسم مشترك بين الدول، مما يجعل بروكسل تبدو مشلولة سياسيًا بين معسكرات داخلية متباينة، مشددة على أن الاتحاد يظهر كـ “عملاق اقتصادي لكنه قزم سياسي” في ملفات الشرق الأوسط.

معضلة ازدواجية المعايير وفقدان القوة الناعمة

وفيما يخص المكانة الأخلاقية للاتحاد، ترى السعدي أن بروكسل تواجه اليوم أزمة مصداقية حادة فيما يخص قوتها المعيارية.

وتشير إلى أن المقارنة الدائمة بين الموقف الأوروبي الصارم والسريع تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، من فرض عقوبات شاملة ودعم عسكري وخطاب حقوقي حاد، وبين الموقف المتردد والمنقسم تجاه الحرب في غزة، عززت الاتهامات بازدواجية المعايير.

وتتابع السعدي أن هذا التناقض يضعف قدرة الاتحاد على تقديم النصح لدول الجنوب العالمي بشأن القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ فعدم القدرة على إدانة انتهاكات واضحة في غزة بنفس القوة التي أدينت بها انتهاكات في سياقات أخرى، يجعل المبادئ الأوروبية، حسب وصفها، تبدو وكأنها أدوات سياسية وليست مبادئ كونية ثابتة.

أدوات الضغط وتأثير التوافق الداخلي

وبالحديث عن أوراق الضغط، تؤكد السعدي أن الاتحاد الأوروبي يمتلك نظريًا أدوات هائلة، أهمها اتفاقية الشراكة التي تمنح إسرائيل مزايا تفضيلية في الوصول للسوق الأوروبية، وبرامج التعاون العلمي.

ومع ذلك، تجزم السعدي أن هذه الأدوات تظل معطلة لسببين؛ أولهما غياب الإجماع، إذ يتطلب تعليق اتفاقية الشراكة موافقة جميع الأعضاء وهو أمر مستحيل حاليًا.

أما السبب الثاني، فهو العامل الأمريكي، حيث تلفت السعدي إلى أن أوروبا تاريخيًا لا تتحرك بفعالية في ملفات الأمن في الشرق الأوسط بمعزل عن واشنطن، وبدون دعم أمريكي لسياسة الضغط، تخشى الدول الأوروبية أن تؤدي إجراءاتها المنفردة إلى تهميش دورها تمامًا أو دفع إسرائيل للارتماء كليًا في أحضان المحور الأمريكي أو قوى أخرى.

تشابك المصالح الاقتصادية ككابح سياسي

وتشرح السعدي لـ “داي نيوز” أن العلاقة بين تل أبيب وبروكسل ليست سياسية فحسب، بل هي علاقة عضوية اقتصاديًا، باعتبار الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل.

وترى السعدي أن هذا الثقل الاقتصادي يعمل ككابح للتصعيد السياسي؛ إذ يخشى صناع القرار في أوروبا من أن تقويض العلاقات الاقتصادية سيضر بقطاعات التكنولوجيا والابتكار والطاقة في أوروبا نفسها، خاصة بعد البحث عن بدائل للغاز الروسي.

وتضيف أن تغلغل الاستثمارات المتبادلة يجعل من الصعب فرض عقوبات اقتصادية دون تكبد خسائر متبادلة، مما يدفع الاتحاد لتبني سياسة الفصل بين الانتقاد السياسي الشفهي والاستمرار في التعاون التقني والاقتصادي.

السيناريو المستقبلي: الجمود أم التصعيد؟

وترجح السعدي سيناريو استمرار حالة الجمود السياسي مع اتخاذ إجراءات رمزية جزئية.

وتتوقع السعدي ألا يشهد الاتحاد تحولًا جذريًا نحو فرض عقوبات شاملة، بل “تآكلًا” تدريجيًا في الموقف الموحد.

وتلفت إلى أن دولًا فرادى، مثل إسبانيا وأيرلندا، قد تلجأ لاتخاذ خطوات منفردة مثل الاعتراف بدولة فلسطين أو فرض قيود على منتجات المستوطنات، بينما سيستمر الاتحاد كمؤسسة في إصدار بيانات متوازنة ومترددة.

وتختم السعدي حديثها محذرة من أن هذا التفتت في المواقف سيعمق من تراجع دور الاتحاد الأوروبي كلاعب وسيط، ويحول دوره إلى مجرد “ممول” يقدم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، بدلًا من أن يكون فاعلًا حقيقيًا يصيغ الحلول السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى