أذربيجان بين إيران وإسرائيل.. هل يتحول القوقاز إلى جبهة صراع جديدة؟

كتبت: هدير البحيري
في ظل موجة التصعيد المتسارع بين إيران وإسرائيل، وتزايد انتقال المواجهة من ساحات الظل إلى نطاقات أكثر وضوحًا وخطورة، تتجه الأنظار إلى جبهات جديدة خارج حدود الصراع التقليدي في سوريا والعراق. هنا تبرز أذربيجان كأحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الإقليمي، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت تتحول بالفعل إلى ساحة متقدمة في مواجهة معقدة تتشابك فيها المصالح العسكرية والأمنية بين طهران وتل أبيب.
هذا التساؤل تعززه تقارير استخباراتية كشفت عن نشر تل أبيب سرًا لوحدات عسكرية واستخباراتية، شملت عناصر من “الموساد” وقوات الكاماندوز المحمولة جوًا، على طول الحدود الشمالية لإيران.
هذا الحضور يمنح الجيش الإسرائيلي نفوذًا جغرافيًا غير مسبوق، يضع طهران تحت أعين الرصد المباشر، على بعد مسافات ضئيلة لا تتجاوز 60 ميلًا عن مراكزها الحيوية مثل مدينة تبريز.
والواقع أن هذا التموضع الاستراتيجي في القوقاز لا يمثل حدثًا معزولًا، بل يأتي كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتطويق إيران عبر محاور متعددة شملت مواقع أخرى في العراق وصوماليلاند.
ووفقًا لبيانات التحركات العسكرية، فإن هذه المواقع التي كانت تل أبيب قد خططت لها في البداية كمراكز دعم لوجستي وفرق إنقاذ في حالات الطوارئ، تحولت لاحقًا إلى منصات ذات طابع استخباراتي وهجومي متكامل، ما أتاح لسلاح الجو الإسرائيلي توظيفها في تنفيذ عمليات نوعية، بما في ذلك استخدام طائرات الشبح والطائرات المسيرة لزرع أجهزة تنصت ومهام الرصد، فضلًا عن تعزيز قدرات الإنذار المبكر ضد أي ضربات صاروخية محتملة.
ويرى مراقبون أن التعاون بين باكو وتل أبيب يستند إلى أرضية صلبة من المصالح البراغماتية المتبادلة؛ فاقتصاديًا، تمثل أذربيجان شريانًا حيويًا لأمن الطاقة الإسرائيلي عبر تزويدها بجزء كبير من احتياجاتها النفطية.
وفي المقابل، تعتمد باكو بشكل مكثف على التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية والأسلحة المتطورة -مثل منظومة “القبة الحديدية”- وهي الأسلحة التي رجحت كفتها سابقًا في صراع ناغورنو قره باغ ضد أرمينيا.
ومع تصاعد التوترات الحالية، يبدو أن هذه العلاقة قد تجاوزت حدود صفقات التسليح التقليدية إلى التنسيق العملياتي المباشر، وهو ما ظهر في إحباط مخططات هجومية مشتركة واستهداف قيادات استخباراتية إيرانية بارزة.
وفي حين تنفي باكو رسميًا استخدام أراضيها كمنطلق لعمليات تستهدف دولًا أخرى، تشير التحركات الدبلوماسية إلى رغبة أذربيجان في ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تمتلك هوامش مناورة واسعة، مستفيدة من نفوذ اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لتعزيز موقفها الدولي.
ومع ذلك، فإن تحول القوقاز إلى قاعدة انطلاق خلفية للعمليات الإسرائيلية يضع المنطقة أمام معادلة أمنية شديدة الحساسية، ما يجعل أذربيجان رقمًا صعبًا في أي مواجهة شاملة ومفتوحة قد تشهدها المنطقة.
كيف توازن أذربيجان بين الشراكة الأمنية ومحيطها الإقليمي المعقد؟
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشأن التركي والقوقازي، ساركيس قصارجيان لـ “داي نيوز” إن أهمية أذربيجان في معادلة التوازن بين إيران وإسرائيل لا ترتبط بالموقع الجغرافي وحده، رغم كونها دولة حدودية مباشرة مع إيران، بل تتجاوز ذلك إلى عوامل اجتماعية وديموغرافية أعمق.
ويوضح أن وجود غالبية أذرية داخل إيران يمنح باكو تأثيرًا غير مباشر، إذ لا تزال قطاعات من هذه الشريحة ترتبط بأذربيجان بعلاقات “روحية وعاطفية” على حد وصفه، مقارنة بين أوضاعها في الجنوب ونظيرتها في الشمال، وهو ما يجعل البعد الاجتماعي عنصرًا أكثر تأثيرًا من الجغرافيا في هذا السياق.
وفي ما يتعلق بطبيعة التقارب بين أذربيجان وإسرائيل، يشير قصارجيان إلى أن هذا التقارب لا يمكن قراءته بمعزل عن شبكة التحالفات الإقليمية الأوسع، والتي تشمل تعاونًا سابقًا بين أذربيجان وإسرائيل وتركيا وباكستان خلال الحرب بين أذربيجان وأرمينيا. ويرى أن هذا التداخل في العلاقات يحد من فكرة وجود اصطفافات حادة، موضحًا أن هذه الدول كانت تعمل ضمن مسار تعاون معلن خلال تلك المرحلة، بما في ذلك ظهور رمزي لهذا التقارب في الاحتفالات الشعبية داخل أذربيجان.
ويضيف أن الدور الأذربيجاني لا يفهم أيضًا باعتباره موجهًا ضد أطراف إقليمية مثل تركيا، بل على العكس، قد تلعب باكو دورًا توازنيًا أو وسيطًا في بعض الحالات عندما تتراجع العلاقات بين الأطراف المختلفة.
ويشير في هذا السياق إلى وساطات سابقة استضافتها أذربيجان في لقاءات غير مباشرة، بما يعكس موقعها كقناة تواصل أكثر من كونها طرفًا في مواجهة مباشرة.
وفي ما يخص احتمالات التصعيد، يرى قصارجيان أن أذربيجان، رغم موقعها الحساس، ليست في موقع يسمح لها بتحمل تداعيات مواجهة مفتوحة، كما أن إيران بدورها لا تمتلك مساحة واسعة لتصعيد مباشر ضدها، في ظل تشابك شبكة العلاقات الإقليمية.
ويضيف أن علاقات أذربيجان المتوازنة مع روسيا وتركيا وإيران وباكستان تجعل من أي تصعيد واسع ضدها خيارًا معقدًا، نظرًا لتداخل المصالح بين هذه الأطراف، ما يحد عمليًا من فرص الانزلاق نحو مواجهة مباشرة.
كيف تقرأ طهران اختراق حدودها الشمالية؟
وعلى صعيد آخر، قالت الباحثة في الشؤون الإيرانية، إسراء جبريل لـ”داي نيوز” إن إيران تنظر إلى التقارير التي تتناول وجود أنشطة أمنية أو استخباراتية لدول معادية قرب حدودها الشمالية، ولا سيما في منطقة جنوب القوقاز، من منظور أمني واستراتيجي واسع يتجاوز مسألة التثبت من صحة تلك المعلومات فقط، إذ تُدرجها طهران ضمن حسابات الأمن القومي المباشر نظرًا لحساسية الموقع الجغرافي وارتباطه بالعمق الإيراني الحيوي.
وأوضحت جبريل أن العقيدة الأمنية الإيرانية تعتبر دول الجوار في محيط القوقاز، وعلى رأسها أذربيجان، جزءًا من الدائرة الأمنية القريبة، وهو ما يجعل أي حديث عن نشاط إسرائيلي أو حضور استخباراتي قرب الحدود الإيرانية محل متابعة دقيقة من جانب المؤسسات الأمنية والعسكرية في طهران.
وفي الوقت نفسه، لفتت جبريل إلى أن صناع القرار في إيران يدركون أن بعض هذه التقارير قد يندرج ضمن سياقات الحرب النفسية أو الاستخباراتية المتبادلة، الهادفة إلى إظهار توسع النفوذ أو إثارة التوتر بين إيران وجيرانها.
وأضافت جبريل أن التجارب السابقة، وما كشفته إسرائيل خلال السنوات الماضية بشأن عمليات استخباراتية داخل العمق الإيراني، دفعت طهران إلى التعامل مع مثل هذه التقارير بدرجة عالية من الحذر، بحيث لا يتم التعامل معها باعتبارها دعاية إعلامية بحتة، ولا كتهديد عسكري مؤكد، بل كمؤشرات محتملة تستوجب الرصد والمتابعة والاستعداد.
وفيما يتعلق بطبيعة الرد الإيراني، أكدت جبريل أن طهران تميل في الغالب إلى تبني أدوات غير مباشرة في التعامل مع هذا النوع من التحديات الإقليمية، تبدأ بالمسارات الدبلوماسية وتوجيه الرسائل السياسية، مرورًا بتكثيف النشاط الاستخباراتي وجمع المعلومات، وصولًا إلى توسيع دوائر النفوذ الإقليمي عبر بناء علاقات مع أطراف منافسة في الساحة نفسها، وذلك بهدف تحقيق توازن استراتيجي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وأشارت إلى أن الخيار العسكري المباشر يظل الأقل احتمالًا ما لم تُدرك القيادة الإيرانية وجود تهديد وشيك ومباشر لأمنها القومي، لافتة إلى أن طهران تفضل إدارة هذه الملفات عبر ساحات متعددة تمنحها هامشًا أوسع للحركة وتجنبها مخاطر التصعيد الواسع في محيطها الشمالي.
وحول تأثير هذه الضغوط على القرار الداخلي الإيراني، أوضحت جبريل أن دوائر صنع القرار في طهران تواجه معادلة دقيقة بين الحفاظ على صورة الردع ومنع أي انطباع بالضعف، وبين تجنب فتح جبهات جديدة قد تفرض أعباءً سياسية واقتصادية وأمنية إضافية.
ولفتت إلى أن هناك اعتبارات إقليمية مهمة تلعب دورًا في ضبط سلوك إيران، من بينها طبيعة العلاقة بين أذربيجان وتركيا، إضافة إلى الحضور الروسي في جنوب القوقاز، وهو ما يدفع طهران إلى الحذر في إدارة أي تصعيد قد ينعكس على توازناتها مع هذه الأطراف. كما أشارت إلى أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات المستمرة تشكل عاملًا إضافيًا يدفع إيران نحو تفضيل أدوات الاحتواء غير المباشر بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة، إلا في حال تحول التهديد إلى خطر فعلي لا يمكن احتواؤه بوسائل أخرى.
ومع ذلك، أوضحت جبريل أن طهران رغم تفضيلها عادةً تجنب فتح جبهة عسكرية في جنوب القوقاز واعتمادها على أدوات الضغط الدبلوماسي والاستخباراتي والردود غير المباشرة، فإن حساباتها الاستراتيجية قد تتغير بشكل واضح إذا اقتنعت بوجود هجوم مباشر على أراضيها انطلق من داخل أذربيجان أو جرى بدعم لوجستي وعسكري من أراضيها.
وأضافت أن إيران في هذه الحالة قد تنظر إلى الموقف باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، وليس مجرد تعاون أو تقارب أذربيجاني–إسرائيلي، وهو ما قد يدفعها إلى تنفيذ رد عسكري محدود يستهدف مواقع تراها مرتبطة بالهجوم، وذلك في إطار الحفاظ على قوة الردع ومنع تكرار مثل هذه العمليات مستقبلًا.
وأشارت جبريل إلى أن أي رد إيراني محتمل سيظل في الغالب ردًا محسوبًا ومحدد النطاق، إذ تسعى طهران إلى تفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة مع أذربيجان، أو الدخول في أزمة إقليمية أوسع قد تمتد تداعياتها إلى تركيا وروسيا، اللتين تمتلكان مصالح استراتيجية مباشرة في منطقة جنوب القوقاز.


