لغز “تضارب تصريحات واشنطن وطهران”.. هل تفشل مفاوضات سويسرا أم أنها حرب نفسية لتسويق “الصفقة”؟
بقلم: أميرة جادالله، صحفية و محللة استراتيجية

منذ اختتام الجولة الأولى من المفاوضات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران يوم الاثنين الماضي في منتجع “بورغنستوك” السويسري، والساحة الإعلامية تعيش حالة من “الانفصام” السياسي الحاد.
فمن جهة واشنطن، يلوح الرئيس دونالد ترامب بـ “العصا الغليظة” مهدداً بضربات عسكرية وقيود صارمة، بينما يتنقل صقور إدارته بين عواصم المنطقة بنبرة هادئة تتحدث عن “وضع حجر الأساس لسلام دائم”.
وفي المقابل، تقابل طهران هذا الضجيج بنبرة لا تقل عنترية؛ إذ يتبارى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومسؤولو البنك المركزي في نفي تقديم أي “تنازلات سيادية”، وسط تسريبات ترفض حتى شروط شراء مواد زراعية أمريكية بالأموال التي سيُفرج عنها.
اقرأ أيضًا: بعد محادثات واشنطن.. ماذا يريد الرئيس الإيراني من باكستان؟
كمتابع سطحي للأخبار، قد تظن أن المفاوضات التي ترعاها الدبلوماسية القطرية والباكستانية قد انفرط عقدها قبل أن تبدأ، خاصة بعد مشهد “الانسحاب المؤقت” للوفد الإيراني احتجاجاً على تغريدات ترامب.
لكن في علم التحليل الاستراتيجي وقراءة خرائط النفوذ، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ فما نراه علناً ليس بوادر فشل، بل هو “بروتوكول رفع السقف” الكلاسيكي، تكتيك دبلوماسي خشن يُلعب على مسرح الإعلام، بينما تتدفق التفاهمات الحقيقية في الغرف المغلقة.
هذا التناقض الصارخ محكوم بضرورات “الاستهلاك المحلي”. كلا الطرفين يعاني ضغوطاً داخلية هائلة ويحتاج لتسويق “مسودة البنود الـ14” أمام جمهوره كمنتصر أوحد.
ترامب، المحاصر بانتقادات الصقور في واشنطن الذين يرون في الاتفاق مرونة زائدة مع إيران، مجبر على ممارسة “البلطجة السياسية” علناً ليحافظ على صورة القائد الحازم.
وفي المقابل، يحتاج النظام الإيراني لإقناع شارعه وقواعده بأن حزمة المكتسبات الاقتصادية المتوقعة — بما فيها رفع الحظر عن مضيق هرمز وإعفاءات النفط — هي نتاج “الصمود”، وليست تراجعاً أمام الضغط الأمريكي.
اقرأ أيضًا: إيران ترفض تفتيش منشآتها النووية المتضررة ..خلاف جديد بين أمريكا وإيران
ورغم هذا التراشق الذي يشبه “عض الأصابع”، فإن ما يجري خلف الكواليس يشي بجدية مغايرة تماماً. تقارير مراكز الأبحاث الدولية، وفي مقدمتها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تؤكد أن المجموعات الفنية بدأت بالفعل صياغة آليات التنفيذ المعقدة تحت غطاء مهلة الـ 60 يوماً المقترحة للاتفاق النهائي.
خلف الستار الدبلوماسي، هناك لجان تقنية تعمل الآن على تفكيك شيطان التفاصيل؛ من وضع جداول زمنية لإعفاءات النفط الإيراني، إلى صياغة الآلية الفنية التي طرحتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإعادة المفتشين والإشراف على نسب تخصيب اليورانيوم.
والأهم من ذلك، هو تأسيس “خط ساخن” لمنع الاحتكاكات البحرية في الخليج، ووجود خلية عمل غير معلنة لضبط إيقاع الجبهات المشتعلة في المنطقة، وتحديداً في جنوب لبنان، والتي تمثل الاختبار الحقيقي لمدى التزام الأطراف.
قراءة المشهد في النهاية تشير إلى أن الدبلوماسية الخشنة تُكتب بالتهديدات علناً، وتُدار بالوكالة على جبهات المنطقة، لكن “الصفقة الكبرى” تُطبخ بهدوء طوال الـ 60 يوماً القادمة في سويسرا. التحركات المتسارعة اليوم — ومنها الجولات الأمريكية المكثفة في عواصم الخليج — تؤكد أن عجلات القطار قد تحركت بالفعل، وأن الصراخ الإعلامي ليس إلا الغطاء الدخاني لطبخة أوشكت أن تنضج.



