مقالات

عالم غريب جداً.. دلهي بلا أطفال والمدن الكبرى تفقد بريقها

أكرم ألفي يكتب:

قبل 20 عاماً، كتب صحفي أميركي أن دلهي مدينة مزدحمة جداً لدرجة أن الوحدة فيها تصبح رفاهية. لكن، عزيزي، لا تستغرب إذا علمت أن دلهي، ثاني أكبر تجمع حضري على وجه الأرض، والتي يقطنها أكثر من 35 مليون نسمة، أصبحت تواجه للمرة الأولى منذ 130 عاماً شبح انخفاض السكان. إنه عالم غريب، مغاير للعالم الذي تشكّل وعينا عليه قبل عقود، وعلينا أن ندرك ذلك قبل أن نستيقظ على عالم آخر لم نكن نعرفه.

سألني صديق قبل أشهر: لماذا لا تكتب عن سكان الهند؟ وكانت إجابتي أنني أخشى استخدام الديموجرافيا لإثارة النعرات الطائفية، إذ إن دراستي الخاصة لسكان الهند تحولت تدريجياً إلى دراسة للصراع الممتد بين الهندوس والمسلمين، وهي منطقة لا أرغب في الاقتراب منها ديموجرافيا حتى لا تُستخدم لإثارة حوار غير عقلاني حول الصراع الديني فذهبت دراستي عن الهند إلى إدراج مكتبي لا تخرج منه للعلن.

لكن مع صدور تقرير نظام تسجيل العينات الهندي (Sample Registration System – SRS) أمس الأول، والذي كشف عن تراجع معدل الخصوبة في الهند إلى 1.9 طفل لكل سيدة في عام 2024، مقابل 2.1 في عام 2022، وأن معدل الخصوبة في دلهي بلغ 1.2 طفل فقط، أصبحت الفرصة مناسبة للحديث عن سكان هذه المدينة العجيبة التي أحلم منذ صغري بزيارتها، ولم أحقق هذا الحلم حتى اليوم.

دلهي، المدينة العجيبة التي يمكنك أن ترى فيها الهند كلها عند إشارة مرور واحدة؛ الغنى والفقر، العجلة والصبر، الفوضى والنظام. وهي مدينة التضخم السكاني في عالم ما قبل 2010، والتعبير الكلاسيكي عن الهجرة من الريف إلى المدينة، تلك الظاهرة التي طبعت العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1901، لم يكن عدد سكان دلهي يتجاوز 400 ألف نسمة، لكن بعد عام 1940 شهدت المدينة موجات هجرة كثيفة وغير مسبوقة من الريف، بالتزامن مع ارتفاع قياسي في معدلات الخصوبة وصل في فترة من الفترات إلى 8 أطفال لكل سيدة.

لكن قبل عشر سنوات فقط بدأت ظاهرة جديدة في دلهي، تمثلت في تراجع أعداد القادمين من الريف، إلى جانب انخفاض مفاجئ وقياسي في معدلات الخصوبة، لتصل إلى 1.2 طفل لكل سيدة، أي أقل من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة والسويد!

وظاهرة دلهي ليست استثناءً، بل هي ظاهرة عالمية. فالمدن الكبرى مثل طوكيو وبكين والقاهرة وغيرها بدأت تفقد بريقها السكاني.

أو بتعبير أدق: بدأت رحلة السكون السكاني، مع تراجع ملحوظ في أعداد القادمين من الريف، إلى جانب انخفاض قياسي في معدلات الخصوبة. فعلى سبيل المثال، تراجع معدل النمو السكاني في القاهرة من 2% قبل عشرين عاماً إلى 0.6% فقط خلال العام المنتهي في الأول من مايو 2026.

أما دلهي المزدحمة جداً، فقد أصبح عدد الأطفال فيها أقل من أي وقت مضى منذ عام 1990. فالمدينة التي كانت شوارعها تمتلئ بالأطفال، حتى وصفها كاتب هندي بأنها «حضانة ضخمة بلا أسوار»، أصبح الأطفال فيها يمثلون أقلية، في ظاهرة لم تشهدها المدينة منذ الحرب العالمية الثانية. فللمرة الأولى، أصبحت نسبة السكان في الفئة العمرية من 0 إلى 14 عاماً نحو 18% فقط من إجمالي سكان دلهي.

ويبقى الحلم أن أزور دلهي قبل أن يصبح الأطفال في شوارعها عملة نادرة جداً، ووداعاً لبريق المدن الكبرى المزدحمة.. البريق الذي بزغ بعد الحرب العالمية الثانية، ليبدأ خفوته في القرن الحالي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى