تقارير

داعش.. هل انتهت المعركة أم تغيرت ملامح التهديد؟

كتبت/ منار حجاج

لم يعد تنظيم داعش ذلك الكيان الذي يسيطر على المدن ويرفع رايته فوق مساحات واسعة من الأراضي، إلا أن تراجعه الميداني لم يكن نهاية لتهديده.

فبعد انهيار مشروع “الخلافة”، انتقل التنظيم إلى مرحلة جديدة تقوم على المرونة واللامركزية والانتشار عبر الخلايا والشبكات العابرة للحدود، مستفيدًا من الأزمات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط وافريقيا وآسيا.

وبين محاولات إعادة التموضع وتغير أساليب التجنيد والقتال، يطرح المشهد تساؤلات حول طبيعة التهديد الداعشي في صورته الجديدة ومستقبل مواجهته خلال السنوات المقبلة..

وفي هذا السياق يقول العقيد محسن الشوبكى، الخبير الأمني والاستراتيجي:” إن تحول تنظيم داعش بعد انهيار دولة “الخلافة” المكانية في سوريا والعراق إلى ما يمكن تسميته بالتنظيم الهجين أو الافتراضي، حيث لم يعد يمثل كياناً جغرافياً يسيطر على مدن ويمتلك مؤسسات حكم علنية، بل تحول إلى شبكة تمرد عالمية لامركزية تتمتع بدرجة عالية من المرونة الشبكية واللامركزية التشغيلية.

هذا الوضع الحالي يجعله أقل قدرة على شن هجمات استراتيجية كبرى كالتي شهدها منتصف العقد الماضي، لكنه في الوقت ذاته يجعله أكثر مرونة، وأصعب في الاستهداف، وأقل عبئاً من الناحية الإدارية والمالية، مما يمنحه قدرة ديناميكية على البقاء الطويل كتهديد أمني مستمر ضمن نمط التهديد اللامركزي بدلاً من كونه سلطة حاكمة.

ويمكن القول إن التنظيم انتقل بدرجة كبيرة من مرحلة السيطرة الجغرافية والتمكين إلى مرحلة “حرب العصابات” والعمل عبر الخلايا الأمنية المتفرقة والمستقلة”.

أقرأ أيضًا:واشنطن تتعاون مع الإدارة السورية الجديدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية حول داعش

ويتابع محسن الشوبكي: “هذه الخلايا تعمل ضمن هيكلية عنقودية مرنة، بحيث لا تعرف الخلية الأخرى لحمايتها من الاختراق الأمني، وتعتمد في تحركاتها على المباغتة، والعبوات الناسفة، والاغتيالات الخاطفة، والكمائن المعزولة، إضافة إلى تكتيكات الكر والفر والاستنزاف منخفض الكلفة.

هذا التحول التكتيكي يتيح للتنظيم إنهاك الخصوم واستنزافها دون الحاجة للدخول في مواجهات عسكرية مفتوحة لا يمتلك غطاءً جوياً أو تسليحاً ثقيلاً يضمن له التفوق فيها، وذلك في إطار التكيف مع الضغوط العسكرية وإعادة التموضع العملياتي”.

بؤر النشاط الجديدة وتمدد التنظيم خارج الشرق الأوسط
ويشير الشوبكي إلى أن تتركز عمليات التنظيم الحالية في المناطق ذات التضاريس المعقدة والبيئات الرخوة أمنياً والفراغات السيادية؛ ففي سوريا والعراق، يستغل التنظيم بادية الشام والمناطق الفاصلة بين القوى العسكرية، مستفيداً من التبدلات الميدانية والسياسية الأخيرة التي شهدتها المنطقة وأعادت رسم خرائط النفوذ.

أما على الصعيد العالمي، فقد نقل التنظيم جزءاً مهماً من ثقله العملياتي ضمن سياسة التمدد الأفقي إلى بيئات بديلة أبرزها منطقة الساحل الإفريقي وحوض بحيرة تشاد التي تعاني من هشاشة الدولة الوطنية وغياب شبه كامل لسيادة الدول، بالإضافة إلى أجزاء من أفغانستان عبر فرعه “ولاية خراسان” الذي يستغل التوترات الإقليمية والفوضى الجيوسياسية لتوسيع رقعة عملياته الخارجية وقدرته على إعادة إنتاج التهديد”.

التجنيد الرقمي والاعتماد على الذئاب المنفردة

ويستكمل الشوبكي: “على الرغم من تراجع جاذبية التنظيم الفكرية، إلا أنه يحاول التكيف مع المتغيرات الكبرى التي جردته من أهم أوراقه التجنيدية؛ فبعد التوافقات الدولية الأخيرة التي أفضت إلى تفكيك البنية الرئيسية لمخيم الهول وبدء إغلاقه الفعلي إثر نقل معظم قاطنيه، ونقل آلاف السجناء الخطرين من عناصر التنظيم بشكل منظم ومؤمّن إلى السجون العراقية للحد من احتمالات فرارهم، تراجع الاحتياطي البشري الاستراتيجي الذي كان التنظيم يراهن عليه كتهديد أمني مؤجل وقاعدة بشرية كامنة قابلة لإعادة التفعيل.

وبناءً على هذا التحول، أصبح التنظيم يعتمد بصورة متزايدة على ذراعه الرقمي وشبكات التواصل المشفرة لتجنيد “الذئاب المنفردة”، مستغلاً الثغرات الأمنية والمظالم الاقتصادية والنعرات القبلية في إفريقيا وآسيا لإقناع عناصر جديدة بالانضمام إليه تحت شعارات مظلومية طائفية أو عرقية، ضمن مقاربة تعتمد على إعادة التشكل والتكيف البنيوي”.

البيئة الحاضنة وأسباب استمرار التهديد

ويوضح الخبير الأمني والاستراتيجي قائلاً: “تلعب الأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة في الشرق الأوسط وإفريقيا دور المغذي الأساسي لاستمرار تهديد التنظيم؛ فالانقسامات السياسية، والصراعات البينية بين القوى الإقليمية والدولية، وتشتت الجهود العسكرية في محاربة الإرهاب، وتضارب أولويات الفاعلين الدوليين تمنح التنظيم المساحة الزمنية والمكانية لترتيب صفوفه وإعادة التموضع.

وفي المقابل، فإن أي استقرار سياسي وتنموي وتنسيق أمني حقيقي بين الدول يؤدي مباشرة إلى تراجع التنظيم وحصاره، مما يثبت أن محاربة داعش ترتبط بالبيئة الحاضنة والظروف السياسية وهشاشة البنى الأمنية أكثر من ارتباطها بالعمل العسكري البحت”.

هل انتهى خطر داعش؟

ويختتم الشوبكي حديثه قائلاً: “لا يمكن القول بأي حال من الأحوال إن خطر تنظيم داعش قد انتهى، بل إنه تغير في الشكل والأسلوب الاستراتيجي فقط. إن الخطر تحول من تهديد تقليدي ملموس يرتبط بحدود جغرافية واضحة، إلى تهديد شبكي عابر للحدود يعتمد على الفكر العنيف والعمليات اللامركزية، وهو ما يجعله مرشحاً لإعادة التشكيل العملياتي واستعادة النشاط في حال توفرت له الظروف السياسية والأمنية الملائمة.

وهذا ما يتطلب استمرار الجهود الدولية وضخ استثمارات حقيقية في معالجة الجذور الفكرية والاقتصادية للإرهاب، ضمن مقاربة شاملة تتجاوز الحلول العسكرية والأمنية المؤقتة نحو بناء استقرار سياسي وتنموي طويل الأمد”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى