أخبار دوليةتقارير

من الآيات القرآنية إلى الغيابات الغامضة.. أكثر المشاهد إثارة للجدل في مراسم تشييع علي خامنئي

كتبت: إسراء جبريل

لم تكن مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي مجرد حدث جنائزي هو الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل تحولت إلى منصة سياسية مفتوحة، اختلطت فيها الرمزية الدينية بصراعات السلطة، ورسائل السياسة الخارجية، والتناقضات الداخلية، حتى بدا أن كل صورة، وكل غياب، وكل آية قرآنية، وكل هتاف، يحمل رسالة تتجاوز حدود المراسم نفسها.

فهذه المراسم التي امتدت على مدار عدة أيام وشملت طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد، جاءت في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ أعقبت واحدة من أعقد المراحل الأمنية والعسكرية التي مرت بها إيران، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار تداعيات الحرب الأخيرة، واحتدام الجدل حول مستقبل القيادة الإيرانية وترتيبات مرحلة ما بعد خامنئي.

وبينما ركزت وسائل الإعلام على الحشود والوفود الأجنبية، كانت التفاصيل الصغيرة هي التي أثارت أكبر قدر من الجدل، وفتحت الباب أمام عشرات التأويلات حول مستقبل النظام الإيراني وشكل المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: السلطة الخفية.. من هو المتحكم الرئيسي في إيران؟

هل حملت الآيات القرآنية في مراسم تشييع علي خامنئي رسائل دبلوماسية إلى الوفود الأجنبية؟

كان المشهد الأكثر تداولًا خلال المراسم هو مقاطع الفيديو التي أظهرت قارئ القرآن الكريم وهو يتلو آيات مختلفة بالتزامن مع مرور عدد من الوفود الأجنبية المشاركة في تقديم العزاء.

وسرعان ما انتشرت هذه المقاطع على نطاق واسع، خاصة في وسائل الإعلام العربية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثير من المتابعين أن اختيار الآيات لم يكن عشوائيًا، وإنما جرى بعناية ليحمل رسائل سياسية موجهة إلى كل دولة بحسب طبيعة علاقتها بطهران.

ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي يؤكد وجود بروتوكول يقضي بتخصيص آيات معينة لكل وفد، فإن هذا التفسير لم يبدُ بعيدًا عن طبيعة الخطاب السياسي الإيراني، الذي اعتاد توظيف النصوص الدينية في صياغة الرسائل السياسية.

فالقرآن الكريم يحتل مكانة مركزية في الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، ليس بوصفه مرجعًا دينيًا فقط، وإنما أيضًا باعتباره مصدرًا للشرعية السياسية والثورية.

فمنذ عام 1979، دأب قادة النظام، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى، على الاستشهاد بالآيات القرآنية في خطاباتهم المتعلقة بالحروب، والمواجهة مع الولايات المتحدة، ودعم حركات “محور المقاومة”، والصمود أمام العقوبات.

من أكثر المشاهد التي لفتت انتباه المحللين، تزامن مرور الوفد العراقي مع تلاوة الآية التاسعة والعشرين من سورة الفتح: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ…”

وتحمل هذه الآية مكانة خاصة في الأدبيات السياسية الإيرانية؛ إذ تجمع بين مفهومين يشكلان أساس خطاب “محور المقاومة”: الصلابة في مواجهة الخصوم، والتماسك الداخلي بين الحلفاء.

وجاء ذلك في وقت يشهد فيه العراق نقاشًا واسعًا حول مستقبل الفصائل المسلحة، ومستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، وإعادة ترتيب المشهد الأمني بعد سنوات من الصراع.

ومن هذا المنطلق، رأى البعض أن اختيار هذه الآية، إذا كان مقصودًا، يعكس دعوة ضمنية إلى الحفاظ على وحدة الصف داخل محور المقاومة، وعدم السماح للخلافات الداخلية بإضعاف التحالف الإقليمي الذي تعتبره طهران أحد أهم أدوات نفوذها في المنطقة.

أما مع مرور الوفد الباكستاني، فقد تداولت وسائل الإعلام تلاوة الآية الثمانين من سورة الإسراء: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا.”

وتختلف هذه الآية عن غيرها؛ فهي لا تحمل طابعًا قتاليًا أو تعبويًا، وإنما تدور حول الصدق في المهمة، وحسن الدخول والخروج، وطلب العون الإلهي.

وقد ربط عدد من المتابعين بين مضمون الآية والدور الذي تؤديه إسلام آباد في تسهيل الاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب أدوار وساطة أخرى تقوم بها في الإقليم.

الرسائل المبطنة إلى الخليج… بين التقارب السياسي واستمرار الحذر

إذا كانت الرسائل المنسوبة إلى العراق وباكستان جاءت منسجمة مع طبيعة العلاقات القائمة بين طهران وكل من بغداد وإسلام آباد، فإن الجدل الحقيقي بدأ مع مرور الوفدين السعودي والقطري، إذ رأى كثير من المحللين أن الآيات المتداولة آنذاك حملت دلالات سياسية أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل التوازنات الجديدة التي تشهدها المنطقة بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية، واستمرار الدور القطري في الوساطة بين طهران وواشنطن.

كانت أكثر اللحظات إثارة للنقاش هي تزامن مرور الوفد السعودي مع تلاوة الآية الثالثة عشرة من سورة آل عمران: “قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ”.

وتُعد هذه الآية من الآيات المرتبطة بمعركة بدر، التي تمثل في الوعي الإسلامي رمزًا لانتصار الفئة الأقل عددًا وعدةً على خصم يفوقها قوة.

وجاء تداول هذه الآية في توقيت بالغ الحساسية، إذ لا تزال العلاقات الإيرانية السعودية تتحرك بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في استمرار التقارب السياسي الذي بدأ بوساطة صينية، والثاني يتمثل في بقاء الخلافات الاستراتيجية حول ملفات النفوذ الإقليمي، إضافة إلى الاتهامات الإيرانية السابقة لبعض دول المنطقة بالسماح باستخدام قواعد أمريكية خلال المواجهات العسكرية الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، اعتبر البعض أن اختيار الآية، إذا كان مقصودًا، يحمل رسالة مفادها أن موازين القوة لا تُقاس بالتفوق العسكري أو حجم التحالفات، وإنما بالإرادة والثبات، وهي الرسالة التي لطالما تبناها الخطاب الثوري الإيراني في مواجهة خصومه.

في المقابل، يرى فريق آخر أن الربط بين الآية والوفد السعودي يظل قائمًا على التزامن الزمني فقط، ولا يمكن اعتباره دليلًا على وجود رسالة سياسية مباشرة، خصوصًا في ظل عدم صدور أي توضيح رسمي من الجهات المنظمة للمراسم.

أما مع مرور الوفد القطري، فقد تداولت وسائل الإعلام تلاوة الآية الثانية من سورة الفتح: “لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.”

وتحتل قطر موقعًا استثنائيًا في الحسابات الإيرانية؛ فهي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال مستقرة مع طهران، كما لعبت خلال السنوات الماضية أدوارًا بارزة في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن مشاركتها في جهود إقليمية متعددة لتخفيف التصعيد.

ولهذا، رأى البعض أن مضمون الآية قد يُفهم باعتباره تعبيرًا عن تقدير للدور التوفيقي الذي تؤديه الدوحة، ورسالة تشجع استمرار الوساطة والحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة.

إلا أن هذا التفسير، شأنه شأن بقية القراءات، يبقى ضمن إطار التحليل السياسي، وليس حقيقة يمكن إثباتها في ظل غياب أي بروتوكول معلن يوضح كيفية اختيار الآيات أثناء مرور الوفود.

لماذا تُقرأ الإشارات في إيران أكثر من التصريحات؟

لفهم حجم الجدل الذي أثارته هذه التلاوات، لا بد من العودة إلى طبيعة الثقافة السياسية في الجمهورية الإسلامية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الرمزية”.

فمنذ انتصار الثورة الإسلامية، لم تقتصر الرسائل الإيرانية على التصريحات الرسمية، بل امتدت إلى اختيار أسماء العمليات العسكرية، وتوقيت الخطابات، والاستشهاد بالآيات القرآنية، واستحضار شخصيات وأحداث تاريخية مثل بدر وخيبر وكربلاء، باعتبارها رموزًا تعبّر عن الصمود والانتصار أكثر من كونها مجرد إشارات تاريخية.

ويمنح هذا الأسلوب القيادة الإيرانية عدة مزايا في الوقت نفسه؛ فهو يرسخ البعد العقائدي للرسالة لدى الجمهور الداخلي، ويترك للطرف الخارجي مساحة واسعة للتأويل، كما يوفر هامشًا من “الغموض البنّاء”، يسمح للنظام بعدم تبني أي تفسير بصورة رسمية إذا اقتضت الظروف السياسية ذلك.

لذلك، فإن تفسير الآيات المتلوة خلال مراسم التشييع باعتبارها رسائل سياسية لا يبدو منفصلًا عن طبيعة الخطاب الإيراني، لكنه يظل بحاجة إلى دليل مباشر يثبت أن اختيار كل آية كان مرتبطًا بالفعل بالوفد الذي مرت أمامه.

الغياب الذي سرق الأضواء… أين كان مجتبى خامنئي؟

ورغم الضجة التي أثارتها التلاوات القرآنية، فإن الحدث الذي هيمن على النقاشات داخل إيران وخارجها كان الغياب الكامل لمجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، عن مراسم الوداع وإقامة الصلاة والتشييع في كل من طهران وقم.

ويكتسب هذا الغياب أهمية استثنائية، لأن مجتبى كان يُعد، خلال السنوات الماضية، أحد أكثر الأسماء تداولًا في التكهنات المتعلقة بخلافة والده، نظرًا لنفوذه داخل بعض دوائر المؤسسة الأمنية والدينية، وارتباط اسمه بعدد من الملفات الحساسة.

وفي المقابل، ظهر ثلاثة من أبناء خامنئي الآخرين (مصطفى، ومسعود، وميثم) خلال مراسم الصلاة التي أمّها المرجعان جعفر سبحاني في طهران وعبدالله جوادي آملي في قم، الأمر الذي زاد من حدة التساؤلات حول أسباب غياب مجتبى وحده.

وسرعان ما انتشرت عدة فرضيات، تراوحت بين الحديث عن إصابته في إحدى الضربات الجوية التي استهدفت مواقع حساسة خلال الحرب الأخيرة، وبين وجود ترتيبات سياسية وأمنية مرتبطة بملف الخلافة، دفعت إلى إبعاده عن الظهور الإعلامي في هذه المرحلة.

ورغم أن أيًا من هذه الفرضيات لم يحظَ بتأكيد رسمي، فإن مجرد استمرار غياب الشخصية الأكثر ارتباطًا بملف الخلافة كان كافيًا لتحويله إلى أكثر الملفات إثارة للنقاش خلال مراسم التشييع، خصوصًا في ظل حساسية المرحلة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية، وما يرافقها من تساؤلات حول شكل القيادة المقبلة وآليات انتقال السلطة داخل النظام.

أزمة اقتصادية ومراسم باهظة التكلفة… حين اصطدم الخطاب الثوري بواقع الشارع

بعيدًا عن الرسائل السياسية والرمزية، فرضت الأوضاع الاقتصادية نفسها بقوة على النقاش الدائر حول مراسم التشييع، بعدما تحولت تكلفة تنظيمها إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إيران.

فقد امتدت المراسم على مدار ستة أيام، وشملت خمس مدن هي طهران، وقم، والنجف، وكربلاء، ومشهد، ما استدعى تعبئة لوجستية ضخمة شملت آلاف العناصر الأمنية والتنظيمية، إضافة إلى توفير وسائل النقل المجانية، وإقامة المواكب، وتأمين الإعاشة للزوار، فضلاً عن تعطيل المؤسسات الرسمية في عدد من المحافظات.

وفي المقابل، تعيش إيران واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ سنوات، مع استمرار التضخم، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من الإيرانيين تنظر إلى حجم الإنفاق على المراسم باعتباره منفصلًا عن الواقع المعيشي اليومي.

ولم يقتصر الجدل على حجم الأموال التي أُنفقت، بل امتد إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتأمين المراسم، ومنها إزالة أجزاء من مسارات الحافلات السريعة (BRT)، وتركيب حواجز خرسانية، وإعادة تنظيم الحركة المرورية في مناطق واسعة من العاصمة، وهي إجراءات رأى منتقدون أنها أضافت أعباء مالية جديدة في وقت تعاني فيه الميزانية العامة من ضغوط كبيرة.

وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالًا يتكرر في إيران خلال المناسبات الكبرى: إلى أي مدى تستطيع الدولة الاستمرار في تنظيم فعاليات ضخمة ذات طابع سياسي وديني بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية على المواطنين؟

معركة الأرقام… هل كانت الحشود بالملايين؟

كما هو الحال في معظم المناسبات السياسية الكبرى داخل إيران، لم تكن أعداد المشاركين محل اتفاق بين الرواية الرسمية وروايات وسائل الإعلام المستقلة.

فقد تحدثت وسائل الإعلام الحكومية عن مشاركة “مليونية” ووصفت التشييع بأنه أحد أكبر التجمعات الشعبية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مستندة إلى صور جوية ومقاطع بثها التلفزيون الرسمي.

في المقابل، شككت وسائل إعلام معارضة وعدد من المراقبين في هذه الأرقام، معتبرين أن حجم المشاركة جاء أقل من التوقعات، رغم تعطيل الدوائر الحكومية، وحشد موظفي الدولة، ومشاركة عناصر من المؤسسات العسكرية والأمنية في تنظيم الحدث.

وزاد من حدة الجدل انتشار مزاعم على منصات التواصل الاجتماعي بأن السلطات قررت تقليص بعض مسارات التشييع في طهران خلال اللحظات الأخيرة، حتى تبدو الحشود أكثر كثافة في الصور الجوية ولقطات البث المباشر.

ولا توجد أدلة رسمية تؤكد صحة هذه الادعاءات، كما لم تقدم الجهات المنظمة تفسيرًا واضحًا لأسباب تعديل بعض المسارات، وهو ما أبقى القضية في إطار السجال السياسي والإعلامي، لكنه يعكس في الوقت نفسه مدى الحساسية التي يوليها النظام الإيراني لصورة الحشود باعتبارها أحد أهم مؤشرات الشرعية الشعبية.

محمود أحمدي نجاد… ظهور أنهى الشائعات

ومن بين أكثر المشاهد التي جذبت اهتمام وسائل الإعلام، الظهور المفاجئ للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، بعد فترة طويلة من الغياب عن المشهد العام.

وكانت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، قد تحدثت خلال الحرب الأخيرة عن تعرض منزل أحمدي نجاد لهجوم، وظهرت تكهنات ربطت اسمه بسيناريوهات تتعلق بمرحلة ما بعد النظام، وهي روايات لم تؤكدها السلطات الإيرانية.

لذلك، اعتُبر ظهوره في مراسم تشييع خامنئي رسالة بحد ذاته، إذ بدد كثيرًا من الشائعات التي أحاطت بمصيره، وأظهر أنه لا يزال حاضرًا داخل المشهد السياسي الإيراني، رغم سنوات الخلاف مع مؤسسات النظام واستبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية أكثر من مرة.

كما أن مشاركته في مراسم تشييع شخصية دخل معها في خلافات سياسية حادة خلال السنوات الأخيرة، عكست طبيعة النظام الإيراني، الذي يحرص في اللحظات المفصلية على إظهار قدر من التماسك الداخلي، حتى بين الشخصيات التي شهدت علاقاتها بالمؤسسة الحاكمة توترات كبيرة.

غياب روحاني وخاتمي… رسالة سياسية أكثر منها بروتوكولية

وفي مقابل ظهور أحمدي نجاد، بدا الغياب الكامل للرئيسين السابقين حسن روحاني ومحمد خاتمي أكثر إثارة للانتباه.

فلم تُنشر أي صور لهما خلال مراسم الوداع أو التشييع، كما أشارت تقارير إعلامية إلى أنهما لم يكونا ضمن المدعوين للمراسم الرسمية.

وأعاد هذا الغياب إلى الواجهة الانقسامات العميقة داخل النخبة السياسية الإيرانية، والتي لم تختف حتى في لحظة وداع الشخصية الأكثر تأثيرًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية بعد الإمام الخميني.

عراقجي يصل على دراجة نارية… صورة اختزلت مفارقات المرحلة

وربما كانت أكثر الصور تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي هي تلك التي أظهرت وزير الخارجية عباس عراقجي وهو يصل إلى مقر مراسم التشييع على متن دراجة نارية، بعدما حالت الإجراءات الأمنية وإغلاق الطرق دون وصول موكبه الرسمي.

ورغم الطابع العفوي للصورة، فإنها تحولت سريعًا إلى رمز لمفارقة سياسية لافتة؛ ففي الوقت الذي كان عراقجي يقود الجهود الدبلوماسية لإدارة الأزمة، كانت مجموعات من المشاركين تردد هتافات رافضة لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

وبدا المشهد وكأنه يجسد بدقة طبيعة السياسة الإيرانية القائمة على مسارين متوازيين؛ أحدهما ثوري تعبوي يخاطب الشارع، والآخر دبلوماسي براغماتي يعمل على إدارة الأزمات خلف الكواليس.

اقرأ أيضًا: من “الموت لأمريكا” إلى “التفاوض”.. هل يبتلع الاتفاق المحتمل أحد أكثر شعارات إيران قداسة؟

في المجمل، لم يكن الجدل الذي أحاط بمراسم تشييع علي خامنئي نابعًا من حجم الحدث وحده، بل من كثافة الرسائل التي حملتها تفاصيله. فمن الآيات القرآنية التي فُسرت على أنها إشارات دبلوماسية، إلى الغياب اللافت لشخصيات مؤثرة، مرورًا بالجدل حول تكاليف المراسم وأعداد المشاركين، وصولًا إلى التناقض بين الشعارات الثورية والحراك الدبلوماسي، بدت المراسم وكأنها مرآة تعكس التعقيدات التي تواجه الجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد خامنئي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى