تقارير

السلطة الخفية.. من هو المتحكم الرئيسي في إيران؟

كتبت: سارة محمود

 

قُتل علي خامنئي الذي حكم البلاد مرشدًا أعلى منذ عام ١٩٨٩، في غارة جوية في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في ٢٨ فبراير.

وخلفه مجتبى خامنئي في منصب المرشد الأعلى، لكنه ابتعد عن الأضواء. وقد قرأ مذيعو التلفزيون بعض التصريحات المنسوبة إليه.

وأثار غيابه عن الحياة العامة شائعات حول صحته، بل وصل الأمر إلى حد التكهنات حول ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.

تقارير متضاربة

 

وفقًا لتقارير أمريكية جديدة، استنادًا إلى مصادر استخباراتية متعددة، فإن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي ، الذي لم يظهر علنًا منذ توليه منصبه في مارس، على قيد الحياة ويشارك بنشاط في صياغة استراتيجيات الحرب.

وأكد التقرير التقديرات بأنه لا يزال يتلقى العلاج من حروق خطيرة في جسده جراء غارة جوية أودت بحياة والده وسلفه علي خامنئي، ولكنه يساهم في المفاوضات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الدائرة.

وأضاف التقرير أنه لا يستخدم الأجهزة الإلكترونية، ويتواصل فقط مع عدد محدود من الأشخاص، إما عبر اتصال مباشر محدود أو عن طريق وسيط.

في المقابل، ذكر مصدر آخر أن خامنئي معزول نسبيًا عن عملية صنع القرار، ولا يمكن الوصول إليه إلا على فترات متقطعة.

وقد أدى ذلك إلى تولي كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي إدارة العمليات اليومية إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

وفي سياق منفصل، صرّح علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، بأن دور المرشد الجديد يقتصر أساسًا على الموافقة على القرارات النهائية والهامة وتأكيدها.

ويُفترض أن هذا الدور لا يشمل إدارة تفاصيل المفاوضات. ويُعدّ هذا الإجراء بمثابة “غطاء وقائي” للمفاوضين الإيرانيين ضد الانتقادات الداخلية.

ومع ذلك، صرّح مظاهر حسيني، رئيس المراسم في مكتب المرشد الأعلى، يوم الجمعة، بأن خامنئي يتمتع “بصحة جيدة”، مؤكدًا أنه لم يُصب إلا “بإصابات طفيفة” في قدمه وأسفل ظهره، وأن “شظية صغيرة أصابته خلف أذنه”.

وقال حسيني أمام حشد من الناس في طهران: “العدو ينشر شتى أنواع الشائعات والادعاءات الكاذبة. إنهم يريدون رؤيته والعثور عليه، ولكن على الناس التحلي بالصبر وعدم التسرع. سيتحدث إليكم عندما يحين الوقت المناسب”.

وصرح الرئيس الإيراني، مسعود بيزشكيان، لوسائل الإعلام الإيرانية الرسمية في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأنه عقد اجتماعًا استمر ساعتين ونصف مع خامنئي، في أول لقاء مُعلن وجهًا لوجه بين مسؤول إيراني رفيع المستوى والمرشد الأعلى الجديد للبلاد.

إقرأ أيضاً: رفض ترامب للرد الإيراني يفتح الباب لسيناريوهات تصعيد جديدة

في عيون الاستخبارات

 

وتُفيد مصادر استخباراتية أمريكية بأن المرشد الأعلى الجديد لإيران يلعب دورًا محوريًا في صياغة استراتيجية الحرب، إلى جانب مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى. وتُشير التقارير إلى أن السلطة الفعلية داخل النظام المُنقسم حاليًا لا تزال غير واضحة، لكن من المُرجح أن يُساعد مجتبى خامنئي في توجيه كيفية إدارة إيران للمفاوضات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

ما يعرفه المسؤولون الأمريكيون عن وضع خامنئي يستند إلى معلومات حصلوا عليها من جهات تتواصل معه، وفقًا لمصادر مطلعة. مع ذلك، يشكك بعض محللي الاستخبارات في إمكانية سعي بعض الشخصيات في هيكل السلطة الإيرانية للوصول إلى خامنئي لاستغلال سلطته لتحقيق مصالحهم الخاصة.

وفي حين تشير تقييمات الاستخبارات الأمريكية إلى أن خامنئي يشارك في وضع استراتيجية إيران التفاوضية لإنهاء الحرب دبلوماسيًا، أفاد مصدر مطلع على آخر المستجدات لشبكة CNN بوجود أدلة على أنه بعيد إلى حد كبير عن عملية صنع القرار، ولا يمكن الوصول إليه إلا نادرًا.

ونتيجة لذلك، يدير كبار مسؤولي الحرس الثوري الإسلامي العمليات اليومية فعليًا بالتعاون مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، بحسب المصدر. وقال مصدر ثانٍ مطلع على تقييمات الاستخبارات الأمريكية، في إشارة إلى خامنئي: “لا يوجد ما يشير إلى أنه يصدر أوامر بشكل مستمر، ولكن لا يوجد ما ينفي ذلك أيضًا”.

أثارت التساؤلات حول صحة خامنئي ومكانته داخل النظام الإيراني المنقسم تحديًا لإدارة ترامب، إذ لا يزال كبار المسؤولين الأمريكيين يشيرون إلى عدم وضوح الجهة المخولة بالتفاوض لإنهاء الصراع، وفقًا لمصادر مطلعة.

وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يوم الجمعة، أثناء مناقشة رد إيران المتوقع على أحدث مقترح لإدارة ترامب لإنهاء الحرب: “لا يزال نظامهم يعاني من انقسامات حادة واختلالات وظيفية، ما قد يشكل عائقًا”.

 

وجهة نظر سياسية

 

وبحسب الكاتب والباحث السياسي، محمود علوش، أن هناك مجلس الأمن الوطني القومي وهو من يتخذ قرار الحرب في هذه المرحلة ويضم أطياف مختلفة من داخل النظام يمثل الحرث الثوري الإيراني، المؤسسة السياسية وطبعا المرشد، رغم أنه يوجد غموض حول دوره إلا أنه أيضا حاضر على الأرجح فى هذه العملية.

ويعتقد الباحث بأن التهديدات الأمنية التي تواجهه المرشد الجديد هى من تمنع بروز دوره بشكل أوضح لكن بمجرد نهاية الحرب واذا كان المرشد قادر فعلا على القيام بمهامه سيظهر دوره فى المرحلة المقبلة.

وأوضح الباحث في حديثه لموقع “داي نيوز” أن إيران قادرة على التعايش مع هذا الوضع الاقتصادي لفترة طويلة، والتقديرات الأمريكية تشير إلى انها قادرة على التعايش مع الحصار الامريكي على موانيها لفترة لا تقل عن ٤ اشهر.

ومن وجه نظره أوضح الباحث إنه ليس لدى النظام في إيران ما يخسره في هذه الحرب كل وأن ما يسعى اليه هو تحسين اتفاق لا يكون بمثابة اتفاق هزيمة، وبالتالي الإيرانيين يقاربون هذه الحرب من منظور واقعي وأن لديهم قدرة على تحمل تكاليف اضافية فى هذه الحرب، ولو ان الوقت في صالحهم يعتقدون أن التكاليف على ترامب كلما تزايدت  كلما ضغطت عليه، بينما هم قادرون بالفعل على تحمل هذه التكاليف. وأختتم علوش حديثه: “اعتقد ان لدى إيران فرصة فعلا على اتفاق تخرج منه هذه الحرب بشروط ليست سيئة للغاية بالنسبة لها، ليست جيدة للغاية ايضا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية”.

 

إصدار الأوامر

 

وفي هذا السياق قالت الباحثة والكاتبة في الشأن الإيراني، إسراء جبريل، إنه في الظروف الطبيعية داخل إيران، القرار العسكري النهائي يُنسب رسميًا إلى المرشد الأعلى بوصفه القائد العام للقوات المسلحة. لكن في ظروف الحرب الحالية، ومع غياب مجتبى خامنئي عن المشهد العلني وعدم ظهور مركز قيادة سياسي واضح، تبدو إدارة الحرب أقرب إلى نموذج “القيادة الجماعية الأمنية”. عمليًا، الحرس الثوري الإيراني هو الجهة الأكثر تأثيرًا في إصدار القرارات العملياتية اليومية، خصوصًا عبر قيادات القوات الجوفضائية والاستخبارات وفيلق القدس والمجلس الأعلى للأمن القومي. هذا لا يعني غياب الغطاء الديني أو السياسي، بل يعني أن القرار انتقل مؤقتًا من الشكل العقائدي التقليدي إلى غرفة عمليات أمنية ـ عسكرية تتعامل مع التهديدات بصورة مباشرة وسريعة. وفي مثل هذه الأنظمة، كلما ارتفع مستوى الخطر، تراجعت البيروقراطية المدنية وبرزت المؤسسة العسكرية باعتبارها صاحبة الكفاءة والقدرة على السيطرة.

 

دور المرشد على الساحة الآن

 

وتوضح جبريل في حديثها لموقع “داي نيوز” أن دور المرشد سيعود بقوة عندما تنتقل إيران من مرحلة “إدارة البقاء” إلى مرحلة “إعادة تشكيل النظام السياسي بعد الحرب”. في الوقت الحالي، الأولوية داخل مؤسسات الدولة ليست للخطاب العقائدي أو الهيبة الرمزية، بل لمنع الانهيار الأمني والسيطرة على الجبهة الداخلية وحماية المنشآت الاستراتيجية. لكن إذا ثبت وقف إطلاق النار أو بدأت مفاوضات كبرى مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية، فحينها سيصبح ظهور المرشد ضروريًا لإعادة تثبيت الشرعية السياسية والدينية للنظام. النظام الإيراني قائم منذ 1979 على فكرة “ولاية الفقيه”، ولذلك لا يستطيع الاستمرار طويلًا بصورة حكم عسكري خالص؛ لأن شرعيته الأساسية دينية ـ ثورية وليست قومية فقط. ولهذا فإن المؤسسة الحاكمة ستحتاج في مرحلة لاحقة إلى إعادة تقديم المرشد باعتباره مصدر القرار النهائي، حتى لو بقيت القوة الحقيقية موزعة داخل الأجهزة الأمنية.

 

انهيار الإقتصاد

 

وعند سؤال جبريل هل وضع إيران الحالي يشكل تهديداً على مواطينها وإقتصادها، فكانت إجابتها بنعم، وأن استمرار الحرب لفترة طويلة يشكل تهديدًا حقيقيًا وعميقًا على الداخل الإيراني، ليس فقط اقتصاديًا بل اجتماعيًا وسياسيًا أيضًا. الاقتصاد الإيراني أصلًا كان يعاني من عقوبات ممتدة، تضخم مرتفع، تراجع قيمة العملة، وهروب استثمارات ورؤوس أموال منذ سنوات. الحرب تضيف إلى ذلك استنزافًا ماليًا ضخمًا، وتعطلًا في التجارة والطاقة والنقل والتأمين، إضافة إلى حالة الذعر في الأسواق.

وأكملت الباحثة حديثها بأن الخطر الأكبر ليس الانهيار الفوري، بل التآكل البطيء لقدرة الدولة على تمويل نفسها والحفاظ على مستوى الخدمات والدعم الاجتماعي. ومع طول الحرب، قد تبدأ آثار أكثر حساسية مثل ارتفاع البطالة، اتساع السوق السوداء، وتراجع الثقة حتى داخل الطبقات المحافظة التي دعمت النظام تقليديًا. إيران دولة كبيرة ولديها مؤسسات قوية نسبيًا، لذلك من الصعب انهيارها سريعًا، لكن استمرار الحرب دون أفق سياسي قد يدفعها إلى مرحلة إنهاك خطيرة.

إقرأ أيضاً: المرشد الأعلى الإيراني: الجمهورية الإسلامية ستحمي “قدراتها النووية والصاروخية”

الملف النووي يؤدي للهلاك

 

وأوضحت الباحثة أن الملف النووي بالنسبة للنظام الإيراني ليس مجرد مشروع تقني، بل قضية بقاء وهيبة وسيادة. القيادة الإيرانية ترى أن التخلي الكامل عنه تحت الضغط يعني فتح الباب لاحقًا لإضعاف النظام نفسه وربما إسقاطه. لذلك تتعامل طهران مع البرنامج النووي باعتباره ورقة ردع استراتيجية أكثر منه مشروعًا اقتصاديًا. لكن في المقابل، الإصرار على المضي في التصعيد دون تسوية يحمل مخاطر هائلة.

وأضافت أن المشكلة ليست في امتلاك التكنولوجيا النووية بحد ذاته، بل في أن المنطقة والعالم يخشيان أي اقتراب إيراني من “العتبة النووية العسكرية” باعتباره تحولًا قد يغيّر توازن القوى بالكامل. ولهذا فإن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى عزلة أشد، وضربات عسكرية أوسع، وربما سباق تسلح إقليمي خطير. مع ذلك، من غير المرجح أن تختار إيران طريق “الهلاك الكامل” بإرادتها؛ فالنظام الإيراني تاريخيًا يجيد التراجع التكتيكي عندما يقترب من حافة الانفجار، ثم يعود لاحقًا لاستعادة نفوذه تدريجيًا. لهذا السبب، الاحتمال الأكبر ليس الانتحار السياسي، بل الوصول في النهاية إلى صيغة تسوية مؤقتة تحفظ للنظام بقاءه وتحفظ للقوى الكبرى جزءًا من مطالبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى