
إعداد: كريم هاني عبد الغفار — باحث في العلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية
| الفكرة الرئيسية
منذ اندلاع الصراع المسلح في السودان في أبريل 2023، لم تكن مصر مجرد مراقب للأحداث، بل انخرطت بفاعلية في إدارة أزمة إقليمية بالغة التعقيد، مستخدمةً دبلوماسية حذرة ومواقف استراتيجية واضحة. ففي ظل الروابط التاريخية والجغرافية التي تجعل من استقرار السودان ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، تجد القاهرة نفسها في خضم رهان دبلوماسي صعب. هذا الرهان يتجلى في دعم الجيش السوداني كضامن لوحدة الدولة، ورفض أي دور سياسي لقوات الدعم السريع، مع السعي لدعم كل الجهود الرامية إلى سودان موحد ومستقر. إلا أن هذه الاستراتيجية الطموحة لا تخلو من تحديات جمة ومخاطر محتملة، مما يجعل مسارها محفوفًا بالتعقيدات ونتائجها غير مضمونة. |
أولاً: لماذا السودان ليس شأنًا داخليًا بالنسبة لمصر؟
في أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ’حميدتي’. لم تكن القاهرة لتبقى على الحياد لأسباب ثلاثة جوهرية:
المياه: السودان هو الممر الإلزامي لمياه النيل قبل وصولها إلى مصر. أي فوضى تمس السدود أو منظومة المياه تُهدد مصر مباشرة
الأمن: 1,280 كيلومترًا من الحدود المشتركة تعني أن أي انهيار سوداني سيصل بالضرورة إلى الجنوب المصري
النفوذ: السودان تاريخيًا في دائرة النفوذ المصري، وتراجع هذا النفوذ يفتح الباب لخصوم إقليميين
النتيجة: مصر قررت الانخراط — بشكل فاعل وصريح.
ثانيًا: مصر وأطراف الصراع — من مع من؟
الموقف المصري لا لبس فيه: القاهرة تقف مع الجيش السوداني وترفض أي دور سياسي لقوات الدعم السريع. لكن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد ‘مع أو ضد’:
| الطرف | الموقف المصري منه | تقييم العلاقة |
| الجيش السوداني | الداعم الرئيسي — شريك شرعي وضامن وحدة الدولة | 🟢 تحالف وثيق |
| قوات الدعم السريع | رفض رسمي — لا حوار مباشر ولا اعتراف بأي دور سياسي | 🔴 تعارض حاد |
| القوى المدنية | احتضان ودعم — بوابة التسوية السياسية المأمولة | 🟡 دعم مشروط |
| حكومة البرهان | التنسيق الكامل — القاهرة المرجعية الإقليمية الأولى | 🟢 شراكة استراتيجية |
الجيش السوداني: الحليف الطبيعي
تنظر مصر إلى الجيش السوداني باعتباره مؤسسة الدولة الوحيدة القادرة على الحفاظ على وحدة السودان. التنسيق بين القاهرة والخرطوم (حكومة البرهان) شبه يومي، ويشمل تبادل المعلومات وإمدادات غير معلنة ودعمًا دبلوماسيًا في المحافل الدولية.
قوات الدعم السريع: الخط الأحمر
حميدتي في التصور المصري ليس مجرد طرف في نزاع — هو تهديد لفكرة الدولة ذاتها. القاهرة ترفض رفضًا قاطعًا أي مسار يُفضي إلى تقسيم السودان أو إقامة كيان موازٍ تحت سيطرته. ما يزيد الأمر تعقيدًا أن حميدتي يحظى بدعم إماراتي غير مباشر — وهو ما يضع مصر في موقف حرج مع حليف اقتصادي كبير.
القوى المدنية السودانية: بوابة التسوية
تستضيف مصر ممثلي القوى المدنية السودانية وتحتضن حواراتهم. في يوليو 2023، احتضنت القاهرة مؤتمرًا جمع أحزابًا وتكتلات مدنية سودانية في أول خطوة دبلوماسية جدية. الرسالة: مصر لا تدعم الجيش على حساب التحول المدني، بل تريد تسوية شاملة تُبقي الدولة قائمة.
ثالثًا: ماذا تفعل مصر فعليًا على الأرض الدبلوماسية؟
على مستوى الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي
مصر تعمل على خطين متوازيين: الأول عبر الجامعة العربية لتوحيد الموقف العربي الرافض لتقسيم السودان، والثاني عبر الاتحاد الأفريقي لمنع أي اعتراف دولي بسلطة الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها. هذا التنسيق الدقيق أنتج حتى الآن إجماعًا دوليًا نسبيًا على مبدأ وحدة السودان.
على مستوى التنسيق مع السعودية
تشترك مصر والسعودية في الرغبة برؤية سودان مستقر بعيد عن أي محاور جديدة. التنسيق بين القاهرة والرياض جعل منتدى جدة — الذي تقوده السعودية بشراكة أمريكية — يُعبّر عن مواقف تتوافق إلى حد بعيد مع التوجهات المصرية.
على مستوى استضافة اللاجئين
أكثر من مليوني سوداني في مصر ليسوا عبئًا فحسب — هم ورقة دبلوماسية. استيعاب هذا الحجم الإنساني الضخم يمنح مصر شرعية أخلاقية في المفاوضات، ويجعل أي حكومة سودانية مستقبلية مدينة للقاهرة بالامتنان.
رابعًا: أين تقف الحدود؟ — تحديات الدور المصري
| التحدي الأول: لا تملك مفتاح حميدتي
الطرف الذي لا تستطيع مصر التأثير عليه هو الطرف الذي يُسيطر على الخرطوم. حميدتي لا يُكلّم القاهرة ولا تُكلّمه — وأي تسوية شاملة تستلزم في نهاية المطاف قناة اتصال لا تملكها مصر حتى الآن. التحدي الثاني: الإمارات في الطرف الآخر أبوظبي داعمة غير مباشرة للدعم السريع، والإمارات شريك اقتصادي لا يمكن لمصر تجاهله. هذا التناقض يُقيّد القاهرة ويجعلها تُمارس ضغطًا ناعمًا بدل ضغط صريح. التحدي الثالث: الوقت يعمل ضد الجميع كل يوم تمتد فيه الحرب، ينمو نفوذ الدعم السريع على الأرض، وتتقلص قدرة الجيش على استعادة المناطق المفقودة. هذا يضغط على الموقف المصري ويجعل تمسكها برفض أي دور للدعم السريع أصعب سياسيًا مع مرور الوقت. |
خلاصة القول: ماذا تريد مصر فعلاً من السودان؟
| مصر لا تريد الاستيلاء على السودان ولا إدارته — تريد جارًا موحدًا مستقرًا يُبقي النيل آمنًا والحدود هادئة وبابًا مفتوحًا للتجارة وإعادة الإعمار. هذه المصلحة الواضحة هي ما يُحرّك سياستها الدبلوماسية، لا مجرد حسن الجوار.
الرهان المصري اليوم هو: الصمود في دعم الجيش السوداني حتى تتشكل تسوية سياسية تُبقي الدولة قائمة وتُقصي سيناريو التقسيم. إن نجح هذا الرهان، ستكون مصر الرابح الأكبر إقليميًا. وإن فشل وانزلق السودان نحو الفوضى الكاملة — فستكون مصر أيضًا من يدفع الثمن الأغلى. في السياسة الإقليمية، لا توجد مقامرات آمنة — يوجد فقط من يُحسن إدارة المخاطر ومن لا يُحسنها. والسؤال المطروح الآن: هل تملك القاهرة من الصبر الاستراتيجي ومن الأدوات الدبلوماسية ما يكفي للإمساك بزمام الأزمة السودانية حتى نهايتها؟ |
قائمة المراجع
أولاً: الدراسات والتقارير الأكاديمية
مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية. “الموقف المصري من الأزمة السودانية: خيارات الانخراط وحسابات المصلحة.” القاهرة: مركز الأهرام, 2024.
مركز كارنيجي للشرق الأوسط. “السودان على حافة الانهيار: الأبعاد الإقليمية للصراع.” بيروت: كارنيجي, 2024.
International Crisis Group. “Sudan’s Civil War and Egypt’s Strategic Dilemmas.” Brussels: ICG, March 2025.
مجموعة الأزمات الدولية. “ملف السودان: المسارات نحو الحل ومصالح الأطراف الإقليمية.” بروكسل, أبريل 2025.
Verhoeven, Harry. “Egypt, the Nile, and the Sudan War: Resource Security at the Heart of Cairo’s Policy.” Journal of North African Studies 29, no. 2 (2025): 145–172.
ثانيًا: المصادر الإخبارية والرسمية
الشروق (مصر). “القاهرة واستضافة القوى المدنية السودانية: رهانات الوساطة وخيارات المرحلة.” يوليو 2023.
العربي الجديد. “مصر والسودان: الحرب في الخرطوم ومصالح القاهرة الإستراتيجية.” مايو 2024.
Sudan Tribune. “Egyptian Military Support to SAF: What We Know.” Khartoum, January 2025.
Al-Monitor. “Egypt Walks the Tightrope between Sudan’s Military and Regional Powers.” April 2025.
مجلة السياسة الدولية (مصر). “الدور المصري في السودان: بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الإقليمية.” أبريل 2025.
African Union Commission. “Report on the Humanitarian Situation in Sudan and Regional Implications.” Addis Ababa: AUC, February 2026.



