اقتصاد وتكنولوجيا

الصين تدخل عصر «الحروب الذكية».. الذكاء الاصطناعي يقترب من قلب القرار العسكري

تسارع الصين خطواتها نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في منظومتها العسكرية، في تحول قد يعيد تشكيل طبيعة الحروب خلال السنوات المقبلة، مع انتقال المنافسة بين القوى الكبرى من تطوير الأسلحة التقليدية إلى امتلاك أنظمة قادرة على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم خيارات للقرار العسكري خلال ثوانٍ.

وفي هذا السياق، أعلن الجيش الصيني تطوير منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تخطيط العمليات الجوية، إذ تستطيع معالجة كميات كبيرة من البيانات وتقديم خيارات مرتبطة بالعمليات والضربات في فترة زمنية قصيرة للغاية. ويعكس هذا التوجه سعي بكين إلى بناء ما يُعرف بـ«الحرب الذكية»، التي يصبح فيها التفوق المعلوماتي والحوسبي عنصرًا أساسيًا في حسم المعارك.

وتزامن ذلك مع ظهور لقطات في وسائل إعلام صينية لمنصات إطلاق الصاروخ الفرط صوتي DF-17، في تطور لفت الانتباه إلى تنامي القدرات الصينية في مجال الأسلحة عالية السرعة والمناورة.

ويتميز DF-17 بقدرته على تغيير مساره والمناورة أثناء الطيران، الأمر الذي يزيد من صعوبة توقع مساره بالنسبة إلى أنظمة الدفاع الجوي التي تعتمد في عمليات الاعتراض على تحديد المسار المحتمل للصاروخ.

ولا تقتصر الاستراتيجية الصينية على الصواريخ، إذ تمتد إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في الطائرات المسيّرة وأنظمة القيادة والسيطرة والاستطلاع ومعالجة البيانات، في إطار توجه أوسع نحو بناء منظومة عسكرية تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.

الذكاء الاصطناعي يدخل قلب المنظومة العسكرية

ولا يعني الحديث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة بالضرورة وضع منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة داخل الصاروخ نفسه، بل يرتبط بدرجة أكبر بأنظمة القيادة والتحكم والحوسبة المحيطة بالسلاح.

وتسعى هذه المنظومات إلى تقليل الاعتماد على سرعة التحليل البشري وحدها، من خلال استخدام خوارزميات قادرة على معالجة كميات ضخمة من المعلومات وتقديم نتائج أو خيارات عملياتية في وقت قصير.

وتعتمد المنظومة على مصادر متعددة للمعلومات، تشمل الأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة وغيرها من المنصات، ثم تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بدمج هذه البيانات ومقارنتها وتحليلها بهدف تكوين صورة أكثر شمولًا عن ساحة العمليات.

وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة في البيئات القتالية التي تتغير بصورة سريعة، إذ يمكن أن تنتقل البيانات من عدة مصادر في وقت متزامن، بينما تعمل الخوارزميات على تحديد المعلومات الأكثر أهمية واستبعاد البيانات التي تبدو غير متوافقة مع بقية المعطيات.

كما يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في التعامل مع محاولات التمويه والتضليل والتشويش، رغم أن فعاليتها تعتمد في النهاية على جودة البيانات وتنوع مصادرها وقدرة النظام على اكتشاف المعلومات غير الموثوقة.

المحاكاة وتحليل البيانات قبل اتخاذ القرار

يمثل الذكاء الاصطناعي عنصرًا مهمًا في عمليات التخطيط العسكري الحديثة، لأنه يستطيع تحليل سيناريوهات متعددة خلال وقت قصير، ومقارنة الخيارات المتاحة بناءً على البيانات المتوفرة.

وبدلًا من الاعتماد على مصدر واحد للمعلومات، يمكن للأنظمة المتقدمة دمج صور الأقمار الصناعية مع بيانات الرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات غير المأهولة وغيرها، للوصول إلى تقييم أكثر شمولًا للموقف.

ومع ذلك، يظل القرار النهائي باستخدام القوة، وفق المعطيات الحالية، من اختصاص القادة والجهات البشرية المسؤولة، بينما يتركز دور الذكاء الاصطناعي في تسريع تحليل المعلومات وتقديم التوصيات والخيارات.

من سباق الصواريخ إلى سباق الخوارزميات

يرى مراقبون أن دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المجال العسكري قد يؤدي إلى تغيير معايير التفوق العسكري.

ففي السابق، ارتبطت المنافسة بصورة أساسية بتطوير صواريخ أسرع وأكثر دقة، وطائرات أكثر تطورًا، وأنظمة دفاعية أكثر قدرة على الاعتراض. أما في المرحلة المقبلة، فقد يصبح امتلاك منظومة قادرة على اكتشاف المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار بسرعة عاملًا لا يقل أهمية عن مواصفات السلاح نفسه.

وقد تتحول المنافسة بين القوى العسكرية إلى سباق لتطوير خوارزميات أكثر سرعة وقدرة على التكيف والتنبؤ، في صورة تشبه إلى حد كبير الصراع المستمر بين تقنيات الهجوم والدفاع في المجال السيبراني.

فالأنظمة الذكية ليست تقنيات ثابتة، وإنما يمكن تطويرها باستمرار استنادًا إلى البيانات والتجارب والتحديات التي تواجهها.

الذكاء الاصطناعي الوكيلي في الجيوش

ومن الاتجاهات التي قد تزداد أهميتها مستقبلًا ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، الذي يقوم على توزيع المهام بين مجموعة من الوكلاء المتخصصين داخل منظومة واحدة.

وقد يتولى أحد الوكلاء مهمة المراقبة، بينما يختص آخر بجمع المعلومات وتحليلها، ويمكن لوكيل ثالث مساعدة القادة في تقييم الخيارات، إلى جانب أنظمة أخرى مخصصة لمهام مختلفة وفق طبيعة العملية العسكرية.

وتتفاعل هذه الوحدات داخل منظومة أكبر تجمع نتائجها وتعمل على تحليلها للوصول إلى توصيات أو قرارات أكثر سرعة ودقة.

ومن شأن هذا النموذج رفع قدرة الجيوش على معالجة المعلومات والتعامل مع الأحداث المتغيرة، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات تتعلق بدرجة استقلالية الأنظمة، وحدود الصلاحيات التي يمكن منحها لها، وكيفية ضمان بقاء القرار العسكري تحت رقابة بشرية فعالة.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي اتخاذ قرار باستخدام السلاح؟

يطرح توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري سؤالًا محوريًا حول مدى إمكانية السماح للأنظمة الآلية بالمشاركة في قرارات استخدام القوة.

وتتعلق المخاوف الأساسية بجانبين؛ الأول أخلاقي، ويرتبط بحدود الدور الذي يمكن أن تمنحه الدول للآلات في قرارات تتعلق بالحياة والموت، والثاني أمني وتقني، ويتعلق بإمكانية اختراق هذه الأنظمة أو التلاعب بالبيانات التي تعتمد عليها.

في المقابل، يرى مؤيدو استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا أن هذه التقنيات يمكن أن تساعد في تسريع تحليل المعلومات وتقليل زمن الاستجابة وتحسين دقة التقييم، خصوصًا في ساحات القتال التي تتغير أحداثها خلال ثوانٍ.

الصين والولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا العسكرية

لا تأتي التحركات الصينية بمعزل عن التطورات التي تشهدها الولايات المتحدة، التي تعمل منذ سنوات على دمج الذكاء الاصطناعي في منظوماتها الدفاعية.

كما أظهرت التطورات العسكرية الحديثة، ومنها ما ظهر في الحرب الروسية الأوكرانية، أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد فكرة مستقبلية، بل بدأ يدخل بصورة متزايدة في مجالات المراقبة والاستطلاع وتحليل البيانات والاستهداف وتشغيل الأنظمة غير المأهولة.

ومن هذا المنظور، فإن تطوير الصين منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتخطيط العمليات الجوية يعكس توجهًا يتجاوز إنتاج سلاح جديد، نحو بناء منظومة عسكرية متكاملة يكون التفوق في معالجة المعلومات واتخاذ القرار أحد عناصر قوتها الأساسية.

هل تصبح الأسلحة التقليدية أقل أهمية؟

قد يؤدي انتشار هذه التقنيات إلى إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية، إذ إن امتلاك أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات والمركبات القتالية قد لا يكون كافيًا إذا استطاع الخصم اكتشاف مواقعها وتحليل تحركاتها والتعامل معها خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي المقابل، يصعب التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره سلاحًا تقليديًا يمكن تدميره، لأن الخوارزميات والبيانات والبنية الحوسبية يمكن توزيعها بين أنظمة ومواقع مختلفة.

لكن أهمية التطور الصيني لا تتحدد بمجرد الإعلان عن استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ إن تقنيات دمج البيانات والاتصالات والحوسبة وأنظمة القيادة والسيطرة موجودة منذ سنوات. ويظل التحدي الحقيقي في مدى قدرة الصين على دمج هذه العناصر في منظومة أكثر تطورًا وفاعلية.

هل يمكن خداع الأنظمة الذكية؟

يمثل تضليل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومات العسكرية الحديثة، إذ يمكن للخصوم محاولة تزويد الأنظمة ببيانات مضللة أو أهداف وهمية بهدف التأثير في نتائج التحليل.

ومن الناحية التقنية، يمكن محاولة التأثير في الخوارزميات من خلال التلاعب بالبيانات التي تعتمد عليها. لكن الأنظمة العسكرية المتقدمة يفترض أن تعتمد على مصادر متعددة، مثل الأقمار الصناعية والرادارات وأجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة، وهو ما يجعل تضليلها عبر معلومة واحدة أكثر صعوبة.

ومع ذلك، فإن تطور الذكاء الاصطناعي العسكري سيؤدي على الأرجح إلى تطور وسائل مضادة له، بحيث لا يصبح السباق مقتصرًا على بناء خوارزميات أكثر قدرة، بل يمتد أيضًا إلى تطوير أدوات لاكتشاف نقاط ضعف أنظمة الخصم والتأثير في البيانات التي تعتمد عليها.

وبذلك، يبدو أن سباق التسلح العالمي يتجه إلى مرحلة جديدة، لن يكون فيها مدى الصاروخ أو سرعته أو دقته المعيار الوحيد للقوة، بل ستزداد أهمية امتلاك منظومة متكاملة تستطيع جمع المعلومات من مصادر متعددة، ومعالجتها بسرعة، وتحويلها إلى خيارات وقرارات عملياتية في أقصر وقت ممكن.

وقد تصبح الخوارزميات والبيانات والقدرة على معالجة المعلومات أحد أهم ميادين التنافس العسكري في حروب المستقبل، بالتوازي مع استمرار أهمية الأسلحة والمنصات التقليدية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى