هل كان أحمدي نجاد "الخيار الاحتياطي" لإسرائيل؟
قراءة تحليلية في أخطر "تسريبات" نيويورك تايمز عن خطة تغيير النظام في إيران

كتبت: إسراء جبريل
في واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا زعمت فيه، استنادًا إلى مسؤولين أمريكيين وإيرانيين وإسرائيليين لم تكشف عن هوياتهم، أن إسرائيل عملت خلال السنوات الأخيرة على استقطاب الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، تمهيدًا لاستخدامه كورقة سياسية في حال نجحت عملية إطاحة المرشد الأعلى علي خامنئي خلال الحرب الأخيرة.
لم يقتصر التقرير على الحديث عن اتصالات غير مباشرة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، متحدثًا عن لقاءات سرية مع مسؤولين في جهاز الموساد خلال زيارات أحمدي نجاد إلى المجر وغواتيمالا، وتمويل غير معلن لتحركاته الخارجية، وخطة تقضي بتقديمه بوصفه الشخصية القادرة على إدارة مرحلة انتقالية في إيران، وصولًا إلى إمكانية توليه منصب القيادة في مرحلة ما بعد خامنئي.
اقرأ أيضًا: السلطة الخفية.. من هو المتحكم الرئيسي في إيران؟
في المقابل، سارع مكتب أحمدي نجاد إلى إصدار بيان شديد اللهجة، وصف فيه التقرير بأنه “سيناريو هوليوودي” و”أخبار كاذبة”، نافيًا جميع الاتهامات، ومؤكدًا أن الرئيس الإيراني السابق يمارس حياته بصورة طبيعية، وأن الحديث عن فرض إقامة جبرية عليه لا أساس له من الصحة.
وبين الرواية الأمريكية والنفي الإيراني، يبرز سؤال أكثر أهمية من السؤال التقليدي حول صحة الوقائع: لماذا خرج هذا التقرير الآن؟ ولماذا اختير محمود أحمدي نجاد تحديدًا ليكون محورًا لهذا النوع من الاتهامات، رغم أنه كان لعقد كامل أحد أكثر السياسيين الإيرانيين عداءً لإسرائيل والولايات المتحدة؟
أحمدي نجاد… من رمز للمواجهة إلى شخصية غامضة
يصعب العثور في تاريخ العلاقات الإيرانية الإسرائيلية على شخصية ارتبط اسمها بالمواجهة المباشرة أكثر من محمود أحمدي نجاد.
فخلال رئاسته بين عامي 2005 و2013، ارتبط اسمه بتسريع البرنامج النووي الإيراني، وبخطابات حادة تجاه إسرائيل، وبالتشكيك في الهولوكوست، وهي مواقف جعلته أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل على الساحة الدولية، وأسهمت في فرض حزم واسعة من العقوبات الدولية على إيران.
ولهذا السبب تحديدًا، بدا التقرير الأمريكي صادمًا؛ إذ إن تحويل شخصية تحمل هذا الإرث السياسي إلى شريك محتمل في مشروع تدعمه إسرائيل يبدو، ظاهريًا، تناقضًا يصعب تفسيره.
لكن عالم الاستخبارات لا يتحرك وفق الاعتبارات الأيديولوجية وحدها، بل تحكمه البراغماتية والقدرة على استغلال التحولات الشخصية والسياسية.
فمنذ انتهاء ولايته الثانية، بدأت علاقة أحمدي نجاد بالمؤسسة الحاكمة في إيران تشهد تغيرًا جذريًا. فقد دخل في خلافات متصاعدة مع المرشد علي خامنئي، ووجه انتقادات علنية للقضاء والأجهزة الأمنية، كما رُفضت طلباته المتكررة للترشح إلى الانتخابات الرئاسية، ما أدى إلى تهميشه تدريجيًا داخل النظام.

وفي الوقت نفسه، بدأ خطابه السياسي يتغير بصورة ملحوظة.
فبدلًا من التركيز على الشعارات الثورية، أخذ يتحدث عن الحريات المدنية، وانتقد الفساد داخل مؤسسات الدولة، وهاجم ممارسات بعض الأجهزة الأمنية، وحرص على تقديم نفسه بوصفه مدافعًا عن المواطنين العاديين أكثر من كونه ممثلًا للمؤسسة الحاكمة.
كما ظهر في لقاءات إعلامية بملابس أكثر رسمية، وألقى كلمات باللغة الإنجليزية خلال مؤتمرات دولية، وتحدث عن “الإنسانية المشتركة” و”النظام العالمي الجديد”، وهي لغة تختلف بوضوح عن خطاباته خلال سنوات الرئاسة.
يرى بعض الباحثين أن هذه التحولات كانت محاولة لإعادة بناء صورته استعدادًا للعودة إلى السلطة، بينما يعتبرها آخرون مجرد إعادة تموضع سياسي فرضته الظروف الداخلية.
لماذا أحمدي نجاد وليس رضا بهلوي؟
إذا افترضنا أن إسرائيل أو أي دولة غربية درست بالفعل سيناريوهات متعددة لمرحلة ما بعد النظام الحالي، فإن السؤال المنطقي يصبح: لماذا قد يُنظر إلى أحمدي نجاد باعتباره خيارًا محتملاً، بدلًا من شخصيات معارضة معروفة مثل رضا بهلوي أو شخصيات إصلاحية؟
الإجابة تبدأ من طبيعة النظام الإيراني نفسه.
فالسلطة في إيران لا تقوم فقط على الشرعية الشعبية، وإنما ترتكز بصورة أساسية على شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والدينية.
ولهذا، فإن أي شخصية مرشحة لإدارة مرحلة انتقالية تحتاج، من منظور استراتيجي، إلى امتلاك حد أدنى من المعرفة بهذه المؤسسات، وربما القدرة على التواصل مع بعض مكوناتها.
هنا تختلف حالة أحمدي نجاد عن رضا بهلوي.
فالأخير يعيش خارج إيران منذ سقوط النظام الملكي عام 1979، ولا يمتلك نفوذًا داخل مؤسسات الدولة أو الحرس الثوري أو الأجهزة الأمنية، كما أن ارتباطه بالملكية يجعل قبوله داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني محل خلاف.
أما الإصلاحيون، فرغم امتلاك بعضهم قاعدة سياسية، فإن نفوذهم داخل المؤسسة الأمنية تراجع بصورة كبيرة منذ احتجاجات عام 2009، ولم يعودوا يمثلون قوة قادرة على فرض انتقال سياسي جذري.
في المقابل، ينتمي أحمدي نجاد إلى قلب النظام.
فهو رئيس جمهورية سابق، وعضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام، وشخص يعرف آليات عمل الدولة من الداخل، كما أنه احتفظ بقاعدة شعبية بين شرائح من الطبقات الفقيرة وبعض المحافظات، حتى بعد خروجه من السلطة.
لذا فإن هذه الخصائص قد تجعل دراسة اسمه في سيناريوهات افتراضية أكثر منطقية من دراسة أسماء شخصيات لا تمتلك أي حضور داخل مؤسسات الدولة.
لكن… هل هذا السيناريو واقعيًا؟
هنا تبرز أهم نقطة في التحليل.
إن مجرد امتلاك شخصية لسيرة سياسية قوية لا يعني أنها قادرة على قيادة انتقال سياسي معقد مثل الحالة الإيرانية.
فبعد سنوات من الخلاف مع المرشد، فقد أحمدي نجاد كثيرًا من حلفائه داخل الحرس الثوري والتيار المحافظ التقليدي.
اقرأ أيضًا: أكثر المشاهد إثارة للجدل في مراسم تشييع علي خامنئي
كما أن المؤسسات التي تشكل العمود الفقري للنظام، مثل مجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة، والحرس الثوري، لا تزال تمثل مراكز القوة الحقيقية، وليس من السهل تجاوزها أو فرض قيادة جديدة عليها من الخارج.
ولهذا فإن سيناريو تنصيب أحمدي نجاد، حتى لو جرى التفكير فيه على مستوى الدراسات أو التقديرات، كان سيواجه عقبات تجعل تنفيذه بالغ الصعوبة.
فإيران ليست دولة يمكن تغيير قيادتها بمجرد اختيار شخصية سياسية معروفة، بل هي منظومة مؤسسات مترابطة، يتداخل فيها الأمن بالعقيدة وبالشرعية الدستورية، وهو ما يجعل أي مشروع لتغيير النظام أكثر تعقيدًا مما توحي به الروايات الإعلامية.
من المستفيد من “التسريب”؟
إن توقيت نشر التقرير لا يجعله مجرد نقل لمعلومات سرية إلى وسائل الإعلام، بل يُنظر باعتبارها أداة من أدوات الصراع السياسي والاستراتيجي.
فبعد مرحلة شوهدت فيها واحدة من أخطر المواجهات العسكرية والاستخباراتية بين إيران وإسرائيل، وفي ظل استمرار الحديث عن إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة؛ يصبح تسريب قصة بهذا الحجم جزءًا من معركة التأثير على الإدراك السياسي، وليس مجرد سبق صحفي.
ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل حدثت هذه اللقاءات بالفعل؟ وإنما: من المستفيد من كشفها الآن؟
في الدراسات الاستخباراتية يُستخدم مصطلح Controlled Leak أو “التسريب الموجّه”، ويشير إلى معلومات قد تكون صحيحة كليًا أو جزئيًا، لكنها تُنشر في توقيت مدروس لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية. فالمعلومة هنا لا تُستخدم لإخبار الجمهور فقط، بل لتوجيه رسائل إلى الخصوم والحلفاء في آن واحد.
أولًا: الرسالة المحتملة الموجهة إلى النظام الإيراني
إذا كانت الرواية صحيحة أو حتى مستندة إلى نقاشات داخل أجهزة غربية وإسرائيلية، فإن الإعلان عنها قد يخدم هدفًا واضحًا يتمثل في تعميق الشك داخل مؤسسات الدولة الإيرانية.

فالأنظمة التي تواجه تهديدات أمنية خارجية تعتمد بصورة كبيرة على الثقة بين مراكز القرار. وعندما يُطرح اسم رئيس جمهورية سابق بوصفه شخصية جرى التفكير في استخدامها ضمن سيناريو لتغيير النظام، فإن ذلك يدفع الأجهزة الأمنية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع المسؤولين السابقين والحاليين، ويفتح الباب أمام تحقيقات داخلية واختبارات للولاء.
وفي تاريخ الجمهورية الإسلامية، لطالما تعاملت المؤسسة الأمنية بحساسية شديدة مع أي شبهة تتعلق بالاتصال بقوى أجنبية، سواء ثبتت تلك الاتصالات أم لم تثبت.
وبهذا المعنى، فإن مجرد تداول الرواية قد يحقق أثرًا نفسيًا، بغض النظر عن مدى دقتها.
ثانيًا: إغلاق الباب أمام عودة أحمدي نجاد
منذ انتهاء ولايته الرئاسية، لم يختف محمود أحمدي نجاد من المشهد السياسي، بل حافظ على حضور إعلامي وشعبي، واستمر في تقديم نفسه بوصفه ممثلًا لـ”الشعب” في مواجهة النخب السياسية.
ورغم رفض مجلس صيانة الدستور ترشحه أكثر من مرة، فإن اسمه ظل حاضرًا في النقاشات السياسية، وكان كثير من المحللين يرون أنه لم يتخلَّ عن طموحه للعودة إلى السلطة.
في هذا السياق، فإن ربط اسمه برواية تتحدث عن اتصالات مع الموساد يُعد، إذا صدقه الرأي العام أو بعض دوائر السلطة، ضربة سياسية يصعب التعافي منها.
وفي الثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية، لا يوجد اتهام أكثر خطورة من الارتباط بإسرائيل، حتى لو بقي في إطار الشبهات.
لذلك، يرى بعض الباحثين أن أحد الآثار العملية للتسريب – بغض النظر عن نواياه الأصلية – يتمثل في تقليص أي فرصة مستقبلية لعودة أحمدي نجاد إلى قلب النظام.
ثالثًا: الرسالة الأمريكية
أما إذا نظرنا إلى الجانب الأمريكي، فإن نشر مثل هذه الرواية قد يخدم أهدافًا مختلفة.
فهو يقدم للرأي العام صورة توحي بأن واشنطن لم تكن تدرس الخيار العسكري فقط، بل كانت تبحث أيضًا في سيناريوهات سياسية لمرحلة ما بعد أي تغيير محتمل في إيران.
كما أنه يعكس، إن صحت الرواية، حجم الاهتمام الأمريكي والإسرائيلي بتحديد شخصية تمتلك معرفة بمؤسسات الدولة الإيرانية، بدلًا من الاعتماد فقط على شخصيات معارضة تقيم في الخارج.
لكن من المهم الإشارة إلى أن التقارير المنشورة لم تقدم أدلة مادية مستقلة، وإنما استندت إلى مسؤولين لم تُكشف هوياتهم، وهو ما يجعل تقييم الرواية يعتمد على مستوى الثقة بالمصادر، وليس على وثائق قابلة للتحقق.



