تقارير

أزمة مضيق هرمز.. كيف تدفع أوروبا ثمن اضطراب الطاقة؟

لم تعد تداعيات التوترات في مضيق هرمز تقتصر على الدول المطلة على الخليج، بل امتدت إلى أوروبا التي تحملت بالفعل تكلفة إضافية تقترب من 50 مليار يورو على واردات الوقود الأحفوري وحدها منذ بداية الأزمة، في وقت تكشف فيه الأحداث عن هشاشة اعتماد الاقتصاد الأوروبي على أسواق الطاقة العالمية.

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ مر عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، بما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية وأكثر من ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا.

كما يمر عبر المضيق ما يقرب من 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وعلى رأسها الشحنات القادمة من قطر، بينما لا توجد حاليًا بنية تحتية بديلة قادرة على التعامل مع كميات مماثلة.

هرمز.. عنق زجاجة للطاقة العالمية

تكمن خطورة المضيق في أن أي اضطراب في حركة الملاحة لا يتوقف عند تأخير السفن أو خفض الصادرات، بل يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة تخزين وإنتاج وأسعار.

فمع تباطؤ الصادرات، بدأت خزانات النفط في الدول المنتجة بالامتلاء، ما دفع السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر والبحرين إلى خفض إنتاجها بشكل جماعي.

وبحسب تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ خفض الإنتاج في هذه الدول نحو 7.5 مليون برميل يوميًا خلال مارس 2026، مع توقعات بارتفاع التخفيضات إلى 9.1 مليون برميل يوميًا في أبريل.

ويعني امتلاء مرافق التخزين أن المشكلة تنتقل من البحر إلى آبار النفط نفسها، إذ تضطر الدول المنتجة إلى خفض الإنتاج، ولا يمكن استعادة الكميات المفقودة فور إعادة فتح المضيق.

وفي يوليو 2026، وبعد التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران في يونيو واستئناف جزء من حركة العبور، ظلت التوقعات تشير إلى أن تدفقات التجارة لن تقترب من مستويات ما قبل الصراع إلا قرب نهاية العام، بينما قد يتأخر تعافي معظم الإنتاج المفقود حتى أوائل عام 2027.

أوروبا تدفع الثمن حتى دون شراء النفط الإيراني

المفارقة أن أوروبا لا تحتاج إلى استيراد النفط الإيراني مباشرة حتى تتأثر بأزمة هرمز.

فالنفط يُباع في سوق عالمية، وعندما تفقد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية جزءًا من إمدادات الخليج، فإنها تتجه إلى منافسة المشترين الأوروبيين على الشحنات القادمة من أفريقيا والأميركتين والبحر المتوسط ومناطق أخرى.

وبالتالي، فإن كل برميل يتم تحويل مساره من الأسواق الآسيوية يؤدي إلى زيادة المنافسة على البراميل المتجهة إلى موانئ مثل روتردام وترييستي ومرسيليا وفيلهلمسهافن.

وتظل أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة؛ إذ بلغت نسبة اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات الطاقة نحو 58% في عام 2023.

وفي 2025، استورد الاتحاد الأوروبي قرابة 435 مليون طن من النفط الخام بقيمة تجاوزت 212 مليار يورو.

ورغم أن أوروبا نجحت في تنويع مصادر الطاقة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، فإنها لم تتخلص من ارتباطها بأسعار الهيدروكربونات في الأسواق العالمية.

فاتورة قد تصل إلى 50 مليار يورو

قدرت المفوضية الأوروبية في وثيقة صدرت في أبريل 2026 التكلفة الإضافية التي تكبدها الاتحاد الأوروبي نتيجة واردات الوقود الأحفوري منذ بداية الصراع بنحو 24 مليار يورو.

ومنذ مايو، تضاعف الرقم تقريبًا، مع تقديرات تشير إلى أن التكلفة الإضافية قد تصل إلى 50 مليار يورو.

وفي سيناريو استمرار اضطراب الإمدادات لفترة طويلة، توقعت المفوضية إمكانية ارتفاع سعر النفط إلى نحو 180 دولارًا للبرميل خلال الربع الأخير من 2026، بينما قد يصل سعر الغاز الأوروبي إلى حوالي 80 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بمستويات مرجعية بلغت نحو 84.7 دولار للنفط و42.2 يورو للغاز.

وهذه الأرقام لم تكن توقعات حتمية، وإنما تصورًا لحجم الصدمة التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد الأوروبي إذا استغرق استئناف الإمدادات وقتًا أطول.

إيطاليا.. أزمة طاقة تتحول إلى مشكلة صناعية

تواجه إيطاليا تداعيات الأزمة من زاوية تتجاوز النفط والغاز، لأن الطاقة ترتبط مباشرة بقدرة صناعتها على المنافسة.

وتتمتع البلاد بموقع جغرافي مميز، وشبكة من المصافي والموانئ وخطوط نقل الغاز في البحر المتوسط، إلى جانب قدرات استقبال الغاز الطبيعي المسال.

لكن هذه المزايا لا تعني الحماية من ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز.

وفي فبراير 2026، سجلت إيطاليا عجزًا في قطاع الطاقة بلغ نحو 3.466 مليار يورو، مقارنة بنحو 5 مليارات يورو في الشهر نفسه من 2025.

وفي الوقت ذاته، تراجع فائض المنتجات غير المرتبطة بالطاقة من 9.444 مليار يورو إلى 8.409 مليار يورو.

وتكمن المشكلة في العلاقة بين الرقمين: ارتفاع تكلفة الطاقة يمكن أن يلتهم جزءًا من الميزة التجارية التي تحققها الصناعات الإيطالية.

ومع ذلك، تمتلك إيطاليا عناصر استراتيجية يمكن أن تجعلها منصة مهمة لإعادة توزيع الطاقة داخل أوروبا، بفضل موانئها وروابطها مع شمال أفريقيا وممر الغاز الجنوبي ومحطات الغاز الطبيعي المسال.

فرنسا.. الطاقة النووية لا تعني الاستقلال عن النفط

تبدو فرنسا أكثر تحصينًا من غيرها في مجال الكهرباء بفضل اعتمادها الكبير على الطاقة النووية.

ففي 2024، شكلت الطاقة النووية نحو 41% من مزيج الطاقة الأولية الفرنسي، مقابل 28% للنفط و12% للغاز.

كما ارتفع الإنتاج الأولي من الطاقة بنسبة 10.2% ليصل إلى نحو 1,572 تيراواط/ساعة، مدفوعًا خصوصًا بعودة الإنتاج النووي والكهرومائي إلى مستويات أفضل.

لكن الاعتماد الكبير على الطاقة النووية في إنتاج الكهرباء لا يحمي الاقتصاد الفرنسي من ارتفاع أسعار النفط.

فالنقل والبتروكيماويات والطيران والزراعة والصناعات المختلفة تظل مرتبطة بالوقود الأحفوري.

وبلغت فاتورة الطاقة الفرنسية الصافية في 2024 نحو 57.7 مليار يورو، منها 43.7 مليار يورو للنفط والوقود الحيوي و17.4 مليار يورو للغاز، في حين ساهمت صادرات الكهرباء بفائض قدره 5.2 مليار يورو.

كما لا يغطي الإنتاج المحلي من النفط سوى نحو 1% من الاستهلاك، بينما بلغت الواردات 45.6 مليون طن مكافئ نفطي.

وهكذا تمتلك فرنسا هامش أمان أكبر في قطاع الكهرباء، لكنها لا تتمتع باستقلال كامل عن النفط والغاز.

الأسمدة والزراعة في دائرة الخطر

لا تتوقف تأثيرات أزمة هرمز عند الوقود والكهرباء، إذ يمكن أن تمتد إلى أسعار الغذاء.

فالغاز الطبيعي يمثل نحو 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، ما يعني أن ارتفاع أسعار الغاز يرفع تكلفة إنتاج الأمونيا والأسمدة.

وبالتالي يمكن أن تنتقل آثار الأزمة من مضيق هرمز إلى قطاع الزراعة الأوروبي عبر سلسلة تبدأ بالطاقة، ثم الأسمدة، ثم النقل والتأمين، وصولًا إلى أسعار المنتجات الزراعية والغذاء.

وهذا يجعل أمن الطاقة مرتبطًا بشكل مباشر بالأمن الصناعي والغذائي لأوروبا.

ألمانيا.. المخاطر الصناعية تتزايد

بعد انهيار النموذج الألماني السابق القائم بدرجة كبيرة على الغاز الروسي، عملت برلين على تنويع مصادر الإمدادات وتوسيع البنية التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي المسال.

لكن أزمة هرمز كشفت جانبًا جديدًا من المخاطر.

فاستبدال الغاز القادم عبر خطوط الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال لا يلغي المخاطر، وإنما ينقل جزءًا منها من علاقة ثنائية إلى سوق بحرية عالمية تتأثر بالمضائق والموانئ والأساطيل والمنافسة الآسيوية.

وفي أبريل 2026، ارتفعت أسعار الواردات الألمانية بنسبة 5.3% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة منذ يناير السابق.

ويعني ذلك أن الصدمة الخارجية في أسعار الطاقة يمكن أن تتحول بسرعة إلى ضغط على تكلفة الإنتاج والصناعة الألمانية.

بريطانيا.. استقلال نسبي وليس كاملًا

تملك المملكة المتحدة إنتاجًا من بحر الشمال ونظامًا تجاريًا أكثر مرونة، لكن اعتمادها على السوق العالمية لم ينته.

ففي 2024 ارتفعت واردات بريطانيا الصافية من النفط الخام بنسبة 11.7% لتعويض تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الطلب.

كما تراجع إنتاج النفط والغاز في بحر الشمال بنسبة 72% بين عامي 1999 و2023.

وخلال الربع الأول من 2026، ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال البريطانية بنسبة 17% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما تراجعت واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب بنسبة 11%.

وظلت النرويج المورد الرئيسي للغاز إلى بريطانيا، بحصة بلغت نحو 54% من إجمالي واردات الغاز.

وفي 2025، تعاملت الموانئ البريطانية مع نحو 17 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، بزيادة قدرها 22% عن العام السابق.

لذلك فإن بريطانيا أقل اعتمادًا على أوروبا القارية من ناحية استقبال الشحنات، لكنها لا تزال معرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

إيران تبحث عن طرق بديلة في الشمال

دفعت أزمة هرمز إيران إلى تسريع البحث عن طرق تجارية تقلل اعتمادها على الممر البحري الجنوبي.

ويبرز في هذا السياق ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا وأذربيجان ومنطقة بحر قزوين بإيران ويمتد باتجاه المحيط الهندي.

ورغم الدعم السياسي والتمويل للمشروع، فإنه لم يتحول بعد إلى بديل كامل وفعال للنقل البحري.

وفي الوقت الحالي، لا تزال بعض البضائع تعتمد على النقل البري والسكك الحديدية، وهو ما يرفع أوقات العبور ويزيد الإجراءات والتفتيش والتكاليف.

بحر قزوين.. شبكة أمان إضافية

يمكن لموانئ بحر قزوين أن توفر مسارًا إضافيًا لنقل البضائع من منطقة الفولغا وبحر قزوين إلى شمال إيران، بعيدًا عن مضيق هرمز.

لكن هذا المسار لا يستطيع ببساطة أن يحل محل الطريق البحري التقليدي.

فالقدرة الاستيعابية للموانئ، وأعماق المياه، وحجم الأسطول، والطقس، وعمليات إعادة الشحن، كلها عوامل تحد من قدرته.

وتكمن قيمته الحقيقية في الحفاظ على تدفق الحبوب والمعادن والآلات والمواد الكيميائية والحاويات، وليس في نقل ملايين براميل النفط التي تنقلها ناقلات عملاقة عبر البحر.

السكك الحديدية تربط إيران بالصين

تعمل إيران أيضًا على تعزيز روابطها البرية مع الصين عبر آسيا الوسطى.

وفي يوليو 2024، أعلنت السلطات الصينية تشغيل خدمة سكك حديدية تمتد من قم في إيران إلى ييوو في الصين، مرورًا بكازاخستان وتركمانستان.

ولا يمثل هذا المشروع حتى الآن بديلًا واسع النطاق للنقل البحري، لكنه يمكن أن يوفر خيارًا مهمًا لنقل السلع ذات القيمة العالية والمكونات الصناعية.

فالقطارات تستطيع حماية بعض سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الطرق البحرية، لكنها لا تستطيع منافسة الناقلات النفطية من حيث التكلفة والقدرة الاستيعابية.

تشابهار.. منفذ إيران خارج هرمز

يمثل ميناء تشابهار أهمية خاصة لإيران، لأنه يقع على خليج عُمان خارج مضيق هرمز، ما يمنحه قدرة استراتيجية على استقبال ونقل البضائع دون المرور بالمضيق.

وفي مايو 2024، وقعت شركة «إنديا بورتس غلوبال ليمتد» ومنظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية عقدًا مدته عشر سنوات لتشغيل محطة شهيد بهشتي في الميناء.

كما خصصت الهند مليارات الروبيات لدعم المشروع.

وخلال الفترة 2023-2024، ارتفعت حركة الشحن في الميناء بنسبة 43%، بينما زادت حركة الحاويات بنسبة 34%.

ولا يعني ذلك أن تشابهار قادر على استبدال هرمز، لكنه يوفر لإيران منفذًا بحريًا استراتيجيًا يمكن أن يصبح أكثر أهمية في حال استمرار اضطرابات الملاحة.

خط شلامجة-البصرة

إلى الغرب، تعمل إيران والعراق على تطوير خط سكة حديد يربط شلامجة بالبصرة.

ويحمل المشروع أهمية تجارية ولوجستية، إضافة إلى أبعاد تتعلق بالحج والنفوذ الإيراني في جنوب العراق.

وفي يونيو 2024، وافق المجلس الوزاري العراقي للاقتصاد على طلب يتعلق بمنح عقد إنشاء الخط.

لكن نجاح المشروع لن يعتمد على إنشاء السكة وحدها، بل على مدى اندماجها مع شبكة السكك الحديدية العراقية والموانئ والاستراتيجية اللوجستية الإقليمية.

وبالتالي فإن خطًا ثنائيًا بين بلدين لا يتحول تلقائيًا إلى ممر دولي متكامل.

أوروبا أمام معادلة صعبة

لا تستطيع أوروبا التعامل مع أزمة هرمز باعتبارها مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

فالاتحاد الأوروبي أعاد في سبتمبر 2025 فرض مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والمالية على إيران في مجالات التجارة والمصارف والنقل، بما شمل قيودًا على البنك المركزي الإيراني وعدد من البنوك الكبرى.

وفي مايو 2026، وسّع الاتحاد أيضًا الإطار القانوني لاستهداف أفراد وكيانات مرتبطة بأعمال إيرانية ضد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تعمل طهران على بناء شبكة بديلة من السكك الحديدية والموانئ والطرق البرية والعلاقات التجارية مع روسيا والصين وآسيا الوسطى والعراق.

أزمة تكشف هشاشة الاقتصاد الأوروبي

تُظهر أزمة مضيق هرمز أن أوروبا تستطيع تنويع مورديها، لكنها لا تستطيع بسهولة عزل نفسها عن سوق الطاقة العالمية.

فحتى الدول التي تمتلك طاقة نووية أو إنتاجًا محليًا أو بنية تحتية متطورة للغاز الطبيعي المسال تظل معرضة لارتفاع أسعار النفط والغاز.

وتتحول الأزمة البحرية إلى ارتفاع في تكلفة الطاقة، ثم إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين والأسمدة والإنتاج الصناعي، وصولًا إلى التضخم وأسعار الغذاء.

أما إيران، فتدرك أن إغلاق المضيق بالكامل سيضر باقتصادها أيضًا، ولذلك يبدو أن استراتيجيتها تتجه أكثر نحو بناء شبكة من البدائل الجزئية التي لا تستبدل هرمز، لكنها تقلل قدرة أي أزمة بحرية أو مالية طويلة الأمد على عزلها بالكامل.

وبالنسبة لأوروبا، تكشف الأزمة أن أمن الطاقة لم يعد مسألة شراء النفط والغاز فقط، بل أصبح مرتبطًا بالموانئ والسكك الحديدية والممرات التجارية والعقوبات وأمن الملاحة وقدرة القارة على حماية صناعتها من صدمات خارجية قد تبدأ في ممر بحري واحد ثم تمتد آثارها إلى الاقتصاد بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى