من سوق للمنتجات الصينية إلى قاعدة تصدير عالمية.. كيف تراهن مصر على الاستثمارات الصينية؟

تدخل العلاقات المصرية الصينية مرحلة اقتصادية جديدة بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تغيرات متسارعة بفعل تصاعد الحمائية التجارية، واضطراب سلاسل الإمداد، واشتداد المنافسة على الأسواق وممرات التجارة الدولية.
وتأتي الزيارة بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، بينما أصبح التعاون الاقتصادي أحد أبرز الملفات المطروحة، خاصة مع النمو الكبير في حجم التجارة والاستثمارات بين البلدين.
وسجل حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 19.6%، لتصبح الصين أكبر شريك تجاري لمصر في مجال السلع غير البترولية.
ورغم هذا النمو، لا تزال التجارة بين البلدين تعاني اختلالًا واضحًا لصالح الصين؛ إذ بلغت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية خلال 2025 نحو 819 مليون دولار فقط، مقابل واردات مصرية من الصين اقتربت من 19.9 مليار دولار.
قفزة كبيرة في الصادرات المصرية
أظهرت بيانات الأشهر الأولى من عام 2026 مؤشرات على إمكانية تغير هذه المعادلة، بعدما ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين خلال النصف الأول من العام إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقارنة بـ280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، محققة زيادة تقارب 199.8%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين إلى نحو 10.4 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 9.1 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت 14.3%.
وبذلك وصل إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 11.3 مليار دولار، بزيادة قدرها 21.5%.
وتكشف هذه الأرقام عن اتجاه مهم بالنسبة إلى القاهرة، يتمثل في محاولة الانتقال من علاقة تجارية تعتمد بصورة أساسية على استيراد المنتجات الصينية إلى نموذج يقوم على زيادة الصادرات المصرية، والاستفادة من الاستثمارات الصينية في إنتاج سلع موجهة إلى الأسواق الخارجية.
الصين تبحث عن أسواق جديدة
تأتي التحركات المصرية في وقت تسعى فيه الصين إلى إعادة توزيع صادراتها جغرافيًا في مواجهة الضغوط التجارية الأمريكية.
فقد اقترب الفائض التجاري الصيني خلال عام 2025 من 1.2 تريليون دولار، مدفوعًا بقوة الصادرات إلى أسواق خارج الولايات المتحدة.
ومع تصاعد القيود والرسوم التجارية الأمريكية، اتجهت الشركات الصينية إلى البحث عن أسواق وقواعد إنتاج جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يمنح مصر أهمية متزايدة بسبب موقعها الجغرافي وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بعدد كبير من الأسواق.
ومن هنا تبرز مصر باعتبارها أكثر من مجرد سوق استهلاكية للمنتجات الصينية، إذ يمكن أن تتحول إلى مركز إنتاج وتصدير يخدم أسواقًا تمتد من أفريقيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا.
«تيدا».. بوابة التصنيع الصيني في مصر
تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم نقاط الالتقاء بين المصالح المصرية والصينية.
فمنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» أصبحت تضم أكثر من 200 مشروع صناعي وخدمي ولوجستي، باستثمارات تقترب من 3.8 مليار دولار.
ولم تعد الاستثمارات الصينية تتركز في قطاعات محدودة، بل توسعت لتشمل السيارات والإطارات والإلكترونيات والطاقة والصناعات الكيماوية والمعدنية وغيرها.
ومن أبرز المشروعات الصينية في المنطقة مجمع «شين فينج» باستثمارات تصل إلى 1.65 مليار دولار، إلى جانب مصنع «سايلون» للإطارات الذي تتجاوز استثماراته مليار دولار، فضلًا عن مشروعات في مجالات الزجاج والسيارات والإلكترونيات.
وتعكس هذه المشروعات تغيرًا في طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه قناة السويس؛ فالموقع المصري لا يوفر فقط طريقًا لعبور السفن، وإنما يمكن أن يوفر أيضًا بيئة متكاملة للإنتاج والتخزين وإعادة التصدير وربط المصانع بالأسواق العالمية.
من «صنع في الصين» إلى «صنع في مصر»
الرهان المصري الأساسي لا يتمثل في جذب مزيد من المصانع الصينية فحسب، وإنما في تحويل هذه المصانع إلى قواعد إنتاج موجهة للتصدير.
فوجود مصنع صيني في مصر يمكن أن يعني إنتاج سلع للسوق المصرية، لكنه يمكن أن يعني أيضًا استخدام مصر كمنصة للوصول إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ويحقق هذا النموذج مكاسب للطرفين؛ فالشركات الصينية تحصل على قاعدة إنتاج قريبة من أسواق متعددة، بينما تستفيد مصر من تدفقات الاستثمار الأجنبي، وخلق فرص العمل، وزيادة القيمة المضافة المحلية، ونقل التكنولوجيا، ورفع قدرتها التصديرية.
كما أن تصنيع المنتجات داخل مصر يمنح الشركات فرصة للاستفادة من الاتفاقيات التجارية المصرية مع عدد من الأسواق الإقليمية والدولية.
اليوان يدخل على خط التجارة
لا تقتصر الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين على الاستثمارات والتجارة، بل تمتد إلى النظام المالي.
فقد جرى خلال عام 2026 تمديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني، مع رفع قيمة الاتفاق إلى 30 مليار يوان، بما يعادل نحو 4.4 مليار دولار، مقابل 18 مليار يوان في الاتفاق السابق.
ويوفر الاتفاق مساحة أكبر لاستخدام الجنيه المصري واليوان الصيني في تسوية جزء من المعاملات التجارية والمدفوعات الثنائية.
ولا يعني ذلك التخلي عن الدولار في التجارة بين البلدين، لكنه يعكس اتجاهًا أوسع نحو تنويع أدوات التسوية المالية وتقليل الاعتماد على عملة واحدة في حركة التجارة الدولية.
مصر بوابة الصين إلى أفريقيا
يزداد الوزن الاستراتيجي لمصر بالنسبة إلى الصين بسبب موقعها في القارة الأفريقية.
وفي عام 2026 دخلت مبادرة صينية لإعفاء واردات من دول أفريقية من الرسوم الجمركية حيز التنفيذ، في خطوة يمكن أن تفتح فرصًا جديدة أمام المنتجات القادمة من القارة إلى السوق الصينية.
وفي هذا السياق، وقعت شركات مصرية خلال أغسطس 2026 نحو 17 عقدًا تصديريًا إلى الصين بقيمة 168 مليون دولار، وشملت العقود منتجات زراعية ونسيجية وجلودًا وسلعًا هندسية.
وهذا يعزز إمكانية قيام نموذج تجاري مختلف يقوم على مسار ثلاثي:
الصين → مصر → أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وبذلك تصبح مصر حلقة وصل بين الإنتاج الصيني والأسواق الإقليمية، وفي الوقت نفسه قاعدة يمكن من خلالها تصدير منتجات مصرية وأفريقية إلى السوق الصينية.
الاستثمارات الصناعية هي مفتاح المرحلة المقبلة
يرى نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني مصطفى إبراهيم أن جانبًا مهمًا من الاستثمارات الصينية في مصر يتجه إلى إنشاء المصانع وخطوط الإنتاج، وليس مجرد الاستحواذ على شركات قائمة.
وتشمل الاستثمارات قطاعات متنوعة مثل السيارات والهواتف والإلكترونيات، بما يعكس توجهًا نحو التصنيع بدلًا من الاقتصار على الأنشطة التجارية.
ويمنح هذا التوجه مصر فرصة لتوطين عدد من الصناعات، خصوصًا إذا ترافق الاستثمار الصيني مع زيادة نسبة المكونات المحلية، وتدريب العمالة، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وربط المصانع بشبكات التصدير العالمية.
لكن تحقيق هذه النتائج يتطلب أن تتحول الاستثمارات إلى إنتاج فعلي موجه إلى الخارج، لا أن تظل موجهة بصورة أساسية إلى السوق المحلية.
الاختبار الحقيقي بعد زيارة شي
رغم أهمية الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي قد تنتج عن زيارة الرئيس الصيني، فإن نجاح المرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الصينية لن يقاس بعدد الاتفاقيات وحده.
المؤشرات الحقيقية ستظهر في حجم الاستثمارات الصناعية الجديدة التي تدخل مصر، وعدد المصانع التي تبدأ التصدير، ومقدار الزيادة في الصادرات المصرية إلى الصين، ومدى انتقال التكنولوجيا إلى الشركات والعمالة المحلية.
كما ستكشف السنوات المقبلة مدى قدرة مصر على تقليص الفجوة التجارية الكبيرة مع الصين، والتي ظهرت بوضوح في 2025 بين صادرات مصرية بلغت نحو 819 مليون دولار وواردات قاربت 19.9 مليار دولار.
إذا نجحت القاهرة في تحويل الاستثمارات الصينية إلى مصانع إنتاجية مرتبطة بالأسواق الخارجية، فقد تنتقل العلاقة من نموذج تهيمن عليه الواردات إلى شراكة صناعية أكثر توازنًا تقودها الصادرات.
وفي هذه الحالة، لن تكون زيارة شي جين بينج مجرد مناسبة للاحتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية، وإنما قد تمثل نقطة انطلاق لتحول أوسع في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
فالهدف لم يعد فقط أن تبيع الصين منتجاتها في مصر، وإنما أن تستخدم مصر كقاعدة لإنتاج السلع والوصول بها إلى العالم.



