منوعات

أسرار الخفافيش الجينية تفتح بابًا جديدًا لفهم طول العمر ومقاومة السرطان والفيروسات

تكشف دراسة علمية حديثة أن الخفافيش قد تحمل مفتاحًا لفهم بعض أكثر الظواهر البيولوجية إثارة، من قدرتها على العيش لفترات طويلة رغم صغر حجمها، إلى مقاومتها للسرطان وتحملها لفيروسات يمكن أن تسبب أمراضًا خطيرة لدى الإنسان.

ونشرت الدراسة في دورية «Nature»، وركز الباحثون على خفافيش من جنس «Myotis»، الذي يضم أنواعًا تتمتع بقدرات استثنائية على مقاومة الأمراض وطول العمر. ويصل عمر بعض هذه الخفافيش إلى أكثر من 40 عامًا، وهو رقم لافت بالنسبة إلى حيوان صغير الحجم.

ويحاول العلماء معرفة كيف تمكنت هذه الحيوانات من تطوير نظام بيولوجي يسمح لها بالحفاظ على صحتها لفترات طويلة، في الوقت الذي تواجه فيه أجسامها باستمرار الفيروسات والعوامل التي تسبب تلف الخلايا.

صلة مباشرة بين المناعة وطول العمر

أظهرت النتائج وجود ارتباط واضح بين الجينات التي تساعد الخفافيش على التعامل مع الفيروسات وتلك المرتبطة بطول العمر ومقاومة السرطان.

وبحسب الباحثين، فإن بعض الجينات التي تطورت لدى الخفافيش لمواجهة مسببات الأمراض تؤدي أيضًا أدوارًا في حماية الخلايا والحفاظ على وظائف الجسم مع التقدم في العمر.

وهذا يشير إلى أن مقاومة الأمراض والشيخوخة قد لا تكون عمليتين منفصلتين، بل يمكن أن تكونا نتيجتين لتطور منظومة دفاعية واحدة تعمل على حماية الجسم والخلايا على المدى الطويل.

كيف تحمي الخفافيش نفسها من السرطان؟

من أبرز ما توصل إليه البحث أن الخفافيش طويلة العمر طورت آليات تساعدها على الحد من تراكم الخلايا التالفة التي يمكن أن تتحول لاحقًا إلى أورام.

وأظهر أحد أنواع الخفافيش، وهو الخفاش البني الصغير، قدرة مميزة على التعامل مع الخلايا المتضررة والتخلص منها بكفاءة، بما يقلل فرص استمرار الخلايا غير السليمة وتكاثرها.

ويرى العلماء أن هذه الآليات قد تساعد في تفسير السبب وراء انخفاض معدلات السرطان لدى الخفافيش رغم طول عمرها، مقارنة بما يمكن توقعه لدى حيوانات تعيش فترات طويلة.

الخفافيش والفيروسات.. استراتيجية مختلفة

تختلف الخفافيش عن كثير من الثدييات في الطريقة التي تتعامل بها مع الفيروسات.

فبدلًا من الاعتماد فقط على القضاء على الفيروس، طورت الخفافيش ما يعرف بـ«تحمل الفيروسات»، أي قدرتها على السماح بوجود الفيروس داخل الجسم مع الحد من الأضرار التي يمكن أن يسببها.

ويعتقد الباحثون أن هذه القدرة ترتبط بامتلاك الخفافيش آليات تساعدها على السيطرة على الالتهاب والإجهاد الخلوي، وهما عاملان يمكن أن يتسببا في أضرار شديدة لدى الكائنات الأخرى عندما تكون الاستجابة المناعية مفرطة.

وهذا يفسر جزئيًا كيف تستطيع الخفافيش حمل مجموعة واسعة من الفيروسات دون أن تظهر عليها بالضرورة الأعراض الخطيرة التي يمكن أن تصيب الإنسان.

نسخ إضافية من جينات المناعة

ركز العلماء على مجموعة من الجينات التي تنتج بروتينات تتفاعل مع الفيروسات.

وأظهرت الدراسة أن الخفافيش طورت اختلافات كبيرة في عدد نسخ بعض الجينات المناعية، ما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع التغير المستمر في الفيروسات.

ومن بين الجينات التي لفتت انتباه الباحثين جين مرتبط بالدفاع المضاد للفيروسات، إذ تمتلك أنواع عديدة من خفافيش «Myotis» نسخًا إضافية منه، وهو ما قد يساعدها على توسيع نطاق دفاعاتها المناعية.

لماذا تستطيع الخفافيش تحمل الفيروسات؟

تتعرض الخفافيش على مدى أجيال لضغوط تطورية ناتجة عن الفيروسات، ولذلك طورت منظومة مناعية مختلفة عن تلك الموجودة لدى الإنسان.

فالاستجابة المناعية القوية جدًا قد تكون مفيدة في القضاء على الفيروس، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تسبب التهابًا وتلفًا في أنسجة الجسم.

أما الخفافيش، فقد طورت توازنًا يسمح لها بمواجهة الفيروسات مع تقليل الأضرار الناتجة عن الاستجابة المناعية نفسها.

ويرى الباحثون أن فهم هذا التوازن قد يساعد مستقبلًا في دراسة كيفية منع الالتهابات المفرطة والأضرار المناعية لدى البشر.

ثمانية أنواع تحت المجهر الجيني

أنشأ الباحثون خرائط جينية عالية الجودة لثمانية أنواع من خفافيش «Myotis»، كما جمعوا عينات من عدد كبير من الأفراد لإجراء تجارب على الخلايا.

واعتمد الفريق على عينات مأخوذة بطريقة تسمح بأخذ خزعات صغيرة من أجنحة الخفافيش ثم إعادة الحيوانات إلى بيئتها، ما أتاح للعلماء دراسة خلاياها وجيناتها دون قتلها.

ويضم المشروع البحثي خلايا مأخوذة من 259 خفاشًا ينتمون إلى 32 نوعًا، ما وفر قاعدة واسعة للمقارنة بين الأنواع المختلفة.

الخفاش الذي يعيش لعقود

يعد خفاش براندت أحد أبرز الأمثلة على قدرة الخفافيش على إطالة العمر.

فهذا الحيوان الصغير يمكن أن يعيش لعشرات السنين، وهو ما يجعله نموذجًا استثنائيًا لدراسة الشيخوخة؛ إذ لا يعيش فقط فترة طويلة، وإنما يحافظ أيضًا على قدرته على مقاومة العديد من الأمراض خلال جزء كبير من حياته.

ولهذا السبب يمثل جنس «Myotis» فرصة مهمة للباحثين لفهم كيفية ارتباط طول العمر بالمناعة وحماية الخلايا.

اختلاف بين فيروسات DNA وRNA

كشفت الدراسة أيضًا عن اختلافات مهمة في الطريقة التي تكيفت بها الخفافيش مع أنواع الفيروسات المختلفة.

فقد ظهرت لدى الخفافيش علامات قوية على التكيف مع الفيروسات التي تعتمد على الحمض النووي DNA، بينما طورت أيضًا تغيرات في عدد بعض الجينات المرتبطة بالتعامل مع الفيروسات سريعة التطور.

ويختلف ذلك عن الإنسان وبعض الرئيسيات الأخرى، التي تظهر لديها أنماط مختلفة من التكيف مع الفيروسات، وهو اختلاف قد يكون أحد العوامل التي تفسر قدرة الخفافيش على حمل بعض الفيروسات دون الإصابة بالمرض نفسه الذي قد تسببه للبشر.

ماذا يمكن أن يستفيد الإنسان؟

لا تعني الدراسة أن العلماء اكتشفوا علاجًا للسرطان أو وسيلة جاهزة لإطالة عمر الإنسان، لكنها تقدم أدلة جديدة يمكن أن تساعد في تحديد الآليات البيولوجية المسؤولة عن حماية الخفافيش.

ويأمل الباحثون في أن يؤدي فهم هذه الآليات إلى اكتشاف أهداف جديدة يمكن دراستها في مجال علاج السرطان والأمراض المرتبطة بالشيخوخة والعدوى الفيروسية.

وقد تفتح هذه النتائج الباب أمام أبحاث مستقبلية تبحث في إمكانية تعزيز قدرة الخلايا البشرية على التخلص من التلف، أو تحسين استجابة الجهاز المناعي للعدوى، أو الحد من الالتهابات التي تسبب أضرارًا طويلة الأمد.

سر الخفافيش قد يكون في التوازن

تشير النتائج في مجملها إلى أن سر الخفافيش لا يكمن بالضرورة في جين واحد يمنحها عمرًا طويلًا أو حماية خارقة، وإنما في شبكة واسعة من التغيرات الجينية التي تطورت معًا.

وتبدو العلاقة بين المناعة، ومقاومة السرطان، وحماية الخلايا، وتحمل الفيروسات، والشيخوخة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.

ولهذا يرى العلماء أن دراسة الخفافيش قد تساعد على إعادة التفكير في الأمراض المرتبطة بالعمر والعدوى باعتبارها عمليات مترابطة، بدلًا من التعامل معها كمشكلات منفصلة تمامًا.

وفي النهاية، تقدم الخفافيش نموذجًا طبيعيًا نادرًا لكائن استطاع التطور بحيث يعيش طويلًا، ويتعامل مع الفيروسات، ويحافظ على سلامة خلاياه، ويحد من مخاطر السرطان؛ وهي خصائص قد تساعد دراسة آلياتها العلماء على فهم طرق جديدة للحفاظ على صحة الإنسان مع التقدم في العمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى