تقارير

سلاح بلا جنود.. كيف أصبحت الكهرباء والمياه ورقة ضغط في الحروب الحديثة؟

لم تعد آثار الحروب مقتصرة على ساحات القتال والمنشآت العسكرية، إذ باتت البنية التحتية الحيوية، وفي مقدمتها محطات توليد الكهرباء ومنشآت تحلية مياه البحر، جزءًا من دائرة الخطر.

ويؤدي استهداف هذه المنشآت أو تعطيل خطوط إمدادها إلى نقل تداعيات المواجهات مباشرة إلى حياة المدنيين، من انقطاع الكهرباء والمياه إلى توقف المستشفيات والخدمات الأساسية.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت أمثلة متعددة على استخدام البنية التحتية للطاقة والمياه ضمن أدوات الضغط في النزاعات، سواء من خلال الهجمات المباشرة على منشآت الطاقة أو عبر قطع الإمدادات التي تعتمد عليها المدن والمرافق الحيوية.

محطات الكهرباء والمياه تحت التهديد

برز هذا الخطر بصورة واضحة في منطقة الخليج، بالتزامن مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، ووفق تقرير لوكالة «رويترز» نُشر في 6 أغسطس 2026، هددت طهران باستهداف منشآت النفط والكهرباء والمياه في دول الخليج في حال تعرض بنيتها التحتية لهجمات أمريكية جديدة.

وجاءت هذه التهديدات بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوليو، تحدث فيها عن إمكانية استهداف شبكة الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، لتتحول منشآت الخدمات الأساسية إلى عنصر في حسابات الردع والضغط المتبادل.

ولم تقتصر المخاطر على التهديدات، إذ أعلنت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة الكويتية تعرض عدد من محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه لهجمات أدت إلى اندلاع حرائق وخروج وحدات توليد عن الخدمة.

لماذا يمثل استهداف الكهرباء خطرًا على المياه؟

تكمن حساسية منشآت تحلية المياه في اعتمادها الكبير على الكهرباء. فعملية تحويل مياه البحر إلى مياه صالحة للاستخدام تحتاج إلى الطاقة لتشغيل المضخات، وأنظمة المعالجة، ووحدات التحكم، ومراحل نقل المياه إلى شبكات التوزيع.

وبالتالي، فإن استهداف محول كهربائي أو مولد أو أحد خطوط نقل الطاقة قد يؤدي إلى توقف إنتاج المياه حتى في حال عدم إصابة محطة التحلية بشكل مباشر.

وهذا يجعل قطاعي الكهرباء والمياه مترابطين بصورة تجعل الضربة الواحدة قادرة على إحداث سلسلة من التداعيات المتلاحقة، تبدأ بانقطاع الطاقة وقد تنتهي بأزمة في إمدادات مياه الشرب.

منشأة واحدة قد تؤثر في شبكتين

تزداد خطورة الوضع عندما تكون محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه موجودة داخل مجمعات أو مواقع مشتركة. ففي هذه الحالة، يمكن أن يؤدي استهداف موقع واحد إلى الضغط على منظومتين حيويتين في الوقت نفسه، مع استنزاف المخزونات الاحتياطية وارتفاع صعوبة إعادة الخدمات إلى طبيعتها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في دول الخليج التي تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر لتوفير احتياجات السكان.

وأشارت وكالة الطاقة الدولية في تحليل نشرته خلال مارس 2026 إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك نحو 33% من قدرات تحلية المياه عالميًا، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه المنشآت بالنسبة لأمن المياه في المنطقة.

من انقطاع الكهرباء إلى توقف الخدمات

لا يقتصر تأثير استهداف شبكات الكهرباء على المنازل، بل يمتد إلى قطاعات أساسية تعتمد بصورة مباشرة على الطاقة، مثل المستشفيات، وشبكات المياه والصرف الصحي، ومراكز الاتصالات، والمرافق العامة.

وتظهر تجربة أوكرانيا حجم هذه التداعيات، إذ وثقت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان هجمات روسية متكررة على منشآت توليد الكهرباء وشبكات نقل الطاقة، أدت إلى انقطاعات أثرت على التدفئة والمياه وعدد من الخدمات العامة.

وفي غزة، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن توقف إمدادات الكهرباء والمياه والوقود أدى إلى تعطيل مرافق حيوية، من بينها المستشفيات ومحطات تحلية المياه ومنشآت الصرف الصحي.

وتوضح هذه الحالات أن تأثير ضرب البنية التحتية قد يتجاوز المنشأة المستهدفة جغرافيًا وزمنيًا، ليصل إلى قطاعات واسعة من الحياة اليومية للسكان.

ماذا يقول القانون الدولي؟

يحظى السكان والمنشآت المدنية بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني. وتنص المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على حماية الأعيان المدنية من الاستهداف.

ومع ذلك، يمكن أن تفقد بعض المنشآت حمايتها المدنية في ظروف محددة إذا أصبحت تسهم بصورة فعلية في العمليات العسكرية، وكان تدميرها أو تعطيلها يحقق ميزة عسكرية محددة، مع بقاء الهجوم خاضعًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.

ومن أهم هذه القواعد مبدأ التناسب، الذي يمنع تنفيذ هجمات يتوقع أن تسبب أضرارًا مفرطة للمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة، إلى جانب الالتزام باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالسكان.

كما تحظر القاعدة 54 من القانون الدولي الإنساني مهاجمة أو تدمير أو تعطيل المنشآت والمواد الضرورية لبقاء السكان المدنيين، وتشمل هذه الحماية منشآت مياه الشرب وإمداداتها.

كيف يمكن تقليل مخاطر استهداف المحطات؟

تستطيع الدول تقليل آثار الهجمات على البنية التحتية الحيوية من خلال توزيع قدرات إنتاج الكهرباء والمياه بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من المنشآت الكبرى.

ومن بين إجراءات الحماية الممكنة زيادة مخزونات المياه وقطع الغيار، وتوفير مصادر بديلة للطاقة، وإنشاء شبكات مصغرة قادرة على مواصلة العمل عند تعطل الشبكة الرئيسية، فضلًا عن تأمين أكثر من مسار لنقل الكهرباء والمياه.

كما يمكن إعداد خطط للطوارئ تسمح بالتشغيل اليدوي لبعض الأنظمة عند تعطل أنظمة التحكم، إلى جانب تعزيز الحماية المادية للمنشآت الحيوية وتطبيق أنظمة دفاع متعددة الطبقات.

وتساعد هذه الإجراءات على منع تحول الضرر الذي يصيب منشأة واحدة إلى انهيار واسع في شبكة الخدمات.

الخطر الأكبر: الاعتماد على منشآت محدودة

كلما زاد اعتماد المدن على عدد محدود من محطات الكهرباء والتحلية، ارتفعت درجة تعرضها للاضطرابات. فقد تبدأ الأزمة باستهداف محطة واحدة، لكنها يمكن أن تتوسع سريعًا نتيجة ترابط شبكات الطاقة والمياه والخدمات الأخرى.

ولهذا، فإن حماية البنية التحتية الحيوية لم تعد قضية فنية أو اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءًا من أمن المدن وقدرتها على الصمود أثناء الحروب والأزمات.

ومع استمرار اعتماد المجتمعات الحديثة على الكهرباء والمياه باعتبارهما أساسًا لمعظم الخدمات، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل تحولت البنية التحتية المدنية، في حروب اليوم، إلى وسيلة غير مباشرة للضغط على السكان؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى