تقارير

الحرب الأمريكية الإيرانية.. كيف غير استهداف البنية التحتية طبيعة الصراع؟

كتبت: هدير البحيري

 لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على استهداف المواقع العسكرية، بل امتدت إلى منشآت البنية التحتية التي تمثل شريانًا رئيسيًا لقدرة الدولة على إدارة الحرب والاقتصاد معًا.

فمع تصاعد الضربات التي طالت الجسور والموانئ ومحطات الكهرباء، تتزايد المؤشرات على تحول في طبيعة الصراع، من استنزاف القدرات العسكرية إلى استهداف مقومات التشغيل والإمداد، بما يثير مخاوف من اتساع تداعيات الحرب لتشمل أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة في مضيق هرمز، في ظل تهديدات متبادلة بمزيد من التصعيد وغموض يحيط بمستقبل مذكرة التفاهم بين الجانبين.


البنية التحتية تدخل بنك الأهداف

وخلال الأيام الماضية، كثفت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد إيران، ونفذت سلسلة ضربات استهدفت جسورًا ومنشآت مرتبطة بشبكات النقل والإمداد، في خطوة تعكس اتجاهًا جديدًا نحو تعطيل البنية اللوجستية التي تعتمد عليها طهران في تحريك قواتها ومعداتها.

ومن بين أبرز الأهداف ميناء تشابهار، وهو المنفذ الإيراني الوحيد المطل على المحيط، إذ استهدفت الضربات جسورًا تؤدي إليه في محاولة لقطع خطوط الإمداد، كما دمرت القوات الأمريكية برج المراقبة في ميناء الشهيد كلانتري، معتبرة أنه جزء من شبكة المراقبة البحرية الإيرانية على ساحل خليج عُمان.

كما شملت الضربات جسورًا في محيط بندر عباس، التي تمثل مركزًا رئيسيًا لعمليات الحرس الثوري في مضيق هرمز، حيث تمر عبرها الذخائر والإمدادات والتعزيزات العسكرية إلى مناطق مختلفة من المضيق.

ولا يبدو أن استهداف شبكات النقل والموانئ يمثل سقف العمليات الأمريكية، إذ تشير التطورات الأخيرة إلى أن قائمة الأهداف مرشحة للاتساع لتشمل منشآت حيوية أخرى.

من الموانئ إلى الكهرباء.. اتساع نطاق الأهداف

ووفقاً لمصادر أمريكية وإسرائيلية، تدرس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات تتضمن استهداف محطات الكهرباء، إلى جانب تنفيذ ضربات إضافية ضد المنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك مواقع تحت الأرض يُعتقد أنها تستخدم لتخزين اليورانيوم المخصب أو تطوير البرنامج النووي الإيراني.

وتزامن ذلك مع إعادة نشر طائرات مقاتلة أمريكية من أوروبا إلى الشرق الأوسط، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية بدء جولة جديدة من الضربات ضد إيران، مؤكدة أن الهدف يتمثل في مواصلة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.

رد إيراني يتجاوز الحدود

وفي المقابل، وسعت إيران نطاق ردها العسكري، مستهدفة منشآت حيوية في عدد من دول الخليج والأردن، في تطور يعكس انتقال المواجهة إلى استهداف البنية التحتية الإقليمية.

وأعلنت الكويت تعرض منشآت مدنية وعسكرية، من بينها مرافق لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، لهجمات بطائرات مسيرة، ما أسفر عن أضرار مادية وإصابة عدد من العسكريين، بينما أكدت السلطات تفعيل خطط الطوارئ للحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية.

وفي الوقت نفسه، واصلت طهران إطلاق رسائل تصعيدية، إذ قال المستشار العسكري للمرشد الإيراني محسن رضائي إن القوات المسلحة قد تضطر إلى تغيير استراتيجيتها إذا استمرت الولايات المتحدة في عملياتها العسكرية، مشيرًا إلى أن طهران أعادت خلال الأشهر الماضية بناء قدراتها العسكرية استعدادًا لمواجهة أوسع.

هرمز في قلب المواجهة

وبالتوازي مع العمليات العسكرية، يزداد الضغط على مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية باستهداف سفينة ترفع علم تايلاند بعد محاولتها عبور المضيق دون الحصول على إذن من البحرية التابعة للحرس الثوري، في خطوة تعكس استمرار التوتر حول حرية الملاحة، بعد انهيار مذكرة التفاهم التي كانت تنص على ضمان استمرار حركة السفن عبر المضيق.

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن نحو خمس إمدادات النفط العالمية كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الحرب، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة مصدراً مباشراً لزيادة المخاطر على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

انعكاسات اقتصادية تتجاوز ساحات القتال

بدأت التداعيات الاقتصادية للتصعيد العسكري في الظهور سريعًا، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 16% خلال أسبوع، مع تسجيل خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط أعلى مستوياتهما منذ منتصف يونيو، وسط مخاوف من اتساع نطاق الحرب وتأثيرها على تدفقات النفط العالمية.

ويشير تزامن استهداف الموانئ والجسور ومحطات الكهرباء مع تصاعد التهديدات في مضيق هرمز إلى أن البنية التحتية أصبحت إحدى ساحات المواجهة الرئيسية، بما يفتح الباب أمام مرحلة قد تمتد فيها تداعيات الحرب إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وليس فقط إلى موازين القوى العسكرية في المنطقة.

أيهما يحسم الحرب الآن.. القوة العسكرية أم القدرة على الصمود الاقتصادي؟

وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية، في جامعة القاهرة، الدكتور حسن سلامة، في حديث خاص لـ”داي نيوز” إن استهداف البنية التحتية لا يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية المباشرة للدولة، بل يمتد إلى تقويض قدرتها على إدارة العمليات العسكرية والاقتصادية في آن واحد.

وأوضح أن تعطيل الموانئ وشبكات النقل ومنشآت الطاقة والاتصالات يؤثر بشكل مباشر في قدرة الدولة على نقل الإمدادات، وتمويل العمليات العسكرية، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وهو ما يزيد الضغوط على النظام السياسي وصانع القرار، ويرفع احتمالات تصاعد حالة الاستياء المجتمعي نتيجة تراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها.

وأضاف سلامة أن استهداف المنشآت المدنية والحيوية يمثل تصعيدًا نوعيًا في قواعد الاشتباك، إذ يوسع دائرة الأهداف لتشمل قطاعات تؤثر في الاقتصاد والحياة اليومية، بدلًا من الاقتصار على المواقع العسكرية.

ولفت إلى أن ذلك قد يدفع إيران إلى الرد بوسائل أكثر اتساعًا، كما ظهر في استهداف مناطق بالمحيط الخليجي، بينها الكويت والبحرين، إلى جانب دول عربية أخرى مثل الأردن، تحت مبرر استهداف القواعد العسكرية أو المصالح الأمريكية لدى حلفائها في الخليج، وهو ما قد يحول المواجهة المحدودة إلى صراع إقليمي واسع.

وأشار سلامة إلى أن هذا السيناريو يتوافق مع ما تسعى إليه إسرائيل، بحسب تقديره، من توسيع نطاق الصراع إقليميًا عبر الزج بالدول العربية في مواجهة مباشرة، قبل انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، في ظل تشابك المصالح بين القوى الإقليمية والدولية.

وأوضح سلامة أن الضغوط الأمريكية لا تستهدف تقليص القدرات العسكرية الإيرانية فحسب، وإنما تضرب أيضًا البنية الاقتصادية، باعتبار أن المسارين مرتبطان بصورة وثيقة.

وقال إن الهدف يتمثل في تقليص قدرة إيران على مواصلة عملياتها العسكرية والرد، إلى جانب رفع كلفة المواجهة عليها اقتصاديًا، مشيرًا إلى أن طهران تعتمد النهج ذاته من خلال رفع تكلفة الصراع على دول الخليج والاقتصاد العالمي عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز.

وأضاف سلامة أن الطرفين يستخدمان أدوات الضغط لتحقيق أهداف سياسية، موضحًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات وفق شروط أمريكية ومن موقع تعتبر فيه أنها حققت مكاسب.

وأشار إلى أن ملفات التفاوض لن تخرج كثيرًا عن القضايا المعروفة، وعلى رأسها البرنامج النووي، إلى جانب ملف مضيق هرمز الذي نجحت إيران في فرضه كأولوية على أجندة الأزمة.

وحذر سلامة من أن استمرار الهجمات على الموانئ ومضيق هرمز والمنشآت الحيوية ستكون له تداعيات تتجاوز أطراف الصراع المباشرة، إذ سيؤدي إلى اضطراب حركة الملاحة في المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من التجارة العالمية، فضلًا عن تأثر سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما سينعكس على مستويات المعيشة ليس في المنطقة فحسب، بل على الاقتصاد العالمي بأسره.

وأضاف أن ذلك يفسر سعي عدد من الدول الأوروبية إلى البحث عن ممرات وبدائل جديدة بعيدًا عن مضيق هرمز.

ورجح سلامة ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الأزمة. يتمثل الأول في استمرار الضربات المتبادلة مع احتواء التصعيد عبر الجهود الدبلوماسية التي يقودها الوسطاء، انطلاقًا من أن الطرفين لا يرغبان، وفق تقديره، في اندلاع حرب شاملة مفتوحة.

أما السيناريو الثاني فهو اتساع نطاق الصراع إقليميًا إذا تعرضت منشآت الطاقة والمنشآت الحيوية والاستراتيجية لهجمات، بما يستدعي تدخل أطراف أخرى، سواء إسرائيل أو غيرها.

بينما يتمثل السيناريو الثالث في العودة إلى المسار الدبلوماسي، إلا أنه استبعد تحققه بدرجة كبيرة في المرحلة الحالية.

واختتم سلامة حديثه بالتأكيد على أن استمرار التصعيد يرتبط بقدرة كل طرف على تحمل كلفة المواجهة، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى التفاوض سيصبح الخيار المطروح عندما يدرك الطرفان أن تكلفة التصعيد أصبحت أعلى بكثير من قدرتهما على تحملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى