"كود 110".. ماذا يكشف اعتراف عباس عراقجي عن أخطر ثغرة أمنية في تاريخ الجمهورية الإسلامية؟
اعترافات عراقجي تفتح ملفات الصمت داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية

كتبت: إسراء جبريل
لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن الحرب الأخيرة هو حديثه عن المفاوضات أو قرار وقف إطلاق النار، بل اعترافه الصريح بوجود “حفرة أمنية” مكّنت الخصم من معرفة توقيت ومكان انعقاد اجتماعات بالغة الحساسية داخل قلب منظومة الحكم الإيرانية. والأهم من ذلك أنه لم يتحدث عن اختراق انتهى، وإنما قال إن هذه الحفرة “ربما لا تزال موجودة حتى الآن”، وهي عبارة نادرًا ما تصدر عن مسؤول إيراني بهذا المستوى.
وفي الوقت نفسه كشف عراقجي للمرة الأولى عن وجود رمز داخلي حمل اسم “كود 110”، وهو الاسم الذي أطلق على السيناريو الذي أعدته الدولة مسبقًا للتعامل مع احتمال استهداف المرشد الأعلى أثناء الحرب، في إشارة إلى أن القيادة الإيرانية كانت قد وضعت خططًا تفصيلية لاستمرار إدارة الدولة حتى في أكثر السيناريوهات تشاؤمًا.
لكن ما الذي تكشفه هذه التصريحات فعلًا؟ وهل كانت المشكلة مجرد تسريب معلومات، أم أن إيران تواجه اختراقًا أعمق داخل مؤسساتها الأمنية والعسكرية؟
اعتراف غير مألوف
في العقيدة الإعلامية والسياسية للجمهورية الإسلامية، اعتادت المؤسسات الرسمية التركيز على “العدوان الخارجي” أو “المؤامرة الأجنبية”، بينما نادرًا ما يُعترف بوجود خلل داخلي في المنظومة الأمنية.
لهذا اكتسب تصريح عراقجي أهمية استثنائية عندما قال إن معرفة العدو بأماكن الاجتماعات الحساسة كانت نتيجة “حفرة معلوماتية”، مشيرًا إلى أن هذا الخلل ربما لم يُعالج بالكامل بعد.
ولا يقتصر الأمر على مجرد توصيف إعلامي، بل إن عراقجي قدّم مثالًا عمليًا؛ إذ أوضح أنه بعد لقائه بالرئيس الإيراني توجّه لتقديم تقرير إلى أصغر حجازي، المسؤول البارز في مكتب المرشد، وفي أثناء وجوده تعرض الموقع للهجوم، كما استهدفت في التوقيت ذاته اجتماعات أخرى كانت تُعقد في نطاق بيت القيادة.
ما هو “كود 110″؟
كشف عراقجي أن مجلس الأمن القومي الإيراني ناقش قبل الحرب جميع السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك احتمال اغتيال المرشد الأعلى.
لكن حساسية هذا السيناريو جعلت الحاضرين يتجنبون حتى التلفظ بعبارة “استشهاد المرشد”، ولذلك جرى اعتماد رمز داخلي هو “110”، وكان الجميع يعلم المقصود منه دون الحاجة إلى التصريح بالمحتوى الحقيقي.
ومن الناحية الرمزية، يحمل الرقم (110) دلالة خاصة في الثقافة الشيعية، إذ يساوي القيمة العددية لاسم “علي” وفق حساب الجُمَّل، كما أن المادة (110) من الدستور الإيراني تحدد صلاحيات المرشد الأعلى، وهو ما دفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن اختيار الرقم لم يكن عشوائيًا، رغم أن عراقجي لم يشرح سبب اختياره.
كما كشف الوزير أن من بين الإجراءات المعدة مسبقًا، إغلاق مضيق هرمز فور استهداف المرشد، وهو ما يعكس وجود خطط استجابة جاهزة لمختلف السيناريوهات.
لماذا يعد هذا الاعتراف مهمًا؟
إن نجاح أي جهاز استخباراتي لا يُقاس بعدد العملاء الذين يجنّدهم، وإنما بقدرته على الوصول إلى المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب.
وعندما تُستهدف عدة اجتماعات متزامنة في مواقع مختلفة، فإن ذلك يعني أن المهاجم امتلك معلومات دقيقة عن:
- أماكن الاجتماعات.
- توقيت انعقادها.
- الشخصيات الحاضرة.
- أهمية كل هدف.
وهذه النوعية من المعلومات يصعب عادة الحصول عليها عبر الأقمار الصناعية أو وسائل الاستطلاع التقليدية وحدها، ما يجعل فرضية وجود تسرب معلومات داخل المنظومة احتمالًا يستحق الدراسة، وإن كان لا يمكن الجزم به دون أدلة معلنة.
السيناريو الأول: الاختراق البشري
يُعد الاختراق البشري (HUMINT) أكثر التفسيرات تداولًا بين المتخصصين في الشؤون الاستخباراتية.
فأي مؤسسة أمنية، مهما بلغت درجة تحصينها، تعتمد في النهاية على البشر.
وقد يكون مصدر التسريب:
- موظفًا إداريًا.
- عنصرًا أمنيًا.
- مسؤولًا عن الاتصالات.
- موظفًا تقنيًا.
- أو حتى شخصًا لا يدرك خطورة المعلومات التي ينقلها.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود “عميل” داخل أعلى دوائر الحكم، بل قد يكفي تسرب أجزاء صغيرة من المعلومات من عدة مستويات حتى يستطيع الخصم إعادة تركيب الصورة الكاملة.
اقرأ أيضًا: هل كان أحمدي نجاد “الخيار الاحتياطي” لإسرائيل؟
وقد أعلنت السلطات الإيرانية خلال السنوات الماضية مرارًا عن توقيف أشخاص بتهم التجسس والعمل لصالح جهات أجنبية، وهو ما يعكس إدراكًا رسميًا لوجود تهديد استخباراتي مستمر، وإن كانت هذه الإعلانات لا تثبت بطبيعتها صلتها بالأحداث التي تحدث عنها عراقجي.
السيناريو الثاني: اختراق الاتصالات
الاحتمال الثاني يتمثل في اختراق وسائل الاتصال.
ففي الحروب الحديثة، لم تعد الهواتف المحمولة مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت مصدرًا غنيًا للبيانات.
ومن اللافت أن عراقجي قال إن معظم المسؤولين تركوا هواتفهم المحمولة، بينما اضطر هو إلى الاحتفاظ بهاتفه بسبب طبيعة عمله واتصالاته المستمرة مع وزراء الخارجية والسفارات.
وهذا التصريح يكشف أن القيادة الإيرانية كانت تدرك أصلًا حجم المخاطر المرتبطة بالأجهزة الإلكترونية.
ولا يشترط في هذا السيناريو اختراق الهاتف نفسه، فقد يكفي تحليل بيانات الاتصال أو تحديد المواقع أو أنماط الحركة للوصول إلى استنتاجات دقيقة.
السيناريو الثالث: تسرب البيانات التنظيمية
في المؤسسات الكبرى توجد قواعد بيانات ضخمة تضم:
- أسماء المسؤولين.
- جداول الاجتماعات.
- خطط الحماية.
- خرائط المنشآت.
- بيانات المركبات.
- أذونات الدخول.
والوصول إلى جزء من هذه المعلومات قد يمنح الخصم أفضلية كبيرة.
وفي كثير من العمليات الاستخباراتية الحديثة، لا يكون الاختراق ناتجًا عن تجنيد شخصية رفيعة، بل عن الحصول على قاعدة بيانات واحدة تحتوي على تفاصيل تشغيلية واسعة.
السيناريو الرابع: ضعف الانضباط الأمني
كلما توسعت الأجهزة الأمنية والعسكرية، زادت أعداد الأشخاص الذين يملكون حق الوصول إلى المعلومات.
وفي الحالة الإيرانية، تتداخل صلاحيات مؤسسات عديدة، من بينها القوات المسلحة والحرس الثوري ووزارة الاستخبارات وهيئات أمنية أخرى.
ومع اتساع هذه الدوائر، يصبح الحفاظ على السرية المطلقة أكثر صعوبة، خاصة إذا كانت الاجتماعات تشمل أطرافًا متعددة.
وهذا لا يعني وجود اختراق مؤكد، لكنه يبرز أحد التحديات المعروفة في إدارة الأمن المؤسسي.
السيناريو الخامس: الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات
شهد العقد الأخير تطورًا كبيرًا في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المفتوحة.
فصور الأقمار الصناعية، وحركة المركبات، وأنماط الاتصالات، وحتى الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن دمجها لاستخراج مؤشرات دقيقة حول أماكن وجود المسؤولين أو مواعيد الاجتماعات.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون هناك “جاسوس” بالمعنى التقليدي، بل استغلال احترافي لكمية هائلة من البيانات المتاحة.
لماذا قال عراقجي إن الثغرة ربما ما زالت موجودة؟
هذه العبارة تحديدًا تستحق التوقف؛ فلو كانت المشكلة حادثة معزولة، لكان من المتوقع الحديث عنها بصيغة الماضي.
أما استخدام تعبير يفيد استمرار الخلل، فيوحي بأن القيادة الإيرانية ترى أن أسباب الاختراق لم تُستأصل بالكامل، أو أن التحقيقات لم تنته إلى نتائج حاسمة.
ولا يقدم عراقجي تفاصيل إضافية، لذلك لا يمكن تحديد طبيعة هذا الخلل على وجه اليقين، لكن مجرد الاعتراف باستمراره يحمل رسالة واضحة إلى المؤسسات الأمنية بضرورة إعادة تقييم إجراءات الحماية.
هل كان استهداف الاجتماعات صدفة؟
وفق رواية عراقجي، كانت هناك عدة اجتماعات متزامنة داخل نطاق القيادة، من بينها اجتماع مجلس الدفاع واجتماعات في مكاتب كبار المسؤولين، إضافة إلى وجود المرشد في مكتبه. ويرى الوزير أن معرفة الخصم بهذه الاجتماعات ليست أمرًا عابرًا، بل دليل على امتلاكه معلومات مسبقة.
ومن منظور استخباراتي، فإن استهداف عدة مراكز في توقيت واحد يُعد من سمات العمليات التي تعتمد على معلومات آنية ودقيقة، سواء جاءت من مصادر بشرية أو تقنية أو من مزيج بينهما.



