من "الرد" إلى "إعادة رسم المعركة".. هل غيّرت إيران عقيدتها الهجومية بعد إعادة تشكيل القيادة؟

كتبت: إسراء جبريل
لم تعد الرسالة التي تحملها الصواريخ الإيرانية موجهة إلى قاعدة بعينها، بل إلى شبكة الوجود الأمريكي بأكملها في المنطقة.
الصواريخ والمسيّرات التي ضربت خمس دول مؤخرًا جاءت ردًا مباشرًا على واحدة من أعنف موجات القصف الأمريكي لإيران منذ أشهر. لكن طهران لم تكتفِ بردٍّ تقليدي؛ بل استثمرت اللحظة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، بالتزامن مع إعادة تشكيل غير مسبوقة لقيادتها العسكرية والأمنية، يتصدرها عودة الجنرال محسن رضائي إلى موقع صناعة القرار.
البداية.. ضربة أمريكية استمرت أكثر من ست ساعات
في الأول من سبتمبر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بدء ضربات واسعة على أهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني داخل إيران، قائلة إن الضربات جاءت ردًا على محاولات هجومية استهدفت الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى محاولات استهداف عسكريين أمريكيين في المنطقة. ووصفت شبكة CNN الموجة بأنها أكبر تصعيد للصراع منذ أكثر من شهر، في ضربات استمرت لأكثر من ست ساعات.
وبحسب بيان سنتكوم، استهدفت القوات الأمريكية مواقع للدفاع الجوي، وأنظمة رادار، وأصولًا ومنشآت بحرية لزرع الألغام، ومواقع اتصالات تابعة للحرس الثوري.
الحصيلة الإيرانية كانت ثقيلة: أعلن وزير الصحة الإيراني مقتل 18 شخصًا وإصابة 108 آخرين في محافظات متعددة، بينما ذكرت مصادر أخرى مقتل 14 شخصًا من بينهم 7 عسكريين من الحرس الثوري والباسيج.
الرد الإيراني.. من “الغضب” إلى “الشبكة”
الرد الإيراني على هذه الضربة لم يكن ردًا محدودًا على هدف بعينه، بل تحرك في اتجاهات متعددة دفعة واحدة.
فقد أعلنت القوات المسلحة الإيرانية شنّ هجوم بطائرات مسيّرة من طراز “آرش” استهدف منشآت عسكرية أمريكية في قاعدة الشيخ عيسى بالبحرين، إلى جانب ضربات بطائرات انقضاضية استهدفت منظومات الرادار ومواقع القوات الأمريكية في قاعدتي الظفرة والمنهاد في الإمارات. وامتد التهديد ليشمل الأردن والكويت والعراق، حيث أعلنت القوات المسلحة الأردنية دخول 13 صاروخًا باليستيًا مجالها الجوي، واعتراض عشرة منها.
وأكدت القيادة الإيرانية أن الرد على القصف الأمريكي الذي طال مناطق سكنية سيكون واسع النطاق وشاملًا، فيما شدد مقر “خاتم الأنبياء” العسكري على مواصلة العمليات القتالية ضد الوجود الأمريكي، محذرًا من أن أي اعتداء أمريكي جديد سيقابَل بردود أقسى وأشمل. وهذا يعني أن إيران قدّمت هجماتها بوصفها ردًا على عدوان أمريكي مباشر أسفر عن ضحايا مدنيين وعسكريين، لا كمبادرة هجومية منفصلة.
لكن الرد اتخذ شكلًا مختلفًا هذه المرة
رغم أن الدافع المعلن كان الرد على الضربات الأمريكية، فإن الطريقة التي نُفّذ بها هذا الرد تكشف عن تحول لافت في العقيدة العملياتية الإيرانية.
فعوضًا عن التركيز على قاعدة واحدة كما حدث في جولات سابقة، تحركت الهجمات عبر خمسة مسارح عمليات في وقت متقارب: الأردن، الكويت، البحرين، العراق، والإمارات. وهذا يعني أن الرد الإيراني – وإن كان بدافع الانتقام – تحوّل عمليًا إلى اختبار لقدرة طهران على تهديد شبكة الوجود الأمريكي الإقليمي بأكملها دفعة واحدة، لا مجرد إعادة التوازن مع واشنطن عبر ضربة مقابل ضربة.
كما أن طبيعة الأهداف التي زعمت إيران ضربها – حظائر طائرات استطلاع، رادارات، مراكز قيادة ومنشآت تشغيلية – تشير إلى أن الرد لم يكن موجهًا فقط ضد “القوة” الأمريكية المتمركزة، بل ضد “البنية” التي تُمكّن هذه القوة من العمل أصلًا.
رضائي.. القائد الذي يدير الرد لا يبتدئه فقط
يصعب فصل طريقة إدارة هذا الرد عن التغيير الذي طرأ مؤخرًا على قمة مؤسسة الأمن القومي الإيرانية. ففي التاسع من أغسطس، أي قبل أسابيع قليلة من الضربات الأمريكية الأخيرة، عيّن الرئيس مسعود بزشكيان الجنرال محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ثم عيّنه مجتبى خامنئي ممثلًا له داخل المجلس – وهو موقع نادر يجمع بين الصلاحية التنفيذية وصفة تمثيل المرشد.
رضائي، الذي قاد الحرس الثوري من عام 1981 حتى 1997 خلال معظم سنوات الحرب الإيرانية العراقية قبل انتقاله إلى العمل السياسي والمؤسسي عبر مجمع تشخيص مصلحة النظام، كان قد حذّر في يوليو – أي قبل الضربات الأمريكية الأخيرة بأسابيع – من أن استمرار الضغط العسكري الأمريكي سيدفع إيران من “مرحلة الرد” إلى “مرحلة الهجوم”.
وبعد الضربات الأمريكية مباشرة، أعلن في الثاني من سبتمبر أن إيران بصدد تنفيذ “استراتيجية جديدة” تشمل ميادين الحرب والدبلوماسية ومواجهة الحصار الاقتصادي معًا.
هذا التزامن يجعل من الصعب قراءة الرد الإيراني الأخير كردة فعل عفوية بحتة؛ فالقيادة التي أشرفت على تنفيذه كانت قد طرحت تصورها لـ”الرد الموسّع” قبل وقوع الضربة الأمريكية التي استخدمتها كمبرر مباشر له.
إعادة تشكيل القيادة العسكرية بالتوازي مع الرد
في اليوم التالي لتعيين رضائي، أعاد مجتبى خامنئي تشكيل جزء واسع من هرم القيادة العسكرية: عُيّن علي عبداللهي رئيسًا لهيئة الأركان العامة، وأحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري، ومصطفى إيزدي نائبًا له، وعلي عظمايي قائدًا للقوة البحرية للحرس، وحسين طائب قائدًا للباسيج، وكيومرث حيدري نائبًا لرئيس هيئة الأركان. وجاءت هذه التعيينات بعد مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين في ضربات أمريكية وإسرائيلية سابقة.
اللافت أن هذه التعيينات لم تراهن على جيل جديد كليًا من القادة، بل أعادت إلى الواجهة شخصيات ذات خبرة طويلة ومتراكمة في الحرس والمؤسسة العسكرية. ووصف تحليل نشرته صحيفة “ذا ناشيونال” هذه الخطوة بأنها أقرب إلى مراهنة على الخبرة والاستمرارية منها إلى قطيعة جذرية مع القيادة السابقة – وهو ما يعزز فرضية أن طهران، حتى وهي ترد على ضربة أمريكية مباشرة، كانت تُدير المعركة عبر قيادة مهيّأة مسبقًا لحرب طويلة الأمد لا لرد فعل آني ومحدود.
من “الهدف الواحد” إلى “مسرح العمليات الموحّد”
الفارق الجوهري بين هذا الرد وردود سابقة لا يكمن في أن إيران ردّت – فهذا نمط معتاد – بل في أن الرد هذه المرة تعامل مع شبكة القواعد الأمريكية الموزعة على خمس دول كمسرح عمليات واحد لا كأهداف منفصلة.
فالقواعد في الأردن والكويت والبحرين والعراق والإمارات باتت، من زاوية النظر الإيرانية، عُقدًا داخل شبكة واحدة تستخدمها واشنطن لإدارة عملياتها الإقليمية، وإذا نجحت طهران في تهديد عدة عقد من هذه الشبكة في آنٍ واحد، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى تدميرها جميعًا؛ يكفيها أن ترفع كلفة تشغيل الشبكة ككل وأن تجبر واشنطن على إعادة حساب المخاطر المرتبطة باستخدام كل قاعدة على حدة، حتى وإن كان الدافع المعلن للرد هو ضربة أمريكية محددة استهدفت مواقع الحرس الثوري وأسفرت عن ضحايا في صفوف المدنيين والعسكريين الإيرانيين.
وبذلك، فإن الفارق بين الهجمات السابقة والأخيرة قد لا يكون في نوع الصاروخ بقدر ما يكون في طريقة توظيف القوة؛ من ضرب هدف أمريكي محدد ردًا على ضربة، إلى محاولة جعل الوجود العسكري الأمريكي الإقليمي كله جزءًا من معادلة الردع الإيرانية.
وما إذا كان هذا التحول نتيجة مباشرة لوصول رضائي والقيادة العسكرية الجديدة، أم أنه كان مخططًا له قبل التعيينات، يظل سؤالًا مفتوحًا لا تسمح المعلومات العلنية الحالية بحسمه.



