معركة انتخابية بمليارات الدولارات.. أين تتجه أموال الحملات الأمريكية؟

تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وسط توقعات بارتفاع الإنفاق على الإعلانات السياسية إلى مستويات قياسية، إذ رجحت شركة «آد إمباكت» وصول إجمالي الإنفاق الإعلاني خلال الدورة الانتخابية 2025-2026 إلى نحو 11.6 مليار دولار، مقارنة بـ8.9 مليارات دولار في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، و11.2 مليار دولار خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024، بزيادة تقدر بنحو 30% و4% على التوالي.
وتشير هذه التقديرات إلى الإنفاق المتوقع على مدار الدورة الانتخابية بالكامل، وليست أرقامًا نهائية، حيث بلغ الإنفاق الفعلي المرصود على انتخابات مجلسي الكونغرس وحكام الولايات نحو 7.14 مليارات دولار حتى 25 أكتوبر 2026، وفق تحليل «مشروع ويسليان للإعلام» لبيانات الشركة.
كاليفورنيا وتكساس تتصدران الإنفاق الرقمي
أظهرت بيانات الإنفاق الإعلاني الرقمي التي نشرها موقع «فيجوال كابيتاليست» تصدر ولاية كاليفورنيا القائمة بنحو 123.5 مليون دولار، تلتها تكساس بـ79.4 مليون دولار، ثم أوهايو بـ48.6 مليون دولار، وميشيغان بـ47.9 مليون دولار، وفلوريدا بـ42.5 مليون دولار، بينما سجلت نيويورك نحو 27.2 مليون دولار.
لكن هذه الأرقام لا تمثل إجمالي الإنفاق السياسي في الولايات، إذ تعتمد على بيانات منصتي «ميتا» و«جوجل» خلال فترات زمنية مختلفة. وتغطي بيانات ميتا الفترة من 20 يوليو إلى 17 أكتوبر 2026، بينما تشمل بيانات جوجل الفترة من بداية العام حتى 17 أكتوبر، مع توافر التوزيع الجغرافي لنحو 63% فقط من الإنفاق المعلن على المنصة.
وأوضح إيلي بوحرب، المتخصص في التواصل، أن هذه البيانات تمثل عينة من الإعلانات السياسية وإعلانات القضايا العامة، ولا يمكن اعتبارها قياسًا شاملًا أو موحدًا للإنفاق بين الولايات.
الجمهوريون والديمقراطيون.. خريطة الإنفاق الإعلاني
تكشف الأرقام الرقمية المصنفة حزبيًا عن تقدم الجهات الجمهورية في عدد من الولايات المهمة، حيث بلغ إنفاقها في تكساس 17.34 مليون دولار مقابل 15.78 مليونًا للجهات الديمقراطية.
وفي أوهايو، اتسع الفارق ليصل إلى 15.99 مليون دولار للجمهوريين مقابل 6.25 ملايين للديمقراطيين، بينما سجلت ويسكونسن 6.77 ملايين مقابل 1.25 مليون على التوالي.
أما ميشيغان، فشهدت تقاربًا نسبيًا بين الطرفين، إذ بلغ الإنفاق الديمقراطي 10.24 ملايين دولار مقابل 9.49 ملايين للجمهوريين. وفي كاليفورنيا، وصل الإنفاق الديمقراطي إلى 8.67 ملايين دولار، مقارنة بـ1.97 مليون للجمهوريين.
ورغم هذه الفوارق، فإن نحو 71% من إجمالي العينة الإعلانية لم يتم تصنيفها وفق الانتماء الحزبي، وترتفع النسبة في كاليفورنيا إلى قرابة 91%، بسبب عدم قدرة منهجية التصنيف على تحديد الانتماء السياسي للمعلنين بشكل مؤكد.

وتشمل هذه الفئة شركات وجمعيات وحملات استفتاء ومرشحين محليين، وهو ما يعني أن تصدر ولاية كاليفورنيا للإنفاق الرقمي لا يمثل بالضرورة تفوقًا للديمقراطيين، كما لا تعكس الأرقام المصنفة وحدها ميزان القوة المالية الحقيقي بين الحزبين.
وأشار بوحرب إلى أن الإنفاق الإعلاني في الولايات الكبرى قد يستهدف جمع التبرعات أو التأثير في قضايا معينة أو حشد الناخبين، وليس بالضرورة المنافسة على مقعد انتخابي واحد، مؤكدًا أن إجمالي الإنفاق لا يعكس وحده كثافة الإعلانات لكل ناخب، لاختلاف عدد السكان وأسعار الإعلان وطبيعة السباقات الانتخابية.
انتخابات مجلس الشيوخ تعيد توجيه الأموال إلى الولايات
أظهرت البيانات تغيرًا سريعًا في اتجاهات الإنفاق الإعلاني مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث استحوذ سباق مجلس الشيوخ في أوهايو على نحو 111.3 مليون دولار خلال الفترة من 12 إلى 25 أكتوبر، بمتوسط يقارب 8 ملايين دولار يوميًا.
وسجل الإنفاق في تكساس نحو 89.15 مليون دولار، مقابل 65.93 مليونًا في ميشيغان، فيما بلغت نسبة الإنفاق المؤيد للديمقراطيين 41.3% في أوهايو، و33.2% في تكساس، و48.6% في ميشيغان، بما يعكس تفوقًا نسبيًا للجهات الجمهورية في الولايتين الأوليين وتقاربًا أكبر في الثالثة.
كما ارتفع الإنفاق على سباق ولاية كانساس من 12.45 مليون دولار خلال الأسبوعين السابقين إلى 34.29 مليون دولار، في المقابل تراجع الإنفاق في جورجيا وكارولاينا الشمالية.
وتعكس هذه التحركات إعادة تقييم الحملات الانتخابية لفرص الفوز بالمقاعد، مع توجيه المزيد من الأموال إلى الولايات التي تشهد منافسة محتدمة أو تمتلك فرصًا أكبر لتغيير موازين القوى داخل الكونغرس.
وتكتسب الولايات الصغيرة أهمية خاصة في انتخابات مجلس الشيوخ، إذ تتمتع كل ولاية بمقعدين بغض النظر عن عدد سكانها، بينما يتحدد تمثيل الولايات في مجلس النواب وفقًا لحجم السكان، وهو ما يجعل تكلفة الوصول إلى الناخبين وفرص حسم السباق عاملين أساسيين في توزيع الميزانيات الانتخابية.
التلفزيون يستحوذ على النصيب الأكبر من الإعلانات السياسية
على الرغم من التوسع في الإعلانات الرقمية، يظل التلفزيون التقليدي المستفيد الأكبر من الإنفاق السياسي المتوقع، مع تقديرات بوصول الإنفاق عليه إلى 5.6 مليارات دولار، مقابل 2.7 مليار دولار للإعلانات عبر التلفزيون المتصل بالإنترنت.
ويرتبط تركيز الإنفاق الإعلاني أيضًا بتراجع عدد المقاعد التنافسية نتيجة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، ما يدفع الحملات إلى توجيه ميزانياتها نحو عدد أقل من السباقات الأكثر أهمية.
ولفت بوحرب إلى أن اعتماد الجمهوريين بدرجة أكبر على الجماعات الخارجية في تمويل الإعلانات يجعلهم يتحملون تكلفة أعلى للإعلان التلفزيوني مقارنة ببعض المرشحين الذين يستفيدون من أسعار إعلانية أقل، وهو ما قد يؤدي إلى تضخيم الفارق الظاهر في حجم الإنفاق مقارنة بحجم الظهور الإعلامي الفعلي.
وتتصدر قضايا تكاليف المعيشة والضرائب الموضوعات التي تركز عليها الإعلانات المرتبطة بانتخابات الكونغرس، في ظل سعي الحزبين إلى التأثير في توجهات الناخبين واستقطاب أصواتهم.
وتؤكد هذه المؤشرات أن ارتفاع الإنفاق الإعلاني يعكس اشتداد المنافسة السياسية في الولايات المتحدة، لكنه لا يمثل ضمانًا لتحقيق الفوز، إذ يتوقف التأثير الحقيقي لهذه المليارات على هوية الجهات الممولة، وأسعار الإعلانات، وطبيعة الجمهور المستهدف، ومدى قدرة الحملات على إيصال رسائلها الانتخابية.



