ترامب يشعل أزمات العالم.. هل تنجح الدبلوماسية في استعادة التوازن وسط تداعيات حربي إيران وأوكرانيا؟

يشهد العالم حالة متزايدة من الاضطراب والتشابك بين الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية، في ظل تداعيات الحروب والتدخلات الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يرى تحليل نشرته صحيفة «الغارديان» أن أسلوبه المتقلب وقراراته غير المحسوبة أسهما في تعميق الفوضى الدولية وإضعاف فرص التعاون بين الدول.
وباتت الصراعات الممتدة من إيران واليمن إلى أوكرانيا وغزة، وصولًا إلى الاحتجاجات التي تشهدها مدن أوروبية مثل باريس وميلانو، مترابطة بصورة تجعل التعامل مع كل أزمة بمعزل عن الأخرى أمرًا بالغ الصعوبة. فالتطورات في منطقة واحدة باتت تنعكس سريعًا على مناطق أخرى، بما يهدد الاستقرار العالمي ويزيد من تعقيد جهود التسوية.
وفي ظل غياب قيادة دولية واضحة قادرة على احتواء هذه الأزمات، تتزايد المخاوف من أن يؤدي تأجيل معالجة إحدى المشكلات انتظارًا لحل أخرى إلى حالة من الشلل الدبلوماسي والسياسي.
ترابط الأزمات يحول العالم إلى ساحة واحدة للصراع
لم يعد من الممكن فهم الأزمات الدولية باعتبارها أحداثًا منفصلة، إذ تتداخل التطورات العسكرية والسياسية والاقتصادية عبر مناطق العالم المختلفة، وتؤثر تداعيات كل صراع في مسارات صراعات أخرى.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار إن الترابط بين الدول أصبح يمتد إلى مختلف جوانب النشاط الإنساني مع تطور العولمة، مؤكدًا أن الحروب لم تعد تهدد الدول التي تشهدها وحدها، بل أصبحت تشكل خطرًا على السلام في جميع أنحاء العالم.
وتعكس هذه الرؤية حجم التحدي الذي تواجهه المؤسسات الدولية، خصوصًا مع تصاعد النزاعات وتراجع القدرة على التوصل إلى توافقات متعددة الأطراف، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تحرك جماعي لمعالجة الأزمات قبل اتساع نطاقها.
مبعوث ترامب يعترف بتداعيات غير متوقعة للحرب على إيران
سلط توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى تركيا ومستشاره الأوسع لشؤون الشرق الأوسط، الضوء على الترابط بين الصراعات خلال تصريحات أدلى بها في الدوحة الأسبوع الماضي، معترفًا بأن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير/شباط أطلقت تداعيات لم تكن متوقعة.
وشبّه باراك منطقة الشرق الأوسط بمكعب روبيك، موضحًا أن أي تغيير في أحد أجزائها قد يؤدي إلى تبدلات متتابعة في بقية المشهد، وأن التدخلات العسكرية والسياسية قد تنتج عنها آثار متسلسلة يصعب توقعها أو السيطرة عليها.
وأشار إلى أن التحركات التي بدأت في إطار التعامل مع إيران امتدت تداعياتها إلى حركة حماس وحزب الله وستة فصائل مسلحة إيرانية والحوثيين، وصولًا إلى مناطق في شمال أفريقيا، متسائلًا عن الحدود التي يمكن أن تصل إليها هذه التداعيات، وما إذا كان التدخل الأمريكي قد ساهم في تحسين الأوضاع أم زادها سوءًا.
ورغم استمرار باراك في العمل ضمن إدارة ترامب، فإنه أقر بأن سجل التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط لا يقدم نتائج مشجعة، مشيرًا إلى أن 23 تغييرًا للأنظمة شهدتها منطقة الشرق الأوسط وبلاد الشام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بفعل تدخل أمريكي أو تأثير من واشنطن، دون أن يحقق أي منها النتائج المرجوة.
واعتبر أن التدخلات الرامية إلى تغيير الحكام أو الأنظمة كانت في كثير من الأحيان أخطاء، مستشهدًا بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، دون أن يتطرق بصورة مباشرة إلى إيران.
تحولات دولية عميقة وراء تصاعد الاضطراب
لا يعزو تحليل الغارديان حالة الفوضى العالمية إلى التدخلات العسكرية الأمريكية وحدها، بل يربطها أيضًا بتحولات أوسع في النظام الدولي وتوزيع مراكز القوة.
وفي كتابه الجديد، يوضح خبير العلاقات الدولية الأمريكي تشارلز كوبشان أن العالم يمر بتحولات عميقة في بنية النظام العالمي، مع انتشار القوة بين عدد أكبر من الأطراف وتراجع مركزية السياسة الدولية، بالتزامن مع عودة التنافس بين القوى الكبرى.
كما يشير إلى أن التطور الرقمي يقوض العقد الاجتماعي الذي تأسس خلال العصر الصناعي، ويتسبب في اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة تؤثر في الحياة السياسية داخل الدول وفي علاقاتها الخارجية.
وبحسب هذا الطرح، فإن صعود ترامب لا يمثل ظاهرة منفردة، بل يعكس اتجاهات أوسع داخل النظام الدولي. ومع ذلك، يرى التحليل أن تأثير رئيس أمريكي يتسم بالتقلب والغرور وغياب الاعتبارات الأخلاقية أصبح أكثر اتساعًا وخطورة في عالم شديد الترابط، بحيث يمكن لقراراته أن تضاعف حجم الأضرار الناتجة عن الأزمات القائمة.
حرب إيران.. الخطأ الأكثر تأثيرًا في سياسة ترامب
يعتبر التحليل أن الحرب على إيران تمثل أبرز القرارات وأكثرها تأثيرًا في سياسة ترامب الخارجية، وأن نتائجها تجاوزت الحدود التي بدأت عندها، لتنعكس على الاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية.
ويشير إلى أن أي رئيس أمريكي كان سيضطر إلى التعامل مع الملف الإيراني، الذي يعكس بدوره إخفاق النظام الدولي في احتواء طهران وإيجاد مسار سياسي قادر على دفعها نحو تغيير سلوكها. لكن اختيار أسلوب المواجهة العسكرية بدلًا من معالجة الأزمة دبلوماسيًا يرتبط بقرار ترامب وطريقة تعامله مع الملفات الخارجية.
وفي هذا السياق، انتقد المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد السيد، قرار الحرب، معتبرًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يسعى منذ سنوات إلى دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مع إيران، وأنه وجد أخيرًا رئيسًا أمريكيًا مستعدًا لتنفيذ هذا التوجه.
كما ذكّر وزير الخارجية العماني، الذي لعب دور الوسيط في المحادثات الأمريكية الإيرانية خلال فبراير/شباط، بأن التوصل إلى اتفاق بشأن القضية الأساسية، وهي البرنامج النووي الإيراني، كان قريبًا قبل بدء القصف.
ويعزز ذلك، وفقًا للتحليل، التساؤلات بشأن جدوى اللجوء إلى الحرب في وقت كانت فيه المفاوضات قد أحرزت تقدمًا نحو تسوية سياسية.
مضيق هرمز وأسعار النفط يوسعان فاتورة الحرب
أدت الحرب إلى تداعيات اقتصادية تجاوزت منطقة الشرق الأوسط، إذ أسهمت في دفع التضخم العالمي إلى نحو 4%، بينما تحول مضيق هرمز، الذي ظل مفتوحًا أمام حركة التجارة البحرية لقرون، إلى ورقة ضغط تستخدمها إيران في مواجهة خصومها.
وقبل أقل من أسبوعين على انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ارتفع سعر خام برنت إلى 117 دولارًا للبرميل، بزيادة بلغت 50% مقارنة بمستوياته قبل الحرب.
وتعكس هذه الزيادة حجم تأثير التوترات العسكرية على أسواق الطاقة، خصوصًا أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق يهدد إمدادات النفط العالمية ويزيد تكاليف النقل والإنتاج، بما ينعكس على الأسعار ومستويات المعيشة في مختلف الدول.
السعودية تواجه تراجعًا اقتصاديًا وعجزًا متزايدًا
لم تكن السعودية، باعتبارها أحد أكبر الاقتصادات في الشرق الأوسط، بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصادها بنسبة 3.3%، بعدما كان يتوقع في يوليو/تموز الماضي تحقيق نمو يبلغ 1.7%.
ويمثل ذلك تراجعًا في التوقعات بنحو خمس نقاط مئوية، في تحول يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد السعودي منذ اندلاع الحرب.
ويرى تحليل نشره موقع «هاوس أوف سعود» أن خطة رؤية السعودية 2030 بُنيت جزئيًا على افتراض استقرار أسعار النفط، واستمرار انفتاح الممرات البحرية والمطارات، وتوفير الولايات المتحدة مظلة أمنية تحمي المملكة وبنيتها التحتية التصديرية من التهديدات العسكرية.
لكن هذه الافتراضات تعرضت للاهتزاز منذ فبراير/شباط، وفقًا للتحليل، مع تصاعد المخاطر الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
وفي 30 سبتمبر/أيلول، اضطرت الحكومة السعودية إلى رفع تقديرات عجز موازنة عام 2026 إلى 65.3 مليار دولار، بزيادة بلغت 48% مقارنة بالتقدير الأصلي.
الحرب لم تؤدِ إلى إضعاف التيار المتشدد داخل إيران
على المستوى الداخلي الإيراني، لم تحقق الحرب، بحسب التحليل، هدف الوصول إلى وضع سياسي أكثر استقرارًا، بل أسهمت في تعزيز نفوذ التيارات المتشددة المحيطة بالمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي.
فقد قُتل علي لاريجاني، الذي يصفه التحليل بأنه أحد أكثر الشخصيات الإيرانية امتلاكًا للخبرة الاستراتيجية، في اليوم الأول للحرب، بينما أصبح المتشددون المحيطون بالمرشد الجديد أكثر رسوخًا في مواقعهم.
كما بدأ النقاش الداخلي في إيران يميل، وفقًا للتحليل، إلى إعادة النظر في الفتوى التي تحظر امتلاك الأسلحة النووية، وهو ما يثير مخاوف من أن تؤدي الحرب إلى نتائج معاكسة للأهداف التي أعلنتها واشنطن وتل أبيب.
وبعد تعرض إيران لهجومين خلال فترات التفاوض، أعاد الحرس الثوري الإيراني صياغة عقيدته الدفاعية بما يسمح بتنفيذ ضربات استباقية لا تقتصر على القواعد الأمريكية، بل قد تمتد إلى مناطق مختلفة حول العالم.
وفي هذا الإطار، أقر رئيس أركان الدفاع البريطاني السابق توني راداكين بأن الأطراف التي تتعرض لهجمات من مسافات بعيدة باتت قادرة على إلحاق الأذى بخصومها بتكاليف محدودة نسبيًا.
اختلاف الأهداف الأمريكية والإسرائيلية عمّق الفوضى
كشف مسار الحرب عن تباين في الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ ركزت واشنطن على منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى توسيع نطاق المواجهة وصولًا إلى إسقاط النظام الإيراني.
ووفقًا للتحليل، أراد نتنياهو توجيه الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد والأجهزة الأمنية للعمل على تغيير النظام في طهران، بينما لم يكن الهدف الأمريكي المعلن بالدرجة نفسها.
وأدى هذا التباين، إلى جانب غياب رؤية واضحة لما بعد الحرب، إلى زيادة الارتباك بشأن الغايات النهائية للعملية العسكرية والنتائج التي يمكن تحقيقها.
تداعيات الحرب تهدد شعبية ترامب والانتخابات النصفية
انعكست نتائج الحرب على شعبية ترامب داخل الولايات المتحدة، إذ تراجعت مستويات تأييده مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الانتقادات الموجهة إلى إدارته بسبب طريقة إدارة الصراع.
ويستشهد التحليل بمقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين أتشيسون، الذي رأى أن الجزء الأكبر من مهمة السياسة الخارجية يتمثل في الحفاظ على القدرة الداخلية للدولة على تنفيذ سياسة مستقرة.
كما أشار هنري كيسنجر إلى أن الاختبار الحقيقي لأي سياسة هو قدرتها على الحصول على دعم داخلي، وهو ما يرى التحليل أن إدارة ترامب أخفقت في تحقيقه بشأن الحرب على إيران.
ومع تراجع شعبيته، أصبح ترامب، بحسب المقال، أكثر ميلًا إلى البحث عن حلول سبق أن فشلت، وأكثر عرضة لاتخاذ قرارات متقلبة في محاولة للخروج من المأزق.
ووصف خبير استطلاعات الرأي الجمهوري كارل روف أداء ترامب بأنه أقرب إلى مشجع يصرخ خلال مباراة في رياضة قتالية، بدلًا من قائد مطمئن يدير البلاد في زمن الحرب، محذرًا من أن الرسائل غير المنضبطة الصادرة عن البيت الأبيض بشأن الحرب والاقتصاد تزيد المخاطر التي تواجه مرشحي الحزب الجمهوري.
ترامب يحاول تحميل أوكرانيا مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة
مع تراجع أرقام استطلاعات الرأي ورفض إيران الخضوع للمطالب الأمريكية، اتجه ترامب إلى تحويل الانتباه عن تداعيات الحرب الإيرانية نحو جبهة أخرى، هي الحرب الروسية الأوكرانية.
وأعاد الرئيس الأمريكي تصعيد انتقاداته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مطالبًا إياه بالتنحي، وواصفًا إياه بأنه العقبة الحقيقية أمام السلام، بالتزامن مع طرح فكرة فتح مرحلة جديدة من التعاون التجاري بين الولايات المتحدة وروسيا.
وجاء ذلك في إطار محاولة ربط ارتفاع أسعار الطاقة بالهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، بدلًا من التركيز على تأثير الحرب مع إيران واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.
لكن التحليل يرى أن محاولات البيت الأبيض لم تقدم حلولًا مقنعة، بل كشفت عن ارتباك في إدارة الملفين.
فقد أعلن ترامب في البداية عن هدنة للطاقة لمدة 60 يومًا، رغم عدم موافقة زيلينسكي أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عليها، قبل أن يتضح أن الاتفاق المتعلق بالإفراج عن شحنات الديزل الروسي محدود للغاية، ولا يتوقع أن يترك تأثيرًا ملموسًا على أسعار الوقود في الولايات المتحدة.
ارتباك أمريكي بشأن تقييد استخدام أوكرانيا لخدمة ستارلينك
أثارت القيود التي فُرضت على وصول القوات الأوكرانية إلى النسخة العسكرية من نظام ستارلينك، المملوك للملياردير إيلون ماسك، مزيدًا من الجدل بشأن دور الشركات الخاصة في إدارة النزاعات العسكرية.
فقد قدمت الإدارة الأمريكية روايات متضاربة بشأن القواعد التي تحكم استخدام النظام وما حدث بالفعل، حتى بعد الإعلان عن التراجع عن القرار.
وألقى بعض الأطراف بالمسؤولية على ماسك، معتبرين أنه تصرف بصورة مستقلة، بما يعني أن شركة خاصة قد تحدد طبيعة الدعم المقدم إلى دولة حليفة للولايات المتحدة.
في المقابل، أكد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أن العقود كانت تقتضي حصول ماسك على موافقة البيت الأبيض أو المؤسسة العسكرية قبل اتخاذ مثل هذه الخطوة.
أما ماسك، فقال إن القوات الأوكرانية انتهكت شروط التعاقد باستخدام ستارلينك في تنفيذ هجمات ضد إيران.
وأثارت هذه الواقعة مخاوف أوروبية بشأن الاعتماد على أنظمة تكنولوجية أمريكية يمكن أن يتأثر تشغيلها بقرارات شركات خاصة أو بتوجهات سياسية داخل واشنطن.
ووصف الكاتب الأوكراني إيليا بونومارينكو المرحلة الراهنة بأنها شديدة السوء والعبثية، رغم إقراره بأن التاريخ شهد فترات أكثر قتامة ودمارًا.
روسيا تستغل الخلافات الأمريكية الأوروبية وتطرح قمة ثلاثية
أدى تداخل الحربين الإيرانية والأوكرانية في السياسة الأمريكية إلى منح موسكو فرصة للتحرك والاستفادة من الضغوط التي يواجهها ترامب.
وفي هذا السياق، طرحت روسيا فكرة عقد قمة ثلاثية تجمع الولايات المتحدة والصين وروسيا، على هامش اجتماع مقرر في مدينة شنتشن الصينية يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني.
ولتعزيز فرص نجاح المبادرة، أرسل بوتين وزير خارجيته المخضرم سيرجي لافروف إلى طهران في 19 أكتوبر/تشرين الأول، في أول زيارة له إلى إيران منذ اندلاع الحرب، بهدف بحث إمكانية إنهاء الصراع وفق شروط يمكن أن يقبلها ترامب.
ويرى محلل الشؤون الروسية أمير تشاهاكي أن موسكو تسعى إلى استغلال حاجة ترامب للخروج من أزمتي إيران وأوكرانيا، بحيث تتمكن من انتزاع تنازلات أمريكية بشأن الحرب الأوكرانية مقابل المساعدة في دفع طهران نحو الاقتراب من المطالب الأمريكية.
وبذلك، تحاول روسيا إدارة الملفين بصورة مترابطة، بما يتيح لها تحقيق مكاسب في أوكرانيا من خلال دورها في الأزمة الإيرانية.
ترامب يعيد بوتين إلى الساحة الدولية
ضمن خطوات التقارب مع موسكو، اتخذ ترامب إجراءات من شأنها تخفيف عزلة بوتين الدولية، متجاوزًا اعتراضات بعض أعضاء حزبه، بعدما وجه إليه دعوة لحضور قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها خلال الشتاء في الولايات المتحدة، داخل أحد ملاعب الجولف التابعة لترامب بالقرب من مدينة ميامي.
ويثير هذا التوجه تساؤلات بشأن أسباب ثقة الرئيس الأمريكي في نوايا بوتين، خصوصًا في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي هذا السياق، يرى ديفيد فروم، كاتب الخطابات السابق للرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، أن تعامل ترامب مع بوتين قد يرتبط بتغير في طريقة إدراكه للأحداث، مشيرًا إلى أنه كان أكثر وعيًا بطبيعة الخداع السياسي عندما دخل عالم السياسة قبل نحو عقد، بينما أصبح الآن أكثر ميلًا إلى التعامل مع عالم من التصورات التي قد لا يميز فيها دائمًا بين الحقيقة والزيف.
الدول تبدأ إعادة تقييم علاقتها بالولايات المتحدة
من أبرز النتائج التي يسلط عليها التحليل الضوء تزايد إدراك الدول لمخاطر الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، في ظل ما تعتبره تهميشًا لمصالح حلفائها وإمكانية تعرضهم للضغوط أو التخلي عنهم عند تغير الحسابات الأمريكية.
وقالت وزيرة الخارجية الكندية السابقة كريستيا فريلاند إن بعض القادة اعتقدوا لفترة طويلة أنهم قادرون على كسب ترامب من خلال إغراقه بالهدايا والمجاملات وتقديم المكافآت الرمزية، لكن هذه الاستراتيجية لم تضمن حماية مصالحهم.
وأشار التحليل إلى أن السعودية قدمت هدايا لترامب، لكنها وجدت نفسها في مواجهة هجمات الحوثيين دون حماية كافية، في وقت يؤكد فيه دبلوماسيون كبار في الأمم المتحدة أن تحركات الجماعة ترتبط بجدول زمني يخدم المصالح الإيرانية.
كما أدى موقف ترامب من أوكرانيا إلى إثارة قلق واسع داخل أوروبا، حيث ترى دول القارة في روسيا تهديدًا وجوديًا لأمنها، بينما يتعامل الرئيس الأمريكي مع العلاقة مع موسكو باعتبارها فرصة للتعاون التجاري.
وتخشى الحكومات الأوروبية أن يؤدي الخطاب الأمريكي المؤيد لروسيا إلى إضعاف القوى السياسية المعتدلة داخل القارة، من خلال تعزيز خطاب الشعبويين الذين يركزون على التكلفة الاقتصادية لدعم أوكرانيا، وتأثيرها في مستويات المعيشة.
أوروبا تتجه إلى مواجهة الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية
لم تقتصر المخاوف الأوروبية على الجانب العسكري والسياسي، بل امتدت إلى التكنولوجيا والاتصالات والأمن الرقمي، خصوصًا بعد الجدل الذي أثارته قرارات ماسك المتعلقة بخدمة ستارلينك في أوكرانيا.
وباتت دول أوروبية أكثر اقتناعًا بضرورة تسريع النقاش حول السيادة الرقمية، وتقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأمريكية في القطاعات الحيوية.
وفي هذا السياق، توقعت فريلاند أن تعيد الدول التفكير مليًا قبل شراء مزيد من مقاتلات إف-35 التي تخضع أنظمتها لسيطرة وزارة الدفاع الأمريكية، متسائلة عن جدوى امتلاك طائرات يمكن أن تتحكم واشنطن في تشغيلها.
وكانت المفوضية الأوروبية قد اقترحت في مايو/أيار تخصيص 70% من نطاق الترددات البالغ 2 جيجاهرتز، الذي يتيح للهواتف الذكية الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية، للشركات الأوروبية، بما يحد من فرص وصول شركات مثل ستارلينك إلى هذه المساحة.
وأبدت شركات اتصالات كبرى، من بينها دويتشه تيليكوم وأورانج وفودافون وتليفونيكا، اهتمامًا بالمشاركة في هذا التوجه، الأمر الذي أثار اعتراضات دبلوماسية أمريكية.
كما وجه وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي انتقادات حادة إلى ماسك، معتبرًا أن تدخله في الشؤون الأوروبية قد يؤدي إلى فقدانه الامتيازات التنظيمية والترددات التي يحتاج إليها نشاطه في القارة.
دول الخليج تبحث عن ترتيبات أمنية بعيدًا عن واشنطن
في الشرق الأوسط، بدأت بعض القوى الإقليمية أيضًا إعادة النظر في اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة مع تصاعد المخاوف من أن تظل أولويات إسرائيل متقدمة على مصالح دول المنطقة في حسابات واشنطن.
وبرز هذا التوجه في دعوة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى إنشاء اتفاق أمني خليجي يشمل إيران، وهي مبادرة قد تمثل تحولًا مهمًا في طبيعة الترتيبات الأمنية بالمنطقة، إذا تحولت إلى مسار عملي.
ورغم أن إيران تحظى بقدر كبير من الشكوك لدى دول الخليج، فإن المقترح العماني يعكس محاولة لإيجاد إطار إقليمي يحد من الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأساسي لأمن المنطقة.
ويصف التحليل هذه الدعوة بأنها خطوة قد تحمل دلالات استراتيجية كبيرة، لأنها تفتح الباب أمام تصور أمني جديد لا تكون واشنطن الطرف المركزي الوحيد فيه.
ويؤكد فريق البوسعيدي أن الحروب قد تقع أحيانًا بصورة مفاجئة، لكن تحقيق السلام يحتاج دائمًا إلى جهود مقصودة وعمل دبلوماسي مستمر.
الدبلوماسية الجماعية أمام اختبار استعادة الاستقرار
يخلص التحليل إلى أن تراجع الثقة في قدرة المؤسسات الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية على حل النزاعات جعل التحرك الدبلوماسي الجماعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فالأزمات المتشابكة، من إيران وأوكرانيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا، أظهرت أن القرارات العسكرية والتدخلات المنفردة قد تنتج عنها تداعيات تتجاوز الأهداف المعلنة، وتفرض تكاليف اقتصادية وأمنية على دول لم تشارك في الصراع من الأساس.
كما أن تزايد توجه الدول نحو بناء ترتيبات أمنية وتكنولوجية مستقلة يعكس رغبة في تقليل مخاطر الاعتماد على طرف واحد، خصوصًا عندما تصبح سياساته غير مستقرة أو تتعارض مع مصالح حلفائه.
وبعد سنوات من الحروب والدمار، يضع هذا مسؤولية استعادة التوازن على عاتق الدول التي لا تزال تؤمن بفاعلية العمل المشترك والدبلوماسية، في مواجهة السياسات التي تسهم في هدم الاستقرار بدلًا من بناء حلول دائمة للأزمات.



