تقارير

من “الشراكة الأمنية” إلى “الضغط المالي”.. هل تنجح واشنطن في تحجيم نفوذ طهران في العراق؟

كتبت: هدير البحيري

تتحرك الولايات المتحدة بخطوات متسارعة لإعادة ضبط علاقتها مع العراق، لكن هذه المرة عبر مزيج من الضغط الأمني والمالي، في محاولة واضحة لإجبار بغداد على كبح نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها حسابات الحرب والنفوذ.

لا يبدو التصعيد الأمريكي معزولًا، بل يأتي ضمن سياق أوسع فرضته تطورات “حرب إيران”، حيث تجد بغداد نفسها مجددًا في موقع الدولة العالقة بين حليفين متناقضين. غير أن اللافت هذه المرة هو طبيعة الأدوات المستخدمة؛ من تعليق التعاون الأمني، إلى تجميد المساعدات، وصولًا إلى تعطيل وصول عائدات نفطية بمئات الملايين من الدولارات.

أدوات ضغط متعددة.. رسالة واحدة

تعكس الخطوات الأمريكية الأخيرة تحولًا من الاعتماد على الشراكة الأمنية التقليدية إلى استخدام أدوات ضغط أكثر تنوعًا وصرامة. فتعليق برامج التدريب والدعم اللوجستي، التي كانت تشكل ركيزة في بناء قدرات الجيش العراقي، لا يهدف فقط إلى الرد على الهجمات التي استهدفت المصالح الأمريكية، بل يحمل رسالة سياسية مباشرة: لا يمكن استمرار التعاون دون ضبط سلوك الفصائل المسلحة.

لكن الأداة الأكثر حساسية تبقى مالية بامتياز. إذ إن تعطيل تسليم نحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي، إلى جانب تقييد شحنات الدولار، يكشف أن واشنطن مستعدة لاستخدام نفوذها داخل النظام المالي العالمي كورقة ضغط فعالة.

وهذا النوع من الضغط لا يطال الحكومة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

بغداد بين معادلة صعبة

في المقابل، تحاول الحكومة العراقية المناورة داخل هامش ضيق. فهي من جهة تدرك أهمية الشراكة مع واشنطن، خصوصًا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب، ومن جهة أخرى لا تستطيع تجاهل ثقل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل المشهد السياسي والأمني.

هذا التوازن الهش يصبح أكثر تعقيدًا مع تصاعد الهجمات التي تبنتها فصائل موالية لطهران، والتي وضعت بغداد في موقف حرج أمام واشنطن، خاصة مع تزايد التحذيرات الأمريكية واستدعاء المسؤولين العراقيين على خلفية هذه التطورات.

التوقيت السياسي.. ضغط على تشكيل الحكومة

ولا ينفصل التصعيد الأمريكي عن السياق السياسي الداخلي في العراق. فربط استئناف الدعم بتشكيل حكومة جديدة يشي بمحاولة تأثير غير مباشر على موازين القوى السياسية.

كما أن الموقف الأمريكي من شخصيات بعينها، مثل نوري المالكي، يعكس استمرار الرهان على تشكيل سلطة تنفيذية أقل قربًا من طهران.

في المقابل، ترفض قوى عراقية هذا النوع من الضغوط، وتعتبره تدخلًا في الشأن الداخلي، ما يعمق الانقسام السياسي ويجعل عملية تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا.

الأمن مقابل السيادة.. معادلة واشنطن

ويركز الخطاب الأمريكي على ضرورة تفكيك الميليشيات وحماية المصالح الأمريكية، لكنه في جوهره يعيد طرح سؤال قديم: إلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية فرض سيادتها على كامل أراضيها؟

واشنطن ترى أن استمرار الهجمات مؤشر على ضعف سيطرة الدولة، بينما ترى أطراف داخل العراق أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم ضمن توازنات داخلية، لا عبر ضغوط خارجية قد تأتي بنتائج عكسية.

محاولة “إعادة ضبط” العلاقات

في خضم هذه التوترات، يطرح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني رؤية مختلفة تقوم على تحويل العلاقة مع الولايات المتحدة إلى شراكة استراتيجية أكثر توازنًا.

رؤية ترتكز على ثلاثة مسارات: اقتصادي يعزز الاستثمارات، ومؤسسي يطور قطاع الأمن بعيداً عن إدارة الأزمات، واستراتيجي يعيد هيكلة التعاون الاستخباراتي.

هذه المقاربة تعكس إدراكًا عراقيًا بأن العلاقة مع واشنطن لا يمكن أن تستمر بالشكل التقليدي، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بواقع إقليمي معقد، حيث تتداخل المصالح وتتصاعد الضغوط.

وهي مقاربة يراها مراقبون طموحة، لكنها تصطدم بجدار من التعقيدات الميدانية التي تجعل التنبؤ بمستقبل هذه الشراكة أمرًا بالغ الصعوبة.

دولة المؤسسات” المفقودة.. هل يملك العراق مفاتيح الحل؟

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي العراقي حسين الأسعد، في حديث خاص لـ “داي نيوز”، أن الدولة العراقية لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة المؤسسية الفعلية على تفكيك الفصائل المسلحة؛ معللًا ذلك بأن الحالة السياسية العراقية تمثل خليطًا غير متجانس من الاتجاهات، حيث يوجد صوت سياسي فاعل ومساند لهذه الفصائل ومؤثر بقوة داخل القرار المؤسساتي.

ويشير الأسعد إلى أن العراق لم يصل بعد إلى مرحلة “دولة المؤسسات” الحقيقية؛ فبالرغم من ممارسة العملية الديمقراطية والذهاب لصناديق الاقتراع، إلا أن القرارات تظل محكومة بالمزاجية والمصالح الخاصة والارتباطات الإقليمية لكل طرف، مما يجعل من وجود هذه الفصائل ركيزة أساسية لبعض القوى السياسية لتمرير ضغوطها داخل المشهد الأمني والسياسي.

أما فيما يتعلق بأدوات الضغط الاقتصادي، فيؤكد الأسعد أن استخدام واشنطن لورقة النفط والدولار يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في السياسة الأمريكية تجاه العراق، خاصة في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر وما تبعها من ضعف نسبي في النفوذ الإيراني السياسي.

ويرى الأسعد أن لجوء الجانب الأمريكي لتهديد الاقتصاد العراقي – وهو اقتصاد ريعي يعتمد بنسبة 90% على واردات النفط – سيعيد بالضرورة ترتيب الأوراق السياسية، كون الصوت الأمريكي بات الأعلى ضغطًا في المنطقة ضمن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

ويقارن الأسعد بين هذا الضغط المالي وبين النفوذ الإيراني الذي لطالما اعتمد على الروابط العقائدية والكتلة البشرية المشتركة، معتبرًا أن الاستراتيجية الأمريكية تغيرت جذرياً بهدف تقويض هذا النفوذ عبر البوابة الاقتصادية.

وفي قراءته للنوايا الأمريكية، يطرح الأسعد فرضية “العدو الوظيفي”، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة قد لا تهدف بالضرورة إلى إنهاء الخصم تمامًا، بل قد تفسح المجال لجهات متشددة للاستحواذ على القرار السياسي لاستخدامها كعامل ضغط على دول المنطقة والخليج.

ويحذر الأسعد من أن العراق بدأ يسير خلف “النموذج اللبناني”، حيث تجد الحكومة نفسها عاجزة أمام الضغوط السياسية التي قد تجبرها على اتخاذ قرارات بعيدة عن تطلعاتها، وهو ما سيؤدي في كلتا الحالتين – سواء كان الهدف خلق عدو وظيفي أو إضعاف الفصائل – إلى حالة من التخبط السياسي والضعف الاقتصادي المستمر.

ويختم الأسعد حديثه بالتأكيد على استحالة بقاء العراق في “المنطقة الرمادية” خلال هذه المرحلة الحرجة؛ إذ إن محاولة التوازن بين قطبي الصراع (واشنطن وطهران) قد تنتهي بخسارة الطرفين معًا.

ويؤكد الأسعد أن العراق لا يستطيع الانسلاخ عن واقعه الجغرافي وامتداداته الاقتصادية والعقائدية مع إيران، وفي الوقت ذاته لا يمكنه الاستغناء عن الدور الأمريكي، خاصة في ما يتعلق بالسيطرة على الأجواء والملفات الأمنية الحساسة.

ويشير الأسعد إلى أن استمرار خطر “الذئاب المنفردة” المرتبطة بتنظيم داعش يعزز من حاجة العراق إلى هذا التوازن، لكنه توازن بالغ الهشاشة، لافتًا إلى أن غياب رؤية واضحة في إدارة العلاقة مع الطرفين يجعل البوصلة السياسية العراقية مضطربة، ومحكومة إلى حد كبير بنتائج الصراع الأمريكي–الإيراني.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى