تقارير

أزمة ترامب وإيران تفتح الباب أمام الصين.. هل تنجح بكين في توسيع نفوذها بالشرق الأوسط؟

تمنح الأزمة المتصاعدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران الصين فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تكثف فيه بكين اتصالاتها مع قادة ومسؤولي دول الخليج وطهران، بالتزامن مع تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب واستمرار الاضطرابات التي تؤثر في إمدادات الطاقة وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتأتي التحركات الصينية قبل اللقاء المرتقب بين الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ «أبيك»، المقرر عقدها في مدينة شنتشن يومي 18 و19 نوفمبر الجاري.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية في 3 نوفمبر 2026، تسعى بكين إلى توظيف الدبلوماسية لتوسيع حضورها الإقليمي، مستفيدة من حاجة واشنطن إلى التوصل لاتفاق مع طهران، بما يتيح للصين تقديم نفسها طرفًا قادرًا على المساهمة في تسوية الأزمة.

تحركات دبلوماسية صينية قبل لقاء ترامب وشي

في إطار هذا التوجه، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينج، الاثنين، السلطان هيثم بن طارق، في أول زيارة يقوم بها رئيس دولة عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل نحو 50 عامًا.

وفي تحرك موازٍ، أجرى وزير الخارجية الصيني وانج يي مباحثات مع مستشار الأمن الوطني السعودي مساعد بن محمد العيبان، كما التقى علي باقري كني، نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، في مؤشر على اهتمام بكين بتوسيع اتصالاتها مع الأطراف الرئيسية المعنية بالتطورات الإقليمية.

وخلال لقاء السلطان هيثم، حذر شي جين بينج من تحول الشرق الأوسط إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية والتنافس بين القوى الكبرى، مؤكدًا استعداد بلاده للمساهمة في إيجاد حلول للأزمة الأمنية التي تشهدها المنطقة.

كما أكد وانج يي للمسؤول الإيراني دعم الصين لطهران في «حماية سيادتها وأمنها»، فيما أعرب باقري كني عن تطلع إيران إلى دور صيني أكثر تأثيرًا في دعم السلام على المستويين الدولي والإقليمي.

وتعكس هذه اللقاءات رغبة بكين في تعزيز علاقاتها مع مختلف الأطراف، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة في ظل استمرار الحرب وتداعياتها.

النفط ورقة ضغط اقتصادية في يد بكين

يرى شين دينجلي، الباحث في العلاقات الدولية المقيم بمدينة شنغهاي، أن طبيعة النفوذ الصيني في الشرق الأوسط شهدت تغيرات خلال السنوات الأخيرة، لكنه شدد على أنه لا يمكن تجاهل تأثير بكين، خصوصًا مع اتساع نطاق تجارتها واستثماراتها في المنطقة.

وسبق للصين أن ساهمت في دفع إيران نحو محادثات وقف إطلاق النار في باكستان، عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي وقعت في فبراير، وهو ما عزز صورتها باعتبارها طرفًا قادرًا على لعب دور الوسيط، رغم محدودية تحركاتها الدبلوماسية في المراحل اللاحقة.

وتستند الصين كذلك إلى ثقلها الاقتصادي، إذ تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني. غير أن وارداتها من النفط الإيراني تراجعت بنسبة 30% خلال الفترة من أبريل إلى يونيو، لتصل في يونيو إلى أدنى مستوياتها خلال عشر سنوات.

ووفقًا لتقديرات نقلتها الصحيفة البريطانية، ساهم انخفاض المشتريات الصينية من النفط الإيراني في تراجع سعر خام برنت بنحو 30 دولارًا للبرميل أو أكثر، كما خفف من احتمالات حدوث موجة تضخمية عالمية واسعة كانت تهدد الاقتصادات في ظل استمرار الحرب.

وتكشف هذه الأرقام عن قدرة الصين على التأثير في سوق الطاقة، لكنها توضح أيضًا أن مصالحها الاقتصادية مرتبطة بدرجة كبيرة باستقرار المنطقة واستمرار تدفق الإمدادات النفطية.

مكاسب سياسية تقابلها مخاطر اقتصادية

رغم أن استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران قد يضعف صورة الولايات المتحدة ونفوذها الإقليمي، فإن الصين ليست بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ يمكن أن تتعرض مصالحها الاقتصادية لضغوط متزايدة إذا طال أمد الصراع.

ولهذا، تجمع بكين بين توسيع علاقاتها مع الدول الخليجية ومحاولة احتواء مصادر التوتر، دون أن تحقق جهودها حتى الآن اختراقًا دبلوماسيًا حاسمًا ينهي الحرب أو يضمن عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز.

وفي الوقت نفسه، لا تتعامل الصين مع تسوية الحرب باعتبارها مسؤولية تقع على عاتقها، وهو ما يفسر محدودية انخراطها في جهود الوساطة. وكان وانج يي قد وصف الحرب في مارس بأنها مواجهة لم يكن ينبغي أن تحدث، مع الإشارة إلى عدم تأييد بلاده للضربات العسكرية.

وعلى الجانب الآخر، استفادت بكين من تراجع صورة واشنطن لدى الرأي العام الدولي؛ إذ أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث في يوليو أن صورة الصين كانت أكثر إيجابية من صورة الولايات المتحدة في أغلبية الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع.

مضيق هرمز يضع المصالح الصينية أمام اختبار صعب

يمثل استمرار الاضطراب في مضيق هرمز تهديدًا مباشرًا للمصالح الصينية، نظرًا لاعتماد اقتصادها على تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. فنقص الإمدادات النفطية والغازية قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، ويؤثر سلبًا في الطلب على الصادرات الصينية.

وفي ظل هذه المخاطر، تتواصل المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن اتفاق محتمل قد يتضمن إعادة فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة، إلا أن تهديدات ترامب باستئناف العمليات العسكرية بعد انتخابات التجديد النصفي تثير مخاوف بكين من اتساع نطاق المواجهة.

وتزداد أهمية التوصل إلى تسوية بالنسبة للصين، ليس فقط لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وإنما أيضًا لتجنب انعكاسات الحرب على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار النفط والغاز.

وساطة 2023 تمنح بكين فرصة لتعزيز حضورها

قد تشكل الأزمة الحالية فرصة للرئيس شي جين بينج لتعزيز مكانة بلاده قبل لقائه المرتقب مع ترامب، مستفيدًا من التجربة الصينية السابقة في الوساطة بين السعودية وإيران، والتي أسفرت عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2023.

ويرى شين دينجلي أن تطوير علاقات الصين مع دول الشرق الأوسط وتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة ليسا مسارين متعارضين، بل يمكن أن يدعم كل منهما الآخر ويعزز موقع بكين على الساحة الدولية.

وفي سياق تحركاتها الدبلوماسية، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينج إرسال المبعوث الصيني تشاي جون إلى إيران وسلطنة عُمان والسعودية، خلال الفترة الممتدة من أوائل نوفمبر وحتى منتصفه، بهدف دعم التواصل مع الأطراف المعنية.

وتشير هذه التحركات إلى أن الصين تحاول استثمار الأزمة لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط، لكنها تواجه معادلة معقدة؛ فكلما اتسع نفوذها الدبلوماسي، ازدادت أهمية حماية مصالحها الاقتصادية من تداعيات استمرار الحرب واضطراب إمدادات الطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى