فوز الديمقراطيين في الكونغرس.. كيف تستثمر إيران هزيمة ترامب سياسيًا وسط الحرب؟

كتبت: إسراء جبريل
لم تقف تداعيات خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي عند موقع الرئيس دونالد ترامب داخل واشنطن، بل بلغت حسابات الحرب مع إيران، التي برزت كلفتها العسكرية والاقتصادية بين القضايا المؤثرة في المزاج الانتخابي الأمريكي.
ومع استعداد الديمقراطيين لتولي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، تسعى طهران إلى توظيف النتيجة سياسيًا، فتقدمها مؤشرًا على تراجع التأييد الداخلي للمواجهة العسكرية، وفرصة لإعادة صياغة شروط التفاوض مع الولايات المتحدة.
وأظهرت نتائج انتخابات 3 نوفمبر 2026 تقدم الديمقراطيين واستعادتهم السيطرة على مجلسي الكونغرس، في انتكاسة كبيرة للحزب الجمهوري قبل عامين من نهاية ولاية ترامب.
وربطت رويترز النتيجة بعوامل عدة، أبرزها الاستياء من الحرب على إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتأثير الرسوم الجمركية، والغضب من أداء الإدارة. وأقر ترامب بأن الحرب أسهمت في خسائر حزبه، لكنه تمسك بقراراته وهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد التشريعات التي يرفضها.
وتكمن أهمية النتيجة بالنسبة إلى طهران في احتمال أن تتحول الحرب من أداة ضغط أمريكية عليها إلى عبء سياسي يقيّد خيارات الإدارة الأمريكية نفسها. ويظل تحقق ذلك مرهونًا بثلاثة عوامل: قدرة الديمقراطيين على استخدام صلاحيات الكونغرس، واستعداد البيت الأبيض لتعديل استراتيجيته العسكرية، وطبيعة الحسابات الإيرانية في المرحلة المقبلة.
الإعلام الإيراني يربط الهزيمة الانتخابية بالحرب
احتلت الحرب مكانة بارزة في التغطية الفارسية للانتخابات الأمريكية، خصوصًا في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية. فقد عنونت وكالة «تسنيم» المقربة من الحرس الثوري تقريرها: «انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي؛ هزيمة ثقيلة لحزب ترامب في المجلسين»، بينما جاء عنوان «برس توداي» أكثر مباشرة: «هزيمة ثقيلة لترامب ومؤيديه؛ الديمقراطيون يسيطرون على الكونغرس».
ويعكس العنوانان رسالة تحريرية متقاربة: النتيجة إخفاق سياسي لترامب يمكن ربطه بتداعيات الحرب، وليست مجرد تغير في التوازن الحزبي.
وركزت التغطية الإيرانية على أن الرئيس يواجه كونغرسًا معارضًا قادرًا على إخضاع إدارته لمزيد من الرقابة والتحقيقات. وقد ربطت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» في تغطيتها للانتخابات الأمريكية خسائر الجمهوريين بالتضخم والرسوم التجارية والحرب، إضافة إلى مخاوف الناخبين من أداء الإدارة. وبذلك وضعت المنصة الحرب ضمن رواية أوسع عن تراجع شعبية ترامب وتزايد الاستياء من سياساته، ولم تكتفِ بإبراز مكاسب الديمقراطيين.
قاليباف: الأمريكيون قالوا «لا» للحرب
انتقل توظيف النتائج من الإعلام إلى الخطاب الرسمي؛ فقد علّق رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف على الانتخابات، معتبرًا أن الأمريكيين قالوا «لا» للحرب، بدافع الضمير أو بسبب أعباء المعيشة، وأكد أن طهران تؤيد هذه الرسالة. وبحسب ما نقلته «تسنيم»، حذّر قاليباف واشنطن من تجاهل إرادة الناخبين، رابطًا بين استمرار الحرب واحتمال تعرض الإدارة الأمريكية لتداعيات أشد.

وتبدو الرسالة محاولة لنقل النقاش من قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب إلى شرعيتها السياسية الداخلية وكلفتها على الحزب الحاكم. فإذا كانت الحرب قد أسهمت في خسارة الجمهوريين مقاعد في الكونغرس، فبوسع طهران القول إن استمرار العمليات العسكرية لا يضغط عليها وحدها، بل يهدد أيضًا الاستقرار السياسي للإدارة الأمريكية.
لكن تصريح قاليباف لا يعني أن الأمريكيين تبنوا موقفًا مؤيدًا لإيران، ولا أن الناخبين صوتوا للديمقراطيين دعمًا للجمهورية الإسلامية. فالاعتراض على الحرب أو على كلفتها لا يساوي تأييد السياسات الإيرانية، كما تبقى المواقف الأمريكية من البرنامج النووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي موضع خلاف سياسي مستقل عن نتائج الانتخابات.
ماذا يستطيع الكونغرس الديمقراطي أن يفعل في الحرب؟
من أبرز النتائج المحتملة لفوز الديمقراطيين زيادة القيود السياسية والمؤسسية على إدارة ترامب؛ فسيطرة المعارضة على المجلسين تمنحها قدرة أكبر على التحقيق في قرارات الإدارة، ومراجعة الإنفاق الدفاعي، والتأثير في التشريعات والاعتمادات المالية، وعرقلة بعض التعيينات.
ووفقًا لتحليل نشرته إذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي في 4 نوفمبر، قد تدفع النتائج الإدارة إلى البحث عن مخرج دبلوماسي من الحرب، خصوصًا إذا واجهت صعوبة في تأمين تمويل إضافي للعمليات أو تعرضت قراراتها لتحقيقات مكثفة في الكونغرس.
ونقل التحليل عن محللين أن طهران قد ترى في تراجع الهامش السياسي للرئيس فرصة للتفاوض من موقع أفضل.
غير أن هذه الاحتمالات لا تعني تغييرًا فوريًا، فالسيطرة الديمقراطية تبدأ عمليًا مع انعقاد الكونغرس الجديد في يناير 2027. وحتى ذلك الحين، يحتفظ ترامب بالصلاحيات التنفيذية في إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية.
ولا تمنح الأغلبية الديمقراطية الحزبَ قدرة مطلقة على فرض إنهاء الحرب. فالرئيس يملك حق النقض، ويحتاج الكونغرس إلى أغلبية الثلثين في كل مجلس لتجاوزه. ويشير تقرير دويتشه فيله المنشور في 3 نوفمبر إلى أن صلاحيات الكونغرس في تمويل العمليات العسكرية وتقييدها مهمة، لكنها لا تلغي سلطة الرئيس ولا تضمن تغيير السياسة الأمريكية تجاه طهران.
وفي المنظور الإيراني، قد تكمن أهمية النتيجة في ارتفاع الكلفة السياسية لاستمرار الحرب، حتى لو عجز الديمقراطيون عن وقفها قانونيًا بصورة مباشرة. فكل تحقيق أو مواجهة بشأن التمويل أو نقاش حول الخسائر الاقتصادية قد يوسع الخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس ويزيد تعقيد مواصلة العمليات.
الاقتصاد حلقة الوصل بين الحرب وصناديق الاقتراع
يمنح العامل الاقتصادي الرواية الإيرانية عن تراجع التأييد للحرب أساسًا يمكن اختباره؛ فقد أشارت رويترز إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة كان من أبرز دوافع الاستياء الانتخابي، وأن الرسوم الجمركية والحرب على إيران أسهمتا في تفاقم الضغوط على الناخبين. وربطت الوكالة بين اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود، ما أدخل التداعيات الاقتصادية للمواجهة في النقاش الانتخابي الأمريكي.

وتستطيع طهران توظيف هذه المعادلة في خطابها، إذ تجعل قدرتها على الاستمرار في المواجهة كلفتها تمتد إلى الداخل الأمريكي. لكن الورقة لا تخلو من المخاطر عليها، فاستمرار الحرب واضطراب حركة الطاقة والتجارة قد يفاقمان الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويرفعان كلفة المواجهة على الدولة والمجتمع.
ولذلك فإن الرهان على أن يضعف الضغط الاقتصادي موقف ترامب قد يفيد طهران سياسيًا، لكنه لا يضمن لها مكاسب فعلية. ويتوقف نجاحه على قدرة إيران على تحمل كلفة الحرب، ومدى استعداد واشنطن لتقديم تنازلات، وما إذا كانت الضغوط ستدفع الطرفين إلى التفاوض أو إلى مزيد من التصعيد.
من «الانتصار الإيراني» إلى اختبار التفاوض
تذهب بعض القراءات المتداولة في الفضاء الإعلامي الإيراني إلى أبعد من الحديث عن تقييد ترامب، فتقدم خسارة الجمهوريين مكسبًا استراتيجيًا لطهران. وتقوم هذه القراءة على افتراض أن ضعف الرئيس سياسيًا قد يقلل قدرته على مواصلة الضغط العسكري، ويمنح إيران مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية.
ويبقى السؤال الأساسي: هل يؤدي تراجع القوة السياسية لترامب إلى تغيير شروط التفاوض الأمريكية، أم يقتصر أثره على طريقة إدارة المواجهة؟
يرى تحليل إذاعة أوروبا الحرة أن طهران قد تحاول استغلال النتائج لتحسين شروط أي مفاوضات مقبلة، مع احتمال تراجع الضغوط الأمريكية الداعية إلى تقديم تنازلات إضافية. لكنه يحذر في المقابل من أن الأثر الفعلي للانتخابات غير محسوم، لأن ترامب يحتفظ بسلطة تنفيذية واسعة، ولأن عددًا كبيرًا من الجمهوريين ما زال يدافع عن الحرب بوصفها وسيلة لمواجهة التهديدات النووية والإقليمية الإيرانية.
وقد تواجه إيران مفارقة استراتيجية: كلما ارتفعت الكلفة السياسية للحرب على ترامب، زادت فرص ظهور مسار تفاوضي، من دون أن يعني ذلك استعداد واشنطن لقبول المطالب الإيرانية. فقد يسعى الرئيس إلى إنهاء الحرب من موقع يعلن فيه تحقيق أهدافه، دون تنازلات جوهرية بشأن البرنامج النووي أو العقوبات أو الدور الإقليمي لطهران.
ويبدو التوصل إلى تسوية محدودة لوقف العمليات العسكرية أيسر من اتفاق شامل يعالج جذور الخلاف؛ فالاتفاق الشامل يتطلب تفاهمات بشأن القيود النووية، وآليات الرقابة والتحقق، ومستقبل العقوبات، والضمانات الأمنية، وهي ملفات لا يحسمها تغير موازين القوى داخل الكونغرس وحده.
توافق الحزبين على أهداف واشنطن يحدّ من أثر التحول
رغم لغة بعض وسائل الإعلام الإيرانية في وصف خسارة الجمهوريين، فإن الانتقال من كونغرس يسيطر عليه الحزب الحاكم إلى كونغرس معارض لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في الموقف الأمريكي من الجمهورية الإسلامية.
ويشير تقرير دويتشه فيله إلى مساحة توافق بين الحزبين بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي والإبقاء على الضغوط عليها لتغيير سياساتها، موضحًا أن خلافاتهما حول إدارة الحرب لا تعني تعارضًا كاملًا في الأهداف الاستراتيجية تجاه طهران.
ويتعلق الاختلاف الأهم بوسائل تحقيق الأهداف أكثر من الأهداف نفسها؛ فبعض الديمقراطيين يعارضون استمرار الحرب أو يشككون في جدواها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تأييد رفع العقوبات دون شروط، أو قبول المطالب الإيرانية بشأن البرنامج النووي، أو التخلي عن دعم إسرائيل.
ويحتاج صناع القرار في طهران إلى التمييز بين فرصة لتقييد ترامب وفرصة لتغيير السياسة الأمريكية؛ فالأولى قد تتحقق عبر الرقابة البرلمانية والضغط السياسي والاعتراض على تمويل الحرب، أما الثانية فتتطلب تحولًا أعمق في حسابات الأمن القومي الأمريكي، وهو ما لا تثبته نتائج انتخابات التجديد النصفي وحدها.



