تصاعد العنف في مالي: كيف يعيد تشكيل النفوذ الروسي في الساحل الإفريقي؟

كتبت: هدير البحيري
شهدت مالي خلال الأيام الأخيرة موجة من الهجمات المنسقة التي استهدفت العاصمة باماكو وعددًا من المدن في الشمال والوسط، في تصعيد يعد من بين الأوسع نطاقًا منذ سنوات.
وشملت هذه الهجمات مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت استراتيجية، في وقت متقارب، ما يشير إلى مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الجماعات المسلحة.
وبحسب تقارير ميدانية، تزامنت هذه العمليات مع اشتباكات عنيفة في مناطق عدة، وسط حالة من التوتر الأمني وفرض إجراءات احترازية في العاصمة، بما في ذلك تشديد الحراسة على المرافق الحيوية.
وتأتي هذه التطورات في سياق صراع مستمر تشهده البلاد منذ سنوات، تتداخل فيه جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات جهادية مع حركات انفصالية تنشط بشكل رئيسي في شمال البلاد.
وتتعدد الأطراف الفاعلة في المشهد الأمني داخل مالي، ما يعكس تعقيدًا متزايدًا في طبيعة الصراع، الذي لم يعد محصورًا في مواجهة تقليدية بين الدولة وتنظيم واحد.
وتعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، من أبرز الجماعات المسلحة النشطة في البلاد، حيث تنفذ هجمات متكررة تستهدف الجيش ومؤسسات الدولة، خاصة في مناطق الوسط والشمال.
في المقابل، تنشط جبهة تحرير أزواد، وهي جماعة ذات طابع انفصالي تسعى إلى إقامة كيان مستقل في شمال البلاد، وتتركز عملياتها في مناطق مثل كيدال ومحيطها.
وإلى جانب هذين الفاعلين، يواجه الجيش المالي شبكة أوسع من الجماعات المسلحة التي تختلف في خلفياتها الأيديولوجية، لكنها تتقاطع ميدانيًا في مواجهة الدولة، ما يعكس تحول الصراع إلى ساحة مفتوحة لتحالفات مرنة ومتغيرة.
ما الذي يجعل الهجمات المتزامنة في مالي مختلفة عن موجات العنف السابقة؟
قال الباحث في الشؤون الإفريقية عبدالله فارس القزاز إن الهجمات الأخيرة في مالي لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تصعيد أمني تقليدي، بل تعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة العنف داخل منطقة الساحل الإفريقي، حيث انتقلت الجماعات المسلحة من نمط العمليات المحدودة جغرافيًا إلى تنفيذ هجمات متزامنة تستهدف عدة مدن ومرافق استراتيجية في توقيت واحد.
وأوضح، في حديثه لـ”داي نيوز” أن هذا التحول لا يعكس فقط اتساع نطاق العمليات، بل يكشف أيضًا عن تطور ملحوظ في القدرات التنظيمية واللوجستية لهذه الجماعات.
وأضاف القزاز أن استهداف العاصمة باماكو، إلى جانب المطارات والقواعد العسكرية، يحمل دلالات تتجاوز البعد الميداني المباشر، إذ تمثل العاصمة مركز السيادة والقرار السياسي، واستهدافها يبعث برسالة واضحة مفادها أن التهديد بات قادرًا على الوصول إلى قلب الدولة.
وأوضح أن ضرب المطارات والقواعد العسكرية يهدف إلى تقويض قدرات الاستجابة السريعة وإرباك المنظومة الدفاعية في لحظة حساسة، خاصة في ظل سعي السلطة العسكرية إلى ترسيخ صورة الاستقرار والسيطرة، ما يجعل توقيت هذه الهجمات بمثابة اختبار مباشر لفاعلية هذا الخطاب الأمني.
وفي سياق متصل، أشار القزاز إلى أن مشاركة جماعات مسلحة متعددة في هذه العمليات تعكس تعقيدًا متزايدًا في المشهد الأمني داخل مالي، حيث لم يعد الصراع محصورًا في مواجهة بين الدولة وتنظيم واحد، بل تحول إلى ساحة مفتوحة لتحالفات مرنة بين فواعل مسلحة مختلفة، قد تتباين أيديولوجيًا لكنها تلتقي ميدانيًا حول هدف إضعاف الدولة المركزية.
وأكد أن هذا النمط من التحالفات المؤقتة يمنح تلك الجماعات قدرة أكبر على التنسيق والمناورة، ويزيد في الوقت ذاته من صعوبة المواجهة، لأن الدولة باتت تواجه شبكة متغيرة من التهديدات وليست بنية تنظيمية ثابتة.
ولفت إلى أن التطورات الأخيرة تعكس أيضًا محدودية قدرة الدولة، والحكم العسكري تحديدًا، على فرض سيطرة أمنية شاملة، مشيرًا إلى أن نجاح الجماعات المسلحة في تنفيذ عمليات منسقة بهذا الحجم يكشف عن ثغرات بنيوية في المنظومة الأمنية والاستخباراتية.
ومع ذلك، شدد على أن الأزمة لا ترتبط فقط بضعف الأدوات العسكرية، بل بطبيعة المقاربة المعتمدة، إذ ركزت السلطة على الحلول الصلبة دون موازاتها بمسار سياسي ومؤسسي يعالج جذور الأزمة، وهو ما يجعل من الاعتماد على القوة وحدها خيارًا غير كافٍ لتحقيق استقرار مستدام.
وعلى المستوى الإقليمي، أوضح القزاز أن تداعيات التصعيد في مالي مرشحة للامتداد إلى دول الجوار في منطقة الساحل، في ظل طبيعة الحدود المفتوحة وضعف الرقابة، إلى جانب تشابه البيئات الهشة في دول مثل بوركينا فاسو والنيجر.
وأشار إلى أن الجماعات المسلحة تستفيد من شبكات عابرة للحدود في التمويل والتدريب والتنسيق، ما يعني أن أي نجاح ميداني في مالي قد يتحول إلى نموذج قابل للتكرار في دول أخرى، الأمر الذي يضفي على الأزمة بعدًا إقليميًا يتجاوز حدود الدولة.
ولفت القزاز إلى أن المؤشرات الحالية ترجح اتجاه المشهد نحو مزيد من التصعيد خلال المرحلة المقبلة، خاصة في حال استمرار المقاربة الأمنية القائمة على الرد العسكري دون مسار سياسي متكامل.
وأوضح أن الجماعات المسلحة ستسعى للحفاظ على زخمها عبر تنفيذ عمليات نوعية جديدة، فيما قد تلجأ الدولة إلى توسيع عملياتها العسكرية، وهو ما ينذر بدخول البلاد في دائرة متكررة من العنف المتبادل.
وحذر القزاز من أن غياب معالجة حقيقية للأسباب البنيوية للصراع قد يدفع مالي إلى مسار استنزاف طويل، ينعكس بدوره على استقرار منطقة الساحل الإفريقي بأكملها.
كيف يعيد الحضور الروسي تشكيل موازين النفوذ والأمن في مالي؟
لكن هذا المشهد الأمني المتصاعد في مالي لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في خريطة الفاعلين الخارجيين داخل البلاد، وفي مقدمتهم روسيا، التي عززت حضورها العسكري خلال السنوات الأخيرة في إطار إعادة تشكيل ميزان النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي.
لم يأت هذا الحضور الروسي بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة تراجع تدريجي للنفوذ الغربي، خاصة بعد انسحاب القوات الفرنسية وتقليص مهام بعثات الأمم المتحدة، إلى جانب تنامي حالة الاستياء داخل باماكو من فاعلية المقاربات الدولية السابقة في التعامل مع التمرد المسلح، ما دفع السلطات الانتقالية إلى البحث عن شريك أمني بديل قادر على تقديم دعم سريع ومباشر في مواجهة تصاعد الهجمات واتساع نطاقها الجغرافي.
ويستند الوجود الروسي في مالي إلى مزيج من الدعم العسكري والتدريب والمشاركة الميدانية في بعض العمليات، ضمن مقاربة تقدمها موسكو باعتبارها أكثر عملية ومرونة مقارنة بالوجود الغربي السابق، مع تركيز أكبر على تعزيز قدرات الجيش المالي في الميدان، في إطار توجه أوسع لإعادة تموضعها داخل القارة الإفريقية، حيث تنظر إلى دول الساحل باعتبارها مساحة استراتيجية لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري في ظل تنافس دولي متصاعد.
ومع تطور هذا الحضور، برزت أدوات مختلفة لتنفيذ هذا الانخراط، كان أبرزها مجموعة “فاجنر”، التي عملت لسنوات كشركة عسكرية خاصة تقدم خدمات التدريب والدعم، وتشارك في بعض العمليات القتالية، بما في ذلك دعم القوات الحكومية في مالي ضمن نموذج يجمع بين الإسناد الأمني وتوسيع النفوذ الاستراتيجي.
لكن هذا النموذج شهد لاحقًا إعادة هيكلة مع انتقال موسكو إلى صيغة أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالمؤسسة العسكرية الرسمية، من خلال ما يعرف بـ”فيلق إفريقيا”، في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على وجودها العسكري، مع الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية ذاتها.
ومع اتساع الحضور الروسي في المشهد الأمني داخل مالي، لم يعد النقاش مقتصرًا على دوره الميداني، بل امتد إلى طبيعته وأدواته وحدود تأثيره في بيئة شديدة التعقيد.
ويبرز أحد أهم أوجه هذا الجدل في غياب الشفافية، إذ لم يأت الوجود الروسي دائمًا عبر الدولة بشكل مباشر، بل اعتمد في مراحل سابقة على شركات عسكرية خاصة، ما جعل طبيعة العمليات أقل وضوحًا من حيث المسؤولية والرقابة، وفتح تساؤلات حول الحدود بين الدور الرسمي وغير الرسمي لموسكو في ساحات الصراع.
كما تبرز تقارير واتهامات حقوقية تتعلق بسلوك بعض التشكيلات المرتبطة بهذا الوجود، والتي تشير إلى وقوع تجاوزات بحق المدنيين خلال عمليات مكافحة التمرد في عدد من مناطق الساحل، وهو ما أسهم في زيادة الجدل حول فعالية هذا النموذج وتداعياته.
ومن زاوية أخرى، ينظر إلى الحضور الروسي باعتباره لا يقتصر على تقديم دعم عسكري مباشر، بل يتداخل مع ترتيبات أوسع للنفوذ السياسي والاقتصادي، بما يثير مخاوف من تحوله إلى علاقة اعتماد ممتدة في دول تعاني هشاشة في البنية المؤسسية، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على معالجة جوهر الأزمة الأمنية، في ظل استمرار الهجمات واتساع نطاقها داخل البلاد.



