أخبار مصر

هل ترفع مصر أسعار الوقود مجددًا؟.. النفط العالمي يضغط على الموازنة وصندوق النقد يوضح التأثير

تتزايد الضغوط على سوق الطاقة في مصر مع استمرار تقلبات أسعار النفط عالميًا، في ظل ارتفاع تكلفة استيراد الوقود وتأثر حركة التجارة العالمية بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

ورغم هذه الضغوط، يرى خبراء اقتصاديون ومتخصصون في قطاع الطاقة أن تثبيت أسعار الوقود محليًا خلال الفترة المقبلة قد يكون الخيار الأقل ضررًا، مقارنة بتمرير الزيادات العالمية إلى المستهلكين، لما قد يترتب على ذلك من موجة تضخمية جديدة وارتفاع محتمل في أسعار الفائدة.

ارتفاع النفط يرفع عجز الموازنة بشكل محدود

قال أمين ماتي، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، إن تأثير ارتفاع أسعار النفط على عجز الموازنة المصرية يظل محدودًا نسبيًا.

وأوضح أن ارتفاع سعر برميل النفط بنحو 10 دولارات يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة بما يقارب 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأشار ماتي إلى أن حجم التأثير لا يعتمد على أسعار النفط وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بتحركات سعر صرف الجنيه أمام الدولار، إلى جانب آلية المراجعة التلقائية لأسعار الوقود، والتي تُطبق بصورة ربع سنوية.

ولفت إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أدت إلى تقلبات قوية في أسعار النفط، كما انعكست على تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، موضحًا أن ارتفاع أسعار الطاقة دفع بعض الاستثمارات الأجنبية إلى الخروج من السوق المصرية قبل أن تعود مع تراجع الأسعار.

قفزات حادة في أسعار النفط خلال 2026

شهدت أسعار النفط تحركات قوية منذ بداية العام، إذ تراوح سعر خام برنت بين 70 و73 دولارًا للبرميل حتى نهاية فبراير 2026.

ومع اندلاع الصراع في 28 فبراير، قفزت الأسعار بأكثر من 50%، وسط مخاوف بشأن إمدادات النفط وحركة الملاحة في مضيق هرمز.

وسجل خام غرب تكساس الوسيط أعلى مستوى له عند 119.48 دولارًا للبرميل خلال مارس، بينما ارتفع خام برنت إلى نحو 138 دولارًا في أبريل، وهو أعلى مستوى يصل إليه منذ عام 2022.

وبعد ذلك، بدأت الأسعار في التراجع تدريجيًا مع تحسن توقعات الإمدادات وظهور مؤشرات على تهدئة التوترات.

وخلال مايو ويونيو، تراجعت حدة الارتفاعات، واستمر الاتجاه الهبوطي خلال يوليو مع تحسن توقعات المعروض، رغم استمرار تأثير التطورات الجيوسياسية والمفاوضات الإقليمية على حركة الأسواق.

وفي ختام تعاملات الجمعة 7 أغسطس، ارتفع خام برنت بنحو 1.3% إلى 83.55 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى 78.18 دولارًا.

لماذا قد تختار الحكومة تثبيت أسعار الوقود؟

يرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن الإبقاء على أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية قد يكون القرار الأقل تكلفة على الحكومة في المرحلة الحالية.

وأوضح أن ارتفاع سعر النفط بمقدار 10 دولارات يضيف نحو 0.3% إلى عجز الموازنة، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، إلا أن رفع أسعار الوقود لتعويض هذه الزيادة قد يؤدي إلى آثار اقتصادية أوسع.

وبحسب أنيس، فإن الحكومة تواجه خيارين رئيسيين: الأول هو تحمل جزء من الزيادة في تكلفة الوقود داخل الموازنة، والثاني هو تمرير التكلفة إلى المواطنين من خلال زيادة الأسعار.

ويرى أن الخيار الثاني قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وهو ما يمكن أن يدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة.

وأشار إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة قد تكلف الموازنة العامة نحو 100 مليار جنيه، وبالتالي فإن تحمل تكلفة إضافية تقدر بنحو 50 مليار جنيه، على سبيل المثال، قد يكون أقل ضررًا من رفع أسعار الوقود وما قد ينتج عنه من ارتفاع التضخم والفائدة.

وحذر أنيس من أن استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات بين إيران والولايات المتحدة قد يدفع التضخم إلى مستويات مرتفعة، مشيرًا إلى أن تجاوز معدل التضخم 18% قد يفرض ضغوطًا إضافية على البنك المركزي لتشديد السياسة النقدية.

ورجح أن تواصل الحكومة تثبيت أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، مع امتصاص الزيادة في تكلفة الطاقة مؤقتًا ضمن موازنة العام المالي الحالي، ثم إعادة تقييم الموقف وفقًا لتطورات أسعار النفط والتضخم.

فاتورة استيراد الطاقة تحت الضغط

من جانبها، توقعت شركة سي آي كابيتال للاستثمارات المالية أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا بنسبة 10% إلى زيادة فاتورة مصر السنوية لاستيراد الوقود بنحو 26%، بما يعادل قرابة 6 مليارات دولار.

ويرجع ذلك إلى استمرار اعتماد مصر على الاستيراد لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي من الطاقة.

وأوضحت الشركة أن زيادة أسعار البنزين والسولار محليًا بنسبة 10% يمكن أن ترفع الحد الأدنى لمعدل التضخم بنحو 2.4%، متوقعة وصول التضخم في مصر إلى 16% على الأقل بنهاية العام المالي الحالي.

وأشارت إلى أن مصر لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط والغاز الطبيعي، وهو ما يجعل فاتورة الطاقة المحلية شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، خاصة عندما تتزامن الزيادات مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بسبب التوترات الجيوسياسية.

تأثير ارتفاع النفط على الاقتصاد المصري

قالت سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي لدى «سي آي كابيتال»، إن تأثير تقلبات أسعار الطاقة العالمية يظهر بشكل رئيسي في ثلاثة محاور، هي:

الميزان الخارجي

الموازنة العامة

معدلات التضخم

وأوضحت أن التأثير الأكبر يقع على القطاع الخارجي نتيجة ارتفاع قيمة الواردات، بينما يظل تأثير ارتفاع أسعار النفط على الموازنة العامة أكثر محدودية، في ظل الإصلاحات التي نفذتها الحكومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب المراجعة الدورية لأسعار الوقود والكهرباء.

وأضافت أن مصر تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الطاقة، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعار النفط والغاز ينعكس بصورة مباشرة على فاتورة الواردات.

ويزداد هذا التأثير عندما تصاحب ارتفاع الأسعار العالمية زيادة في تكاليف النقل البحري والتأمين.

وخلال صدمة أسعار الطاقة في مارس الماضي، الناتجة عن تداعيات الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، ارتفع سعر خام برنت بنحو 63%، بينما زادت أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 55%.

وبحسب تصريحات سابقة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ارتفعت فاتورة استيراد مصر الشهرية من النفط والغاز الطبيعي خلال تلك الفترة بنسبة 108% و195% على التوالي.

هل تؤدي زيادة الكهرباء إلى موجة تضخم جديدة؟

ترى «سي آي كابيتال» أن تأثير الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء على التضخم سيكون محدودًا، نظرًا إلى أن ارتفاع أسعار الكهرباء لا ينتقل بصورة مباشرة وبنفس القوة إلى أسعار السلع والخدمات.

لكن الشركة ترى أن الخطر الأكبر يتمثل في أي زيادات جديدة في أسعار السولار والمنتجات البترولية المستخدمة على نطاق واسع في قطاع النقل والأنشطة الاقتصادية المختلفة.

وعلى مستوى السياسة النقدية، تتوقع «سي آي كابيتال» أن يسعى البنك المركزي المصري للحفاظ على أسعار فائدة حقيقية موجبة تتراوح بين 4% و5%.

وأضافت أن استمرار التضخم أعلى من 15.5% قد يدفع إلى إعادة تقييم السياسة النقدية الحالية، خاصة إذا أدت التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات جديدة في سلاسل الإمداد وارتفاع الضغوط التضخمية.

وتوقعت سارة سعادة أن يبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر 20 أغسطس، مؤكدة أن السيناريو الأساسي للشركة لا يتضمن تعديل أسعار الفائدة.

كما أشارت إلى أن أسعار النفط الحالية، التي تدور حول 85 دولارًا للبرميل، لا تستدعي حتى الآن إجراء مراجعة جديدة لأسعار الوقود المحلية، وهو ما يقلل احتمالات حدوث ضغوط إضافية على التضخم قد تدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية.

شعبة المواد البترولية: من الصعب توقع الأسعار

في المقابل، قال حسن نصر، رئيس شعبة المواد البترولية، إن تحديد اتجاه أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة أصبح أمرًا صعبًا، سواء كان الاتجاه المتوقع هو الزيادة أو الانخفاض أو الاستقرار.

وأوضح أن أسعار المنتجات البترولية العالمية تتأثر بعدد كبير من العوامل، أبرزها التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين.

وأشار إلى أن تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن العاملة في منطقة الخليج العربي ارتفعت بنسب تتراوح بين 20% و25%.

وأضاف أن أي تطورات سياسية أو عسكرية على المستوى الإقليمي أو الدولي يمكن أن تنعكس سريعًا على أسعار الخام عالميًا، وهو ما يزيد صعوبة التنبؤ بأسعار الوقود.

وأوضح نصر أن تحديد أسعار الوقود في مصر يخضع لدراسات من جانب جهات وقطاعات متعددة في الدولة، وفق مجموعة من العوامل، أبرزها:

أسعار خام البترول عالميًا.

سعر صرف الدولار أمام الجنيه.

معدلات التضخم.

تكلفة استيراد المنتجات البترولية.

التطورات الاقتصادية والجيوسياسية.

وأكد أن القرار النهائي بشأن أسعار الوقود يعود إلى الجهات المختصة بالدولة، وفقًا للمتغيرات الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

ما أسعار الوقود الحالية في مصر؟

كانت وزارة البترول والثروة المعدنية قد أعلنت في مارس الماضي تعديل أسعار عدد من المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، في ظل التطورات الاستثنائية التي شهدتها أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وجاءت الأسعار بعد الزيادة على النحو التالي:

بنزين 95: ارتفع من 21 إلى 24 جنيهًا للتر.

بنزين 92: ارتفع من 19.25 إلى 22.25 جنيه للتر.

بنزين 80: ارتفع من 17.75 إلى 20.75 جنيه للتر.

السولار: ارتفع من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر.

أسطوانة البوتاجاز المنزلية 12.5 كجم: ارتفعت من 225 إلى 275 جنيهًا.

أسطوانة البوتاجاز 25 كجم: ارتفعت من 450 إلى 550 جنيهًا.

غاز تموين السيارات: ارتفع من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.

وقالت الوزارة وقتها إن تحريك الأسعار جاء نتيجة التطورات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج المحلي والشحن البحري والتأمين واضطرابات سلاسل الإمداد.

وأكدت وزارة البترول استمرار العمل على زيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، والتوسع في أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الموارد، فضلًا عن تشجيع شركات الاستثمار على زيادة أنشطة البحث والإنتاج، بهدف تقليص فاتورة الاستيراد.

في ظل الأسعار العالمية الحالية للنفط، لا يبدو أن رفع أسعار الوقود في مصر أصبح أمرًا محسومًا، إذ تشير تقديرات الخبراء إلى أن تثبيت الأسعار قد يكون الخيار الأقل ضررًا على المدى القصير، خصوصًا أن تمرير الزيادة للمستهلك قد يرفع التضخم ويزيد تكلفة الاقتراض الحكومي.

لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط أو حدوث صدمات جديدة في الإمدادات والشحن والتأمين قد يعيد الضغط على الحكومة لإعادة النظر في أسعار الوقود، خاصة مع استمرار آلية المراجعة الدورية للأسعار.

وبالتالي، سيظل قرار تحريك أسعار الوقود مرتبطًا بشكل أساسي بمسار أسعار النفط عالميًا، وسعر صرف الدولار، ومعدلات التضخم، وتطورات الأوضاع الجيوسياسية خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى