روسيا تبحث عن ممر بري إلى الهند لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز
تبحث روسيا خيارات جديدة لتعزيز اتصالها التجاري بجنوب آسيا والوصول إلى المحيط الهندي عبر شبكة من خطوط السكك الحديدية والممرات البرية، في توجه يعكس مساعي موسكو لتقليل تعرض تجارتها لمخاطر الاضطرابات في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البرية البديلة بالنسبة لروسيا، التي تعمل منذ سنوات على إعادة توجيه جزء متزايد من تجارتها نحو آسيا.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن أحد المسارات التي تحظى باهتمام روسي يمكن أن يربط روسيا بآسيا الجنوبية عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان، وصولاً إلى موانئ بحر العرب والمحيط الهندي. ولا يتعلق الأمر حتى الآن بخط سكة حديد روسي-هندي مباشر مكتمل أو مشروع واحد يجري تنفيذه، بل بشبكة من مشاريع الربط الإقليمية التي يمكن أن تتكامل مستقبلاً لتوفير منفذ بري روسي إلى جنوب آسيا.
ممر روسي جديد نحو المحيط الهندي
وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في ظل تطور مشروع السكك الحديدية العابرة لأفغانستان، الذي يربط أوزبكستان بأفغانستان وباكستان، ويهدف إلى توفير منفذ أسرع لدول آسيا الوسطى نحو موانئ بحر العرب. وتقدر تكلفة المشروع بنحو 5 مليارات دولار، فيما يمكن أن تصل قدرته التصميمية إلى نحو 20 مليون طن من البضائع سنوياً، وفق بيانات رسمية أوزبكية.
اقرأ أيضًا: اتفاق مرتقب بين عُمان وإيران لإعادة فتح مضيق هرمز مؤقتًا
كما أن هناك اهتماماً روسياً بممر متعدد الوسائط يربط روسيا وكازاخستان وأوزبكستان بأفغانستان ثم باكستان، وهو ما يمكن أن يمنح موسكو منفذاً إلى موانئ باكستان على المحيط الهندي، ويقلل اعتمادها على البنية التحتية الإيرانية وحدها. وتشير تحليلات إقليمية إلى أن هذا المسار يمكن أن يصبح امتداداً لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.
وفي يونيو 2026، برزت مؤشرات إضافية على اهتمام موسكو وإسلام آباد بتعزيز هذا الاتجاه، مع مناقشة إمكانية ربط ميناء جوادر الباكستاني بممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، بما يفتح أمام روسيا طريقاً إضافياً نحو بحر العرب.
ممر الشمال والجنوب
ولا تبدأ جهود روسيا لتنويع طرق تجارتها من الصفر، إذ تعمل موسكو منذ سنوات على تطوير ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بإيران ثم بالأسواق الهندية عبر شبكة متعددة الوسائط من السكك الحديدية والطرق والنقل البحري.
ويمتد الممر لمسافة تقارب 7,200 كيلومتر، ويضم عدة مسارات، من بينها المسار الغربي عبر أذربيجان وإيران، والمسار الشرقي عبر آسيا الوسطى وإيران. ويستهدف الممر تقليص زمن نقل البضائع بين روسيا والهند مقارنة بالطرق البحرية التقليدية عبر قناة السويس.
اقرأ أيضًا: محادثات إيران وعمان تتقدم.. وترامب يرجح إعلان اتفاق بشأن مضيق هرمز قريبًا
ومن أبرز المشروعات المرتبطة بهذا المسار خط رشت–آستارا في إيران، الذي يمثل حلقة رئيسية لاستكمال الربط السككي في الجزء الغربي من الممر. إلا أن تنفيذ المشروع واجه تأخيرات مرتبطة بالتوترات الإقليمية، ما يوضح حجم التحديات التي تواجه خطط موسكو لتوسيع شبكات النقل البرية نحو الجنوب.
هرمز يدفع روسيا إلى البحث عن بدائل
وتكتسب الممرات البرية أهمية أكبر مع تعرض الملاحة في المنطقة لاضطرابات متكررة. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز خلال الأزمة الإقليمية الأخيرة إلى تعطيل حركة التجارة والإمدادات، كما اضطرت دول مثل أفغانستان إلى إعادة توجيه جزء من تجارتها عبر مسارات بديلة في آسيا الوسطى، مع ارتفاع كبير في تكاليف النقل.
وبالنسبة لموسكو، فإن امتلاك أكثر من مسار للوصول إلى الأسواق الآسيوية لا يمثل مجرد مكسب اقتصادي، بل يتحول إلى عنصر من عناصر الأمن الاستراتيجي لسلاسل الإمداد. فكلما تنوعت خيارات النقل بين السكك الحديدية والموانئ والممرات البرية، أصبحت روسيا أقل تعرضاً لتداعيات إغلاق أو اضطراب أي ممر بحري واحد.
كما أن التقارب الروسي المتزايد مع أفغانستان يفتح المجال أمام مزيد من التعاون في مشاريع النقل والطاقة والتجارة. وكانت موسكو قد أعلنت في مايو 2026 عن إقامة “شراكة كاملة” مع حكومة طالبان، في إطار توجه أوسع لتعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع كابل.
اقرأ أيضًا: خلاف مضيق هرمز يعطل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة
وفي حال تطورت مشاريع الربط بين روسيا وآسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان، فقد تصبح هذه الشبكة جزءاً من خريطة نقل أوراسية جديدة تربط روسيا بالأسواق الهندية والمحيط الهندي، وتمنح موسكو خيارات أوسع لتجاوز نقاط الاختناق البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
وبذلك، لا تبدو استراتيجية روسيا مقتصرة على إنشاء خط واحد مباشر إلى الهند، وإنما تتجه نحو بناء شبكة متعددة المسارات يمكنها تأمين تدفق التجارة الروسية إلى جنوب آسيا حتى في حال تعرض أحد الطرق البحرية أو البرية الرئيسية للاضطراب.



