كيف قرأت إيران تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
كتبت: إسراء جبريل
بينما كانت مكة تستضيف توقيع اتفاق دفاعي يعلن أن الهجوم على دولة من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، جاء الرد من طهران برسالة تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها معركة على مفهوم الردع نفسه: هل تستطيع السعودية أن تشتري أمنها بتحالفات جديدة، أم أن إيران أثبتت بالفعل أن “أكثر جيوش العالم تطورًا” يمكن مواجهته؟
في الساعات التي تلت توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك” في 7 أغسطس 2026، لم تتجه طهران إلى إطلاق تهديد مباشر للدول الثلاث، ولم تعلن أن الاتفاق يمثل إعلانًا للعداء ضد إيران. بدلًا من ذلك، اختارت القيادة السياسية الإيرانية الرد عبر خطاب يقوم على التشكيك في قيمة التحالفات الخارجية في توفير الأمن، والتأكيد على أن القوة الإيرانية أثبتت قدرتها على مواجهة خصوم أقوى عسكريًا.
هذا الخطاب ظهر بوضوح في منشور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة «إكس»، حين قال إن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت جاهزيتها وقدرتها في مواجهة ما وصفه بـ”أكثر جيوش العالم تقدمًا”، داعيًا الدول الإسلامية إلى الاتحاد في مواجهة “الأجانب المتخاصمين” والاعتماد على القدرات الداخلية.
وجاءت رسالة عراقجي بعد ساعات من توقيع الاتفاق الثلاثي، وإن لم يربط الوزير صراحة بين منشوره والاتفاق. لكن توقيت الرسالة يجعل من الصعب فصلها تمامًا عن التحول الجديد في البيئة الأمنية الإقليمية.
اقرأ أيضًا: “كود 110”.. ماذا يكشف اعتراف عباس عراقجي عن أخطر ثغرة أمنية في تاريخ الجمهورية الإسلامية؟
أما الرد الأكثر مباشرة فجاء من إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، الذي قال إن السعوديين يجب أن يدركوا أن “الاتفاق الورقي مع تركيا وباكستان” لن يوفر لهم الأمن، كما أن سنوات الاعتماد على الأمريكيين لم توفر لهم الأمن.
وهنا تظهر نقطة أساسية لفهم الموقف الإيراني: طهران لا تحاول فقط انتقاد الاتفاق؛ إنها تحاول نزع قيمته الردعية.
الاتفاق الجديد ليس مجرد نسخة من اتفاق 2025
لفهم حساسية الرد الإيراني، يجب العودة خطوة إلى الوراء.
في سبتمبر 2025، وقعت السعودية وباكستان اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل، نص على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يعتبر عدوانًا على الأخرى، في خطوة عززت شراكة أمنية وعسكرية تمتد لعقود.
في ذلك الوقت، كان العامل الأكثر إثارة لاهتمام المحللين الإيرانيين هو باكستان بوصفها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي.
لذلك ركزت القراءة الإيرانية للاتفاق الأول بدرجة كبيرة على سؤال مختلف: هل حصلت السعودية بصورة غير مباشرة على مظلة الردع النووي الباكستاني؟
أما اتفاق مكة الجديد فيضيف إلى هذه المعادلة تركيا، وهي دولة مختلفة تمامًا من حيث طبيعة قوتها وموقعها الجيوسياسي.
تركيا عضو في حلف الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، وقوة جوية كبيرة، وقدرات متطورة في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلًا عن خبرة عسكرية واسعة.
وبالتالي انتقلت المعادلة من السعودية + باكستان إلى السعودية + باكستان + تركيا، أي من شراكة ثنائية إلى شبكة متعددة القدرات للردع والدفاع.
وهذا هو التحول الذي يهم إيران أكثر.
كيف قرأت طهران اتفاق 2025؟
كان هناك في الخطاب الإيراني حول اتفاق السعودية وباكستان ثلاثة مستويات أساسية.
أولًا: المظلة النووية.
اهتمت وسائل الإعلام الإيرانية بإمكانية أن يؤدي الاتفاق إلى منح السعودية نوعًا من الحماية النووية غير المباشرة. وقد ظهر ذلك بوضوح في التغطية الإيرانية التي ناقشت مسألة ما إذا كانت السعودية أصبحت تحت “المظلة النووية” الباكستانية.
لكن إسلام آباد نفت وجود اتفاق لنقل أسلحة نووية إلى السعودية، فيما بقيت التكهنات بشأن القيمة الردعية للقدرات النووية الباكستانية عنصرًا أساسيًا في تحليل الاتفاق.
ثانيًا: العلاقات الإيرانية–الباكستانية.
وفقًا لما ورد في وسائل الإعلام الإيرانية لم تكن طهران تنظر إلى إسلام آباد باعتبارها خصمًا إقليميًا مباشرًا. باكستان لديها حدود مع إيران، وعلاقات اقتصادية وأمنية معها، كما أنها حاولت في مراحل مختلفة القيام بأدوار وساطة بين طهران والرياض.
وهذا جعل إيران قادرة على تصور اتفاق السعودية–باكستان باعتباره شراكة يمكن احتواؤها دبلوماسيًا، وليس بالضرورة مقدمة لمواجهة مع إيران.
ثالثًا: احتمال قيام “ناتو إسلامي”.
هنا بدأت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تنظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة يمكن أن تقود إلى إطار أوسع للدفاع الجماعي في العالم الإسلامي.
لكن ذلك بقي احتمالًا أكثر منه واقعًا.
أما الآن، فقد دخل عنصر تركي إلى المعادلة
اتفاق مكة ينص على أن الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.
وهذا يفسر لماذا تبدو الرسالة الإيرانية الحالية أكثر حدة من ردها على اتفاق 2025.
فما يُرى على أنه “تهديد محتمل” لم يعد مصدره دولة واحدة.
أصبحت باكستان تمثل جيشًا كبيرًا وقدرات صاروخية وردعًا نوويًا، بينما تضيف تركيا القوة الجوية والصناعة الدفاعية والمسيرات والصواريخ والخبرة العملياتية وعضوية الناتو، في حين توفر السعودية الموارد المالية والموقع الجغرافي والبنية الدفاعية المتقدمة.
إذا تحولت هذه العناصر إلى تبادل معلومات استخباراتية، وتكامل للدفاع الجوي، وتدريبات مشتركة، وتنسيق للإنذار المبكر والصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن الاتفاق سيتجاوز بكثير قيمته الرمزية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بالنسبة لطهران.
لماذا اختارت إيران التقليل من الاتفاق بدل مهاجمته؟
رد إبراهيم رضائي يحمل مفتاحًا مهمًا.
عندما يصف الاتفاق بأنه “ورقي”، فهو لا يقول إن تركيا وباكستان ضعيفتان، بل يحاول ضرب الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الاتفاق: هل تستطيع التحالفات الخارجية أن تمنح السعودية أمنًا لا تستطيع تحقيقه بنفسها؟
وهذا الخطاب يخدم إيران على مستويين.
المستوى الأول هو الردع النفسي. إذا استطاعت طهران إقناع الرياض بأن تركيا وباكستان لن تدخلا حربًا فعلية من أجل السعودية، فإن قيمة الاتفاق الردعية تنخفض.
والمستوى الثاني هو استعادة صورة القوة الإيرانية.
وهنا تأتي رسالة عراقجي.
وزير الخارجية لم يقل إن إيران تحتاج إلى تحالف مضاد، بل ركز على أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت قدرتها على مواجهة قوة عسكرية متقدمة، داعيًا الدول الإسلامية إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية.
إنها رسالة موجهة في الوقت نفسه إلى السعودية وتركيا وباكستان والدول الإسلامية الأخرى.
من “المظلة النووية” إلى “المظلة متعددة الطبقات”
ربما يكون أكبر اختلاف بين اتفاقي 2025 و2026.
في اتفاق 2025 كان السؤال الإيراني: هل أصبحت السعودية تحت المظلة النووية الباكستانية؟
أما الآن فأصبح السؤال: هل تستطيع السعودية بناء مظلة أمنية متعددة الطبقات؟
باكستان توفر الردع الاستراتيجي، وتركيا توفر التكنولوجيا العسكرية والقوة الجوية والصناعات الدفاعية، بينما توفر السعودية المال والجغرافيا والمنظومات الدفاعية.
وهذا أكثر تعقيدًا من مجرد الحصول على ضمانة من دولة نووية.
لكن هناك نقطة تحد من قلق إيران
رغم أهمية الاتفاق، هناك ما يمنع طهران من التعامل معه حتى الآن باعتباره «ناتو» حقيقيًا.
لا توجد بعد قيادة عسكرية موحدة معلنة، ولا توجد قوة عسكرية ثلاثية دائمة معلنة، ولا يوجد حتى الآن دليل على أن تركيا أو باكستان ملزمتان بإرسال قواتهما تلقائيًا إلى أي حرب تدخلها السعودية.
لذلك فإن السؤال الإيراني الحقيقي ليس: هل تم توقيع الاتفاق؟
بل: ماذا سيحدث بعد التوقيع؟
وماذا عن مصر؟
مصر ليست غائبة عن المشهد.
في يونيو 2026 اجتمعت مصر وتركيا والسعودية وباكستان ضمن إطار رباعي للتنسيق، وهو ما يؤكد أن القاهرة ليست خارج شبكة التشاور الإقليمية.
لكن مصر لم تدخل في اتفاق الدفاع الجماعي.
وهذا يعني أن طهران تستطيع النظر إلى اتفاق مكة باعتباره نواة ثلاثية لا تزال تفتقد أكبر قوة عربية عسكرية.
وهذا يقلل، في الوقت الحالي، من احتمال تحول الاتفاق إلى “ناتو إسلامي” مكتمل.
لكن إذا انضمت مصر مستقبلًا إلى ترتيبات دفاعية مشابهة، فإن الحساب الإيراني سيتغير بصورة كبيرة.



