الأردن في مرمى الحرب.. كيف وضعت المواجهة بين إيران وأمريكا وإسرائيل عمّان أمام معادلة صعبة؟

وجد الأردن نفسه في قلب تداعيات الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما تحولت أراضيه ومجاله الجوي إلى جزء من المشهد العسكري للصراع، في ظل استضافته قوات ومنشآت عسكرية أمريكية وموقعه الجغرافي المحاذي لإسرائيل.
وتعرضت الأراضي الأردنية خلال الحرب لهجمات بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة إيرانية، استهدفت بصورة أساسية مواقع ومنشآت مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي، ما وضع المملكة أمام معادلة شديدة الحساسية بين الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن وتجنب الانجرار إلى حرب لا تريد أن تكون طرفًا فيها.
لماذا أصبح الأردن في مرمى الحرب؟
يمتلك الأردن موقعًا جغرافيًا حساسًا في المنطقة؛ فهو يقع على حدود إسرائيل، كما يستضيف قوات أمريكية ومنشآت عسكرية تستخدمها واشنطن في عملياتها بالشرق الأوسط.
وتشير تقديرات إلى وجود نحو 4 آلاف عسكري أمريكي في قواعد ومواقع مختلفة داخل المملكة، ما جعل بعض هذه المنشآت أهدافًا محتملة للهجمات الإيرانية.
وبذلك أصبح الأردن، رغم عدم كونه طرفًا مباشرًا في الحرب، معرضًا لتداعيات المواجهة بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
قاعدة موفق السلطي في دائرة الاستهداف
تعد قاعدة موفق السلطي الجوية قرب الأزرق، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر شرق العاصمة عمّان، من أبرز المواقع التي تستضيف وجودًا عسكريًا أمريكيًا.
وتضم القاعدة طائرات أمريكية وأنظمة للدفاع الجوي، من بينها منظومة ثاد THAAD المضادة للصواريخ.
وخلال الحرب، تعرضت القاعدة لهجمات إيرانية متكررة، وكان من أبرزها هجوم في يوليو/تموز أسفر عن مقتل عسكريين أمريكيين، بحسب تقارير عن الضربات التي استهدفت المنشأة.
كما استهدفت هجمات أخرى مواقع عسكرية ومرافق مرتبطة بالوجود الأمريكي في الأردن، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة خارج الحدود المباشرة لإيران وإسرائيل.
الأردن يحاول تجنب الانخراط في الحرب
الموقف الأردني يواجه اختبارًا صعبًا؛ فعمّان مرتبطة بعلاقات أمنية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية.
وتزداد حساسية الموقف بسبب وجود حالة شعبية قوية من التعاطف مع القضية الفلسطينية، وانتقادات واسعة للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والحرب في غزة.
ويرى محللون أن الأردن عالق بين حليف أمني واقتصادي رئيسي من جهة، وضغوط شعبية وإقليمية من جهة أخرى.
غضب متزايد من الوجود الأمريكي
أدى استمرار الهجمات الإيرانية إلى إعادة فتح النقاش داخل الأردن حول جدوى وجود القوات الأمريكية على الأراضي الأردنية.
وتزايدت أصوات تطالب الحكومة بإعادة النظر في الاتفاقيات العسكرية والأمنية مع واشنطن، بحجة أن الوجود العسكري الأجنبي يجعل المملكة هدفًا مباشرًا في أي مواجهة مستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران.
كما يرى منتقدون أن الأردن قد يدفع ثمنًا سياسيًا وأمنيًا لصراع لا يشارك فيه بصورة مباشرة.
وتعكس هذه الانتقادات تنامي مشاعر مناهضة للولايات المتحدة داخل المجتمع الأردني، وهي مشاعر تصاعدت بشكل خاص منذ اندلاع الحرب في غزة.
علاقة عسكرية وأمنية يصعب فكها
رغم الضغوط الشعبية، فإن العلاقة بين الأردن والولايات المتحدة ليست سياسية فقط، بل تمتد إلى التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي.
وتعتمد المملكة على الدعم الأمريكي في عدد من المجالات، كما ترتبط القوات المسلحة الأردنية بعلاقات وثيقة مع الجيش الأمريكي، إلى جانب تعاون بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البلدين.
ولهذا فإن أي قرار أردني بتقليص الوجود الأمريكي أو إنهاء الاتفاقيات العسكرية سيكون له تأثير واسع على العلاقة الاستراتيجية بين عمّان وواشنطن.
المساعدات الأمريكية ورقة أساسية
يمثل الدعم الاقتصادي الأمريكي أحد العناصر المهمة في العلاقة بين البلدين، إذ يحصل الأردن على مساعدات أمريكية كبيرة تستخدم في دعم الاقتصاد والموازنة وتعزيز قدرات الدولة.
ويرى محللون أن هذه المساعدات، إلى جانب التعاون العسكري والأمني، تجعل فك الارتباط الكامل بواشنطن أمرًا معقدًا، حتى مع تصاعد الاعتراض الشعبي على السياسة الأمريكية في المنطقة.
المقاطعة الشعبية تضغط على العلاقات
لم تقتصر حالة الاستياء من الولايات المتحدة على الجانب السياسي، بل امتدت إلى الحياة الاقتصادية، حيث شهد الأردن حملات مقاطعة لعلامات تجارية أمريكية شهيرة على خلفية الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وساعدت هذه الحملات في ظهور بدائل محلية لعدد من المنتجات والعلامات التجارية، ما عكس حجم التأثير الذي أحدثته الحرب على المزاج الشعبي الأردني.
السياحة الأردنية تتأثر بالحرب
امتدت تداعيات الصراع إلى الاقتصاد الأردني، وخاصة قطاع السياحة الذي يمثل مصدرًا مهمًا للدخل.
فاستمرار الحرب والتوترات الأمنية في المنطقة يضعف حركة السياحة ويزيد حالة عدم اليقين، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأردني أصلًا من تحديات معيشية واقتصادية.
رسالة شعبية تطالب بخروج القوات الأجنبية
وصل الاعتراض على الوجود العسكري الأمريكي إلى إصدار عريضة عامة وقع عليها مئات الأردنيين، طالبت بسحب القوات الأجنبية من المملكة وإعادة النظر في الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة.
ورأى الموقعون أن وجود القوات الأجنبية يزيد المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويرفع احتمالات تورط الأردن في صراع إقليمي لا يمثل طرفًا فيه.
كما شددت الرسالة على أن الشعب الأردني لا ينبغي أن يتحمل تبعات حرب لا يشارك فيها، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
بين واشنطن وطهران.. معادلة صعبة
المشكلة الأساسية أمام الأردن تتمثل في أن موقعه الجغرافي وعلاقاته العسكرية مع الولايات المتحدة يجعلان من الصعب عليه الابتعاد عن تداعيات الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار استهداف المواقع الأمريكية داخل المملكة قد يدفع واشنطن إلى تعزيز وجودها العسكري، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى زيادة الضغوط على الأردن.
وتشير التطورات إلى أن المملكة تواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ومنع تحول أراضيها إلى ساحة حرب، واحتواء الغضب الشعبي المتزايد من الوجود العسكري الأمريكي والسياسات الأمريكية تجاه المنطقة.
مستقبل العلاقة مع واشنطن
رغم تصاعد الانتقادات، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن الأردن يتجه إلى قطع علاقاته مع الولايات المتحدة، إذ تظل الشراكة الأمنية والعسكرية والاقتصادية بين البلدين ركيزة أساسية في سياسة عمّان الخارجية.
لكن استمرار الحرب والهجمات على الأراضي الأردنية قد يفرض على المملكة إعادة تقييم حجم الوجود العسكري الأجنبي على أراضيها، خصوصًا إذا استمرت إيران في اعتبار القواعد التي تستضيف قوات أمريكية أهدافًا مشروعة.
وهكذا أصبح الأردن أحد أكثر الأطراف تأثرًا بالحرب من خارج الدول المنخرطة مباشرة فيها، فيما تحاول عمّان الحفاظ على توازن صعب بين الأمن الوطني، والتحالف مع واشنطن، والضغوط الشعبية، وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.



