تقارير

كيف تسعى تل أبيب لجعل العلاقة مع واشنطن «غير قابلة للتراجع»؟

كشف تقييم استخباراتي أمريكي سري أعدته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» أن مسؤولين إسرائيليين يعملون على استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى جعل التحالف مع واشنطن أكثر رسوخًا وأصعب على أي إدارة أمريكية مستقبلية أن تقلصه أو تعيد النظر في مستواه.

وبحسب التقييم الذي أعدته الوكالة في يوليو 2026، فإن إسرائيل تدرك تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لها، كما ترى أن استمرار الحصول على مليارات الدولارات سنويًا في صورة مساعدات عسكرية مباشرة قد يصبح أكثر صعوبة في المستقبل.

ولذلك، تتجه الاستراتيجية الإسرائيلية، وفق التقييم، إلى تغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، بحيث لا تعتمد بالدرجة الأولى على المساعدات العسكرية المباشرة التي أصبحت أكثر إثارة للجدل سياسيًا، وإنما على بناء روابط عسكرية واستخباراتية وصناعية وتكنولوجية أكثر عمقًا واستدامة.

توسيع التعاون الاستخباراتي والعسكري

ويتحدث التقييم عن مناقشات إسرائيلية بشأن توسيع التعاون في مجال الاستخبارات، إضافة إلى طرح إمكانية استضافة قاعدة عسكرية أمريكية دائمة على الأراضي الإسرائيلية.

كما يسعى مسؤولون إسرائيليون إلى بناء علاقات طويلة الأمد مع شخصيات مؤثرة في قطاع التكنولوجيا الأمريكي، بهدف تشكيل قاعدة دعم مالي وسياسي مستدام للتحالف، بحسب التقرير.

ولا تقتصر الخطة على استمرار التعاون التقليدي، وإنما تستهدف إدخال إسرائيل بصورة أعمق في منظومة الأمن القومي والدفاع الأمريكية، بما يجعل فك هذه الروابط أو تقليصها أكثر صعوبة بالنسبة لأي إدارة مستقبلية.

الكونجرس يتحرك لدعم التعاون التكنولوجي

وتزامن ذلك مع تحرك داخل الكونجرس الأمريكي لدعم جانب رئيسي من هذه الاستراتيجية.

فقد أقر مجلس النواب الأمريكي في يوليو مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، متضمنًا المادة 219، التي تنص على إنشاء «مبادرة التعاون في تكنولوجيا الدفاع بين الولايات المتحدة وإسرائيل» داخل وزارة الدفاع الأمريكية.

وتنص المادة على تعيين مسؤول تنفيذي داخل البنتاجون لتنسيق وتسريع التعاون بين البلدين في مجالات البحث والتطوير والاختبار والتقييم ودمج التقنيات والتعاون الصناعي.

كما تسمح المبادرة بوضع أطر للمشروعات المشتركة واتفاقيات الترخيص وشراكات الإنتاج والتصنيع المشترك داخل الولايات المتحدة مع شركات إسرائيلية.

وتشمل مجالات التعاون المقترحة أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي والصاروخي، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والأنظمة الذاتية، والطاقة الموجهة، والاستشعار المتقدم، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية، ودمج الشبكات والبيانات، إلى جانب التعاون في القاعدة الصناعية الدفاعية.

لماذا أثارت المادة 219 جدلًا داخل أمريكا؟

أثارت هذه الخطوة اعتراضات من عدد من المشرعين الأمريكيين الذين حذروا من أن توسيع التعاون قد يزيد اعتماد المنظومة الدفاعية الأمريكية على إسرائيل، ويثير مخاوف بشأن حماية التكنولوجيا والمعلومات العسكرية الحساسة.

وحاول النائبان توماس ماسي ورُو خانا إزالة المادة من مشروع القانون، لكن المحاولة لم تنجح، فيما أقر مجلس النواب مشروع قانون الدفاع بأغلبية ضيقة بلغت 216 صوتًا مقابل 212.

وفي المقابل، يؤكد مؤيدو المبادرة أنها لا تعني دمج الجيشين الأمريكي والإسرائيلي أو إنشاء قيادة عسكرية مشتركة، وإنما تهدف إلى تنظيم وتعميق التعاون في مجال التكنولوجيا الدفاعية والإنتاج المشترك وتبادل الأبحاث.

ولا تزال المادة بحاجة إلى استكمال المسار التشريعي في مجلس الشيوخ وتسوية الاختلافات بين نسختي المجلسين قبل أن تصبح جزءًا نهائيًا من قانون الدفاع.

إسرائيل تريد تقليل المساعدات المباشرة.. ولكن بطريقة مختلفة

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تحدث في وقت سابق عن إمكانية التخلي تدريجيًا عن المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة، وهو ما قُدم في بعض التغطيات باعتباره تعبيرًا عن زيادة قدرة إسرائيل الاقتصادية والعسكرية على الاعتماد على نفسها.

لكن التقييم المنسوب إلى «CIA» يقدم تفسيرًا مختلفًا لهذه الخطوة؛ إذ يرى أن تقليل المساعدات المباشرة قد يكون جزءًا من محاولة لإعادة صياغة التحالف بدلًا من إنهائه.

فبدل أن تحصل إسرائيل على الدعم في صورة مساعدات مالية وعسكرية يمكن لأي إدارة أمريكية أن تؤخرها أو تعيد النظر فيها، تسعى إلى بناء روابط مؤسسية وصناعية وتكنولوجية طويلة الأمد تجعل استخدام المساعدات كأداة ضغط أكثر صعوبة.

إدخال التكنولوجيا الإسرائيلية في الجيش الأمريكي

وتتجاوز الاستراتيجية التعاون الاستخباراتي والمساعدات العسكرية، إذ تسعى إسرائيل، بحسب التقييم، إلى تعزيز وجود تقنياتها وقدراتها الاستخباراتية وأنظمة الأسلحة التي تطورها بصورة مشتركة داخل المنظومة العسكرية الأمريكية.

والهدف هو أن تصبح إسرائيل شريكًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا مهمًا للولايات المتحدة، بحيث يؤدي الاعتماد المتبادل في بعض المجالات الدفاعية إلى جعل التراجع عن التعاون أكثر كلفة وتعقيدًا.

وتوفر المادة 219 إطارًا رسميًا لهذا النوع من التكامل، من خلال تسهيل انتقال التقنيات من مراحل البحث والتطوير إلى برامج الشراء والتسليح الأمريكية، وتشجيع الإنتاج المشترك والشراكات بين الشركات الأمريكية والإسرائيلية.

تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل

وتأتي هذه الاستراتيجية في وقت يشهد فيه الموقف الشعبي الأمريكي تجاه إسرائيل تغيرًا واضحًا، خاصة منذ اندلاع الحرب في غزة.

ووفق استطلاع لمركز «Pew Research Center» أشار إليه التقييم، بلغت نسبة الأمريكيين الذين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل نحو 60% في أبريل 2026، مقارنة بـ53% قبل عام، مع تسجيل مواقف سلبية لدى أغلبية الأمريكيين الأصغر سنًا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تجاه إسرائيل ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

هذا التحول في الرأي العام يزيد مخاوف إسرائيل من أن تتغير السياسة الأمريكية تجاهها مستقبلًا مع تغير الإدارات والكونجرس والاتجاهات السياسية داخل الولايات المتحدة.

استمرار الجدل حول مستقبل التحالف

وفي سبتمبر 2026، طالبت عشرات منظمات الحقوق المدنية والمناصرة في الولايات المتحدة الكونجرس بإلغاء المادة 219 من قانون الدفاع، معتبرة أن تعميق التعاون العسكري والتكنولوجي مع إسرائيل يحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا في ظل تغير الرأي العام الأمريكي بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل.

في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أن التعاون مع إسرائيل يمكن أن يمنح الجيش الأمريكي وصولًا أسرع إلى تقنيات دفاعية متقدمة، خصوصًا في مجالات الدفاع الصاروخي والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

وبذلك، تعكس التطورات الحالية محاولة إسرائيل الانتقال من نموذج يعتمد بصورة أكبر على المساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة إلى نموذج يقوم على الاندماج العميق في منظومات الدفاع والتكنولوجيا والاستخبارات والصناعة الأمريكية، بما يهدف إلى حماية التحالف مع واشنطن من التحولات السياسية وتغير الإدارات وتراجع التأييد الشعبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى