تقارير

ارتدادات الحرب: كيف فجرت حرب إيران أزمة نفوذ أمريكي عالمي؟

كتبت: هدير البحيري

تواجه الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط اختبارًا هو الأعنف من نوعه منذ عقود، حيث لم تعد نيران المواجهة مع طهران تنحصر في جغرافية المنطقة، بل امتدت شظاياها لتضرب مفاصل النفوذ العالمي لواشنطن.

وفي وقت تصر فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب على أن سياسة “القوة” هي السبيل الوحيد لتحييد التهديد النووي الإيراني، تشير المعطيات على الأرض إلى تآكل متسارع في ثقة الحلفاء، وفجوات استراتيجية يهرع الخصوم، وعلى رأسهم الصين، لملئها، وسط مخاوف من “انفصال” أمريكي عن القواعد الدبلوماسية التقليدية.

ولم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى “هزة ارتدادية” ضربت استقرار التحالفات التاريخية العابرة للقارات.

فمنذ اندلاع المواجهات في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، بدأت نبرة “الاستقلالية” تتعالى حتى بين أقرب المقربين من واشنطن؛ حيث لم يعد الحديث في كندا عن “الشراكة الاستراتيجية” هو السائد، بل برزت لغة “التحوط” والبحث عن بدائل، تجسدت في تصريحات رئيس الوزراء مارك كارني الذي وصف التبعية الاقتصادية لجيرانهم بأنها “نقطة ضعف” لا يمكن الرهان عليها في ظل تقلبات الإدارة الحالية.

هذا الشرخ الدبلوماسي امتد ليشمل القارة الأوروبية، حيث تعزز الشعور بالخذلان لدى حلفاء الناتو الذين وجدوا أنفسهم يواجهون تداعيات حرب لم يستشاروا في قرار شنها.

وقد ترجم هذا الاستياء إلى خطوات عملية، حيث شرعت بريطانيا وفرنسا في قيادة مبادرات أمنية لحماية الملاحة في مضيق هرمز بمعزل عن التنسيق مع واشنطن، في إشارة واضحة إلى رغبة القوى الأوروبية في بناء “آلية دفاع جماعي” قادرة على العمل بشكل مستقل إذا ما استمرت واشنطن في نهج استعراض القوة العسكرية والاقتصادية بطرق يصفها دبلوماسيون بـ”العشوائية”.

وعلى صعيد الطاقة، أدى إغلاق مضيق هرمز والهجمات المتبادلة إلى شلل في حركة النقل العالمي، مما وضع الدول الآسيوية والأوروبية أمام كابوس “الركود التضخمي”.

وبينما تفاخرت واشنطن بكونها المنتج الأكبر للنفط والغاز، فإن هذا النفوذ الطاقي يبدو قصير الأجل؛ إذ بدأت الدول المتضررة من تقلبات الأسعار في تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية للهرب من “سطوة الوقود الأحفوري”.

وهنا يبرز الرابح الأكبر، الصين، التي تسيطر على سلاسل توريد الطاقة النظيفة، مما يمنح بكين فرصة ذهبية لتقديم نفسها كشريك اقتصادي مستقر ومستدام على أنقاض الفوضى التي خلفتها الحرب.

وفي غمرة هذه التحولات، يبدو أن “القوة الناعمة” للولايات المتحدة تعاني نزيفًا حادًا في المناطق ذات الحساسية الجيوسياسية؛ حيث تحذر تقارير دبلوماسية مسربة من تصاعد موجة العداء لأمريكا في دول مثل طاجيكستان وإندونيسيا وأذربيجان.

ففي هذه المناطق التي تقع على مفترق طرق النفوذ بين القوى الكبرى، يستغل الخصوم الغضب الشعبي الناتج عن تداعيات الحرب لإعادة صياغة السردية الإعلامية، مما يهدد أمن البعثات الدبلوماسية الأمريكية ويضعف من قدرة واشنطن على المنافسة في هذه الأسواق الحيوية على المدى الطويل.

التوترات مع إيران تضعف صورة واشنطن وتفتح الباب أمام أقطاب دولية منافسة

وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد المعقد، قال الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، في جامعة القاهرة إن السياسات الأمريكية خلال الفترة الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بدعمها المستمر لإسرائيل وتبنيها منطق القوة، إلى جانب مواقفها في فنزويلا وما يثار حول تجاوزات للقانون الدولي، أسهمت في تآكل الصورة الذهنية للولايات المتحدة كقوة كبرى تحترم النظام الدولي.

وأوضح سلامة، في حديث خاص لـ”داي نيوز” أن هذه التحولات لم تقتصر على التأثير الرمزي، بل امتدت لتضرب أحد أهم مرتكزات تماسك حلف شمال الأطلسي، والمتمثل في التوافق السياسي بين أعضائه، سواء في القضايا الدولية أو في إدارة الصراعات العسكرية.

وأشار سلامة إلى أن المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كشفت عن تصدعات واضحة داخل الحلف، وأسهمت في تراجع الهيبة الأمريكية، خاصة في ظل ما وصفه بـ”صمود إيراني لافت” استمر لأسابيع، دون أن تحقق واشنطن أهدافها المعلنة.

وأضاف أن هذه التطورات أثارت تساؤلات حول مصداقية الخطاب الأمريكي الذي يروج لامتلاك “أقوى جيش في العالم”، معتبرًا أن بعض التحليلات باتت تشبه الوضع الحالي بما حدث خلال حرب فيتنام، من حيث الاستنزاف والتعقيد الاستراتيجي.

تآكل الثقة داخل الناتو

وأكد سلامة أن هذه المعطيات انعكست سلبًا على ثقة الحلفاء في تماسك الناتو، بل وأثارت شكوكًا حول جدواه وقدرته على أداء مهامه، خاصة مع تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من بريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، خلال إدارة الأزمة.

ولفت إلى أن الحديث عن احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، أو حدوث انقسامات حادة داخله، لم يعد مستبعدًا كما كان في السابق، ما يضع مصداقية الحلف أمام اختبار حقيقي.

الصين وروسيا.. الرابحان في ظل الفوضى

وأضاف سلامة أن قوى دولية كبرى، على رأسها روسيا والصين، ستسعى إلى استثمار حالة الانقسام داخل المعسكر الغربي.

وأوضح أن موسكو قد توظف هذه الحالة لتعزيز موقعها في صراعها مع أوكرانيا، وإبراز قدرتها على الصمود رغم الدعم الغربي لكييف، وهو ما يعزز صورتها كقوة دولية قادرة على مواجهة الضغوط.

أما الصين، فيرى سلامة أنها تمتلك فرصة أكبر لتعزيز حضورها كمنافس اقتصادي وتكنولوجي للولايات المتحدة، خاصة في ظل محاولات واشنطن فرض قيود عليها، فضلًا عن مصالحها المرتبطة بالطاقة، بما في ذلك النفط الإيراني.

مضيق هرمز وسلاح الجغرافيا

وأكد أن التوترات ترتبط بشكل مباشر بأهمية مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية والطاقة.

وأشار سلامة إلى أن جميع الأطراف، بما فيها إيران والولايات المتحدة، تورطت في ممارسات تتعارض مع القانون الدولي، سواء عبر تهديد الملاحة أو فرض قيود اقتصادية، ما يزيد من تعقيد المشهد.

ووصف المضيق بأنه “ورقة ضغط ذهبية” بيد إيران، تستخدمها في التفاوض، مستفيدة من موقعها الجغرافي، فيما تحاول الولايات المتحدة تقليل هذه الأهمية وتحويلها إلى عبء على طهران.

تداعيات اقتصادية عالمية

ونوه سلامة إلى أن الأزمة ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، حيث شهدت أسعار الطاقة والمواد الغذائية والأسمدة ارتفاعات ملحوظة، خاصة في أوروبا، ما دفع بعض الدول إلى التفكير في ترتيبات دفاعية لضمان أمن الملاحة.

سيناريوهات محتملة

وحول السيناريوهات المستقبلية، رجح سلامة إمكانية التوصل إلى صفقة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل امتلاك الطرفين أدوات ضغط متبادلة.

وأوضح سلامة أن مثل هذه الصفقة قد تتيح لواشنطن تحقيق مكاسب سياسية داخلية، بينما تمنح طهران فرصة لإنعاش اقتصادها عبر رفع العقوبات وتدفق الاستثمارات، ما قد يعيدها بقوة إلى المشهد الإقليمي.

وأشار إلى أن هذا السيناريو يعكس طبيعة الحروب غير المتكافئة، التي قد يخرج منها الطرف الأضعف بمكاسب استراتيجية.

تحذير عربي

واختتم سلامة بالتأكيد على ضرورة الانتباه العربي لأي تسويات محتملة، محذرًا من أن تتم صفقات خلف الكواليس على حساب الأمن القومي العربي.

وشدد على أهمية بناء موقف عربي موحد، يستند إلى القدرات الذاتية والتكامل في المجالات الاقتصادية والعسكرية، بما يضمن تحقيق الردع والحفاظ على الاستقرار، دون الانجرار إلى صراعات هجومية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى