ليالي الرد على إسقاط الأباتشي.. إلى أين تتجه المواجهة؟

كتبت/ منار حجاج
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المؤشرات على اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أعادت التطورات الأخيرة، وعلى رأسها إسقاط المروحية الأباتشي الأمريكية، طرح تساؤلات جديدة بشأن مستقبل الصراع وحدود التصعيد المحتمل.
وبينما تتبادل الأطراف رسائل القوة والردع، تتجه الأنظار إلي طبيعة الرد الأمريكي المرتقب، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة مفتوحة أم أن لغة التهديد ستظل أداة للضغط السياسي وتحسين شروط التفاوض.
وفي هذا السياق يوضح الدكتور محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية، أن التصريحات الأمريكية الأخيرة تعكس تحولًا لافتًا في طبيعة التعاطى مع إيران، بما قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط
يقول د. محمد محسن: “إن تحليل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توجيه ضربة واسعة لإيران أو السيطرة على منشآت نفطية إيرانية، يقتضي النظر إلى تلك التصريحات باعتبارها مؤشرا سياسياً واستراتيجياً بالغ الخطورة، نظراً لأن مثل هذا التوجه يمثل خروجاً عن الأطر التقليدية للسياسة الأمريكية تجاه إيران منذ عام 1979″.
انعكاسات تهديد ترامب
ويوضح أبو النور: “لعل هذا التصريح، يحمل دلالة تتجاوز سياسة الاحتواء والردع التقليدية التي اتبعتها واشنطن لعقود، لينتقل إلى منطق استهداف مصادر القوة الاقتصادية الإيرانية بشكل مباشر، فالسياسة الأمريكية السابقة ركزت على العقوبات الاقتصادية، والعزل الدبلوماسي، والضغوط العسكرية المحدودة، دون الإعلان عن نية السيطرة على الأصول السيادية الإيرانية.
وعليه، فإن الحديث عن الاستيلاء على منشآت النفط والغاز يشير إلى احتمال انتقال واشنطن من هدف تعديل السلوك الإيراني إلى هدف إضعاف الدولة الإيرانية اقتصاديًا وتقليص قدرتها على تمويل سياساتها الإقليمية، كما يعكس توجهًا نحو استخدام القوة العسكرية لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية مباشرة، وهو ما قد يُفسَّر في طهران باعتباره تهديداً لبنية النظام وليس فقط لسياسته الخارجية.
حول المفاوضات
ويتابع الخبير في الشأن الإيراني: “لا يمكن الجزم بأن واشنطن تخلت نهائيًا عن المسار التفاوضي، إذ إن الإدارة الأمريكية غالباً ما تستخدم التصعيد العسكري والتهديد بالقوة كأداة لتحسين شروط التفاوض.
ومن هذا المنظور، قد يكون التصعيد جزءاً من استراتيجية “الضغط الأقصى” الهادفة إلى دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في الملفات النووية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن تجاوز الضغوط التقليدية إلى تهديد الأصول النفطية الإيرانية قد يؤدي عمليًا إلى تقويض فرص التفاوض، لأن القيادة الإيرانية قد تنظر إلى الأمر باعتباره محاولة لفرض الاستسلام السياسي وليس التوصل إلى تسوية متوازنة.
وبالتالي، فإن نجاح هذه الإستراتيجية أو فشلها يعتمد على حجم التهديد ومدى استعداد واشنطن لتحويله إلى عمل عسكري مستدام يفضي لإجبار النظام على تقديم تنازلات في إسلام آباد.
احتمالات الرد الإيراني
ويشير ابو النور إلى أن : “من المرجح أن تتبنى إيران إستراتيجية رد متعددة المستويات تجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
عسكريًا، قد تلجأ إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة بصورة مباشرة، كما قد تستخدم قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة لرفع تكلفة أي عمل عسكري ضدها.
سياسيًا، ستسعى إلى حشد دعم دولي وإقليمي عبر تصوير الخطوة الأمريكية باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي ولسيادة الدول.
اقتصاديًا، يمكن أن تستخدم أوراق الضغط المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز.
أما على المستوى الإقليمي، فمن المرجح أن تزداد وتيرة تحركات حلفائها وشركائها في عدد من ساحات الشرق الأوسط بهدف توسيع نطاق الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها وإظهار أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية”.
موقف إسرائيل
ويستكمل محسن أبو النور: “من المرجح أن تنظر إسرائيل إلى أي تصعيد أمريكي ضد إيران باعتباره فرصة استراتيجية لإضعاف القدرات الإيرانية، وتفويض مسار إسلام آباد، خاصة إذا استهدف البنية الاقتصادية أو العسكرية المرتبطة ببرنامجها النووي والصاروخي.
وقد تسعى تل أبيب إلى تنسيق أكبر مع واشنطن في المجالات الاستخباراتية والعسكرية، وربما تستغل انشغال إيران بالتصعيد الأمريكي لتوسيع عملياتها ضد الأهداف الإيرانية أو ضد شبكات النفوذ الإقليمي المرتبطة بطهران.
في المقابل، ستبقى إسرائيل في حالة تأهب مرتفع تحسباً لاحتمال تعرضها لردود إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، ما قد يدفعها إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي والاستعداد لسيناريوهات مواجهة متعددة الجبهات”.
التأثير المحتمل على مصر
ويختتم الخبير في الشأن الإيراني حديثه قائلًا: “أي تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإيران ستكون له انعكاسات غير مباشرة على مصر، خاصة من الناحية الاقتصادية والأمنية.
فمن المرجح أن يؤدي اضطراب أسواق الطاقة العالمية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والتضخم، كما أن أي تهديد للملاحة في البحر الأحمر أو الممرات البحرية الإقليمية قد يؤثر على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس.
وعلى الصعيد الأمني، ستتابع القاهرة التطورات بحذر نظرًا لاحتمال اتساع دائرة التوتر الإقليمي وانعكاساته على استقرار الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، قد تسعى مصر إلى دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، انطلاقًا من مصلحتها في الحفاظ على استقرار المنطقة وتجنب انزلاقها إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق”.



