معجون الطماطم لمدة 3 أشهر.. تجربة تكشف تغيرات في وظائف الدماغ

أظهرت تجربة سريرية جديدة أن تناول معجون الطماطم يوميًا لمدة ثلاثة أشهر قد يرتبط بتحسين بعض القدرات الإدراكية وإحداث تغييرات في طريقة تواصل شبكات الدماغ، في نتائج أولية تشير إلى احتمال وجود دور لمركب الليكوبين، أحد أبرز مضادات الأكسدة الموجودة في الطماطم.
وأجرى باحثون في إسبانيا تجربة على 42 شخصًا بالغًا في منتصف العمر، بهدف معرفة ما إذا كان تناول الطماطم يمكن أن يؤثر في الوظائف الإدراكية والاتصال الوظيفي للدماغ.
وخلال التجربة، تناول المشاركون نحو 35 جرامًا من معجون الطماطم يوميًا لمدة ثلاثة أشهر. وأظهرت الاختبارات المعرفية بعد هذه الفترة تحسنًا في الانتباه الانتقائي، إلى جانب زيادة بسيطة في القدرة على تذكر المعلومات المرتبطة ببعضها.
ولم يعتمد الباحثون على الاختبارات السلوكية فقط، إذ خضع جزء أصغر من المشاركين لفحوصات للدماغ. وشملت مجموعة التصوير 14 مشاركًا، وأظهرت النتائج تغيرات أولية في أنماط الاتصال بين عدد من شبكات الدماغ واسعة النطاق.
ويعتقد أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتائج يرتبط بالليكوبين، وهي صبغة حمراء قوية مضادة للأكسدة موجودة بكميات كبيرة في الطماطم، ويمكنها الوصول إلى الدماغ عبر الحاجز الدموي الدماغي، ما يثير اهتمام الباحثين بشأن قدرتها المحتملة على التأثير في الالتهاب العصبي ووظائف الدماغ.
وقبل بدء التجربة، طُلب من المشاركين تجنب الأطعمة الغنية بالليكوبين، مثل الطماطم والبطيخ والبابايا والجريب فروت والجوافة، لمدة أسبوع.
بعد ذلك، خضع المشاركون لنظامين غذائيين، أحدهما يعتمد على تناول معجون الطماطم، والآخر منخفض المحتوى من الليكوبين. واستمر كل نظام لمدة ثلاثة أشهر، مع وجود فترة توقف مدتها شهر واحد بين المرحلتين، بهدف تقليل تأثير النظام الغذائي السابق قبل الانتقال إلى النظام الآخر.
وأظهرت تحاليل الدم بعد اتباع النظام الغني بالطماطم ارتفاعًا واضحًا في مستويات الليكوبين لدى المشاركين، كما لاحظ الباحثون ارتفاعًا محدودًا أو قريبًا من الدلالة الإحصائية في مستويات بروتين يسمى BDNF، وهو بروتين يرتبط بنمو الخلايا العصبية ووظائف الدماغ والمرونة العصبية.
أما فحوصات الدماغ، فقد أظهرت تغيرات في الاتصال أثناء حالة الراحة داخل عدد من الشبكات العصبية. وعند اتباع النظام الغني بالليكوبين، انخفض الاتصال في بعض المناطق المرتبطة بالشبكتين الجبهية الجدارية والسمعية، بينما ظهر انخفاض في الاتصال داخل شبكة الانتباه الظهرية عند اتباع النظام منخفض الطماطم.
ويرى الباحثون أن هذه التغيرات قد تعكس نوعًا من إعادة تنظيم شبكات الدماغ، وربما تساعد على جعل الاتصال العصبي أكثر كفاءة ومرونة من خلال تقليل بعض الاتصالات غير الضرورية بين الشبكات.
لكن العلماء يحذرون من تفسير النتائج باعتبارها دليلًا قاطعًا على أن تناول الطماطم يحسن صحة الدماغ. فجزء التصوير العصبي من الدراسة كان صغيرًا جدًا، كما أن بعض النتائج ظهرت باستخدام معيار إحصائي غير مصحح، ما يجعلها بحاجة إلى التحقق من خلال دراسات أكبر.
كما أن التجربة لم تكن مزدوجة التعمية؛ فقد كان المشاركون والباحثون يعرفون النظام الغذائي الذي يتبعه كل شخص. وبالتالي، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون وعي المشاركين بنوع الطعام الذي يتناولونه قد أثر بطريقة ما في الدافعية أو الأداء خلال الاختبارات المعرفية.
وتتفق النتائج بصورة عامة مع بعض الدراسات السابقة. فقد أشارت تجربة أولية على كبار السن إلى أن تناول منتج من الطماطم غني بالكاروتينات لمدة ثمانية أسابيع ارتبط بتحسن سرعة معالجة المعلومات والانتباه والذاكرة العاملة مقارنةً بمجموعة تلقت علاجًا وهميًا.
كما وجدت دراسة أخرى استمرت خمسة أسابيع أن مشروبًا يحتوي على مسحوق التوت والطماطم ساعد في تحسين الذاكرة العاملة لدى كبار السن، لكنها لم تجد تحسنًا واضحًا في الانتباه الانتقائي.
ومع ذلك، لا يستطيع الباحثون تحديد ما إذا كان الليكوبين وحده هو المسؤول عن التأثيرات التي ظهرت، فالطماطم تحتوي على مجموعة واسعة من مضادات الأكسدة والفيتامينات والمركبات النباتية الأخرى التي يمكن أن تساهم في النتائج.
كما ارتبطت مستويات الليكوبين في بعض الدراسات التي أجريت على البشر والحيوانات بانخفاض مخاطر الإصابة بأمراض مختلفة، من بينها بعض أنواع السرطان وأمراض القلب والكبد، لكن هذه الارتباطات لا تثبت أن الليكوبين أو تناول الطماطم هو السبب المباشر في الوقاية من هذه الأمراض.
ومن النقاط اللافتة أن الطهي لا يعني بالضرورة فقدان الليكوبين؛ بل قد يجعل هذا المركب أكثر سهولة في الامتصاص.
فعند تسخين الطماطم، تتحلل جدران الخلايا النباتية، ما يساعد الجسم على الوصول إلى الليكوبين الموجود داخلها. ولهذا يمكن أن تكون منتجات الطماطم المطبوخة، ومنها معجون الطماطم، مصدرًا جيدًا لهذا المركب.
ورغم النتائج المشجعة، يؤكد الباحثون أن الأمر لا يزال في مرحلة مبكرة، وأن هناك حاجة إلى تجارب أكبر وأكثر مدة لمعرفة ما إذا كانت التغيرات التي ظهرت في الدماغ تستمر مع الوقت، وما إذا كانت تؤدي بالفعل إلى فوائد إدراكية مهمة من الناحية الصحية.
وبالتالي، لا تثبت الدراسة أن تناول معجون الطماطم لمدة ثلاثة أشهر سيؤدي حتمًا إلى تحسين الذاكرة أو تغيير الدماغ لدى الجميع، لكنها تقدم دليلًا أوليًا مثيرًا للاهتمام على احتمال وجود علاقة بين تناول الطماطم، ومستويات الليكوبين في الجسم، وبعض التغيرات في أداء الدماغ واتصاله الداخلي.



