اقتصاد وتكنولوجيا

روبوتات ميتا تقترب من مراكز البيانات.. هل تهدد وظائف آلاف العاملين؟

تختبر شركة «ميتا» روبوتات متطورة داخل مراكز البيانات التابعة لها، في خطوة قد تغير مستقبل تشغيل هذه المنشآت التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من الفنيين والعمال المتخصصين.

وتشمل التجارب روبوتات تستطيع تنفيذ مهام كانت تعتمد حتى الآن على العاملين، مثل توصيل كابلات الشبكات، وإعادة تشغيل الخوادم، وقطع التيار عنها، وإعادة تثبيت بعض المكونات، إلى جانب عمليات فحص وصيانة أخرى.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تنفق فيه ميتا مليارات الدولارات على توسيع البنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يدفعها إلى البحث عن وسائل لزيادة كفاءة مراكز البيانات وتقليل تكاليف تشغيلها على المدى الطويل.

روبوتات من عدة شركات

تستخدم ميتا في تجاربها معدات وروبوتات من شركات مختلفة، من بينها واتني روبوتيكس، وكينوفا، وإيه بي بي.

وتختبر الشركة، من بين أمور أخرى، ذراعًا روبوتية من الجيل الثالث لشركة كينوفا يمكن استخدامها لإعادة تشغيل الخوادم أو فصل الكهرباء عنها.

كما يجري اختبار روبوتات مخصصة للتعامل مع كابلات الشبكات، وهي من المهام التي تتطلب عادة تدخل الفنيين داخل مراكز البيانات.

ويرى أحد العاملين المطلعين على التجارب أن نجاح هذا النوع من الروبوتات يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى تنفيذ نسبة كبيرة جدًا من المهام التي يقوم بها الموظفون حاليًا.

روبوتات تضغط زر التشغيل

لا تقتصر الأتمتة داخل مراكز بيانات ميتا على الروبوتات المعقدة.

ففي بعض المنشآت، تستخدم الشركة روبوتًا صغيرًا وبسيطًا يشبه الإصبع أو العصا، وظيفته الضغط على زر التشغيل في أجهزة مثل أجهزة «ماك ميني» لإعادة تشغيلها عن بُعد.

ويكشف هذا الاستخدام عن توجه ميتا إلى أتمتة حتى المهام الصغيرة والمتكررة التي تتطلب حاليًا إرسال موظف إلى الجهاز لتنفيذها.

ميتا تنفي أنها تستعد للاستغناء عن العمال

لم تعلن ميتا رسميًا عن خطة لاستبدال موظفي مراكز البيانات بالروبوتات، كما رفضت الشركة التعليق على التجارب المحددة.

وأكدت الشركة في المقابل أنها تستثمر بكثافة في تدريب وتوظيف العمال اللازمين لبناء وتشغيل مراكز البيانات، مشيرة إلى وجود نقص كبير في العمالة الماهرة.

وترى ميتا أن التوسع الهائل في البنية التحتية داخل الولايات المتحدة يحتاج إلى المزيد من العمال، وليس تقليل أعدادهم.

لكن تصريحات سابقة لمسؤول في قسم الروبوتات بالشركة أظهرت أن استخدام الروبوتات داخل مراكز البيانات يمثل هدفًا طويل الأجل، خصوصًا لتسريع التعامل مع الأعطال، ومراقبة الظروف البيئية، وتنفيذ أعمال الصيانة الوقائية.

لماذا أصبحت الروبوتات أكثر ملاءمة الآن؟

حتى وقت قريب، لم تكن الروبوتات مناسبة بشكل كبير للمهام الدقيقة داخل مراكز البيانات.

فالمعدات كانت مكلفة، كما واجهت تجارب سابقة مشكلات أثناء تنفيذ عمليات بسيطة، وصلت في بعض الحالات إلى إتلاف الخوادم بدلًا من إصلاحها.

لكن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أدى إلى تحسين قدرة الروبوتات على فهم البيئة المحيطة بها وتنفيذ المهام المعقدة.

وفي الوقت نفسه، انخفضت تكلفة بعض مكونات الروبوتات، ما جعل استخدامها على نطاق أوسع داخل المنشآت الصناعية أمرًا أكثر واقعية.

وتعمل شركات ناشئة حاليًا على تطوير روبوتات تستطيع تجميع الخوادم، واستبدال القطع التالفة، وتغيير الأسلاك وتنفيذ أعمال صيانة مختلفة.

توفير العمالة في المناطق النائية

يمكن للروبوتات أن توفر للشركات ميزة اقتصادية خاصة في المناطق التي تنتشر فيها مراكز البيانات بينما يصعب العثور على عدد كافٍ من الفنيين المؤهلين.

فالروبوت يستطيع العمل بصورة متكررة ومنتظمة، دون الحاجة إلى ظروف العمل البشرية نفسها، كما يمكنه تنفيذ بعض المهام الخطرة أو المملة دون تعريض العاملين لها.

ويرى مؤيدو هذه التقنية أن الهدف ليس بالضرورة إلغاء الوظائف، وإنما نقل العاملين من المهام الروتينية إلى أعمال أكثر تعقيدًا تتطلب التفكير والتحليل واتخاذ القرارات.

لكن العاملين في مراكز بيانات ميتا يخشون من أن يؤدي التطور في النهاية إلى تقليل عدد الوظائف المتاحة أو خفض مستوى المهارات المطلوبة لبعض الوظائف.

مخاوف من تحول العامل إلى «يد ذكية»

يشعر بعض موظفي ميتا بالقلق من أن يؤدي دمج الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلى تغيير طبيعة العمل نفسها.

وبدلًا من توظيف فني قادر على تشخيص الأعطال وإيجاد حلول مبتكرة، قد تتجه الشركات إلى توظيف عمال أقل تكلفة تكون مهمتهم الأساسية تنفيذ التعليمات التي توفرها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ويخشى بعض الموظفين من أن تصبح الوظيفة مقتصرة على تنفيذ إجراءات محددة بدقة، بدلًا من الاعتماد على الخبرة الفنية والقدرة على حل المشكلات.

وهذا يعني أن تأثير الروبوتات قد لا يظهر فقط في عدد الوظائف، وإنما أيضًا في نوعية المهارات المطلوبة ومستويات الأجور.

ألتونا.. مختبر ميتا للروبوتات

تستخدم ميتا مركز البيانات الضخم في ألتونا بولاية آيوا كأحد المواقع التي تختبر فيها تقنيات جديدة قبل توسيع استخدامها في منشآت أخرى.

وتعمل الشركة هناك منذ سنوات على تجربة تقنيات الأتمتة، ويقول مسؤولون محليون إن التقنيات التي تنجح في ألتونا يمكن أن تنتقل لاحقًا إلى مواقع أخرى تابعة للشركة.

ومنذ يونيو الماضي، تختبر ميتا روبوتين مزودين بذراعين لتنفيذ بعض أعمال توصيل الكابلات داخل أحد مباني المركز.

ولا يزال الروبوتان تحت إشراف البشر ولا يستطيعان العمل بالسرعة نفسها التي يعمل بها الفنيون، لكن التجارب أظهرت إمكانية تطوير هذه القدرات مستقبلًا.

روبوتات أخرى في أوهايو

تختبر ميتا أيضًا روبوتات إضافية في حرم مراكز البيانات الجديد في نيو ألباني بولاية أوهايو.

وتستخدم هناك روبوتات ذات أربع عجلات مزودة بمنصة رفع وذراع متعددة المحاور من إنتاج شركة «إيه بي بي».

وتستطيع هذه الروبوتات إعادة تثبيت بعض المكونات، مع إمكانية توسيع نطاق المهام التي تنفذها لاحقًا وتقليل مستوى التدخل البشري المطلوب.

روبوتات النقل موجودة بالفعل

بدأت ميتا استخدام الروبوتات داخل مراكز البيانات قبل التجارب الحالية بسنوات.

ففي عام 2023، كشفت الشركة عن روبوت ذاتي القيادة مهمته نقل رفوف الخوادم الثقيلة داخل مراكز البيانات.

كما طورت روبوتًا بعجلات مزودًا بكاميرا وقارئ للرموز الشريطية، بهدف تتبع المخزون والمعدات.

وتعمل هذه الروبوتات بالفعل في عدد من مراكز بيانات ميتا، من بينها منشآت في آيوا وفيرجينيا.

لكنها لا تزال تعاني من قيود

رغم نجاح بعض الروبوتات في أداء مهام محددة، فإنها لم تصل بعد إلى مستوى يسمح لها بالعمل بصورة مستقلة تمامًا.

فالروبوت المخصص لفحص المعدات، على سبيل المثال، يواجه صعوبة في التمييز بين بعض أضواء المؤشرات بسبب محدودية نظام الكاميرا، ما يجعل التدخل البشري ضروريًا في بعض حالات الأعطال.

كما يواجه صعوبات في تجاوز الزوايا والكابلات المنتشرة على الأرض، وهي مشكلة مهمة داخل مراكز البيانات.

وتحتاج بعض الروبوتات أيضًا إلى تدخل بشري لفتح الأبواب ونقلها بين المباني.

السرعة وعمر البطارية مشكلة أخرى

يشكو بعض العاملين من أن الروبوتات الحالية بطيئة مقارنة بالبشر، كما تحتاج إلى التوقف لإعادة شحن بطارياتها.

وهذا يمثل عائقًا أمام استخدامها في المهام التي تتطلب سرعة كبيرة أو استجابة فورية للأعطال.

وكانت ميتا قد درست في السابق إمكانية استخدام الطائرات المسيّرة لتنفيذ بعض عمليات الفحص بسرعة أكبر، لكنها لم تمضِ قدمًا في هذا الاتجاه.

الكابلات تمثل اختبارًا صعبًا

تظل عمليات توصيل الكابلات من أكثر المهام تعقيدًا بالنسبة إلى الروبوتات.

وتحتاج أجهزة الحوسبة العملاقة الحديثة، ومنها الأنظمة المستخدمة في تشغيل الذكاء الاصطناعي، إلى كميات هائلة من الكابلات التي تم تصميمها تاريخيًا بحيث يتعامل معها الإنسان بسهولة.

ويؤكد عاملون سابقون أن إعادة تصميم البنية التحتية لتصبح أكثر ملاءمة للروبوتات ستحتاج إلى وقت.

وهذا يعني أن الانتقال إلى مراكز بيانات تعمل بصورة شبه مستقلة لن يحدث بين ليلة وضحاها.

شركات التكنولوجيا تتجه إلى المسار نفسه

لا تقتصر التجارب على ميتا.

فشركات تقنية كبرى مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون تبحث أيضًا في استخدام الروبوتات داخل مراكز البيانات لتنفيذ عمليات الصيانة ونقل المعدات وإعادة تدوير المكونات وأتمتة بعض المهام.

وتشير هذه التحركات إلى ظهور اتجاه صناعي أوسع نحو تحويل مراكز البيانات من منشآت تعتمد بشكل كبير على العمالة البشرية إلى بيئات أكثر اعتمادًا على الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

الروبوتات قد تفتح الباب لمراكز بيانات في أماكن غير مأهولة

على المدى البعيد، قد يكون الهدف من الأتمتة أكبر من مجرد خفض تكاليف العمالة.

فإذا أصبحت الروبوتات قادرة على تشغيل مراكز البيانات وإجراء عمليات الصيانة دون وجود بشري مستمر، فقد يصبح من الممكن بناء منشآت في بيئات يصعب على الإنسان العمل فيها.

وقد يشمل ذلك مراكز بيانات تحت الماء أو في الفضاء أو في مناطق شديدة الحرارة أو غير ملائمة للحياة البشرية.

وتزداد أهمية هذا السيناريو مع تطور ما يسمى بالروبوتات ذات «الذكاء المادي»، التي تجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي والقدرة على التفاعل مع العالم الحقيقي.

مستقبل الوظائف لا يزال غير محسوم

ورغم المخاوف المتزايدة، لا توجد حتى الآن أدلة على أن الروبوتات أصبحت قادرة على استبدال جميع العاملين في مراكز البيانات.

فالكثير من المهام ما زال يتطلب خبرة بشرية، خصوصًا عمليات التشخيص المعقدة وإصلاح المشكلات غير المتوقعة والتعامل مع البنية التحتية التي لم تُصمم أصلًا للروبوتات.

كما أن ميتا نفسها أعلنت عن برامج لتدريب آلاف الأشخاص سنويًا على أعمال الكهرباء والميكانيكا والسباكة، إلى جانب برامج تدريب مهني بالتعاون مع نقابات عمالية.

لكن التطورات الحالية تشير بوضوح إلى أن طبيعة الوظائف داخل مراكز البيانات مرشحة للتغير.

فمع تطور الروبوتات والذكاء الاصطناعي، قد تنتقل الوظيفة تدريجيًا من العمل اليدوي المباشر إلى الإشراف على الآلات وإدارة الأنظمة وحل المشكلات الأكثر تعقيدًا.

وبينما تراهن شركات التكنولوجيا على أن الأتمتة ستعالج نقص العمالة وتزيد الكفاءة، يخشى العاملون من أن تكون النتيجة النهائية هي تقليل الحاجة إلى بعض الوظائف أو تحويلها إلى وظائف أقل مهارة وأجرًا.

والسؤال الأكبر الذي تطرحه تجربة ميتا لم يعد ما إذا كانت الروبوتات ستدخل مراكز البيانات، بل إلى أي مدى ستتمكن من القيام بالعمل الذي كان يعتمد على الإنسان، وماذا سيبقى للعامل البشري عندما تصبح الآلة قادرة على تنفيذ الجزء الأكبر من المهام اليومية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى