مضيق هرمز بعد الحرب.. هل تغيرت قواعد الملاحة؟

كتبت/ منار حجاج
لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية، بل امتدت تداعياتها إلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فمع تصاعد التوترات في الخليج، عاد مضيق هرمز يحتل موقعًا محوريًا في المشهد الدولي، وسط مخاوف من تعطل الملاحة وارتباك أسواق الطاقة العالمية.
ورغم انحسار حدة المواجهات، فإن تداعيات الأزمة لا تزال تفرض نفسها على حركة التجارة، وتثير تساؤلات بشأن مستقبل أمن الملاحة في المضيق، وإمكانية تغير قواعد العبور وسياسات تأمين السفن خلال المرحلة المقبلة.
شريان الطاقة العالمي
وفي هذا السياق يقول إسلام المراغي، المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية: كشفت أزمة إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران وحلفاؤها من جانب أخر، الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية للمضيق، ليس باعتباره الشريان الحيوي الأبرز لحركة الطاقة العالمية أو كممر تجاري، ولكن كمحور لتوازنات القوى وصناعة القرار الدولي.
فمن ناحية أدت الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الدولية وتوقف إمدادات النفط والغاز المسال، ما نتج عنه اضطراب أسواق الطاقة وخدماتها عالميًا بدرجة أوسع، أضرت بكافة الشعوب حتى البعيدة عن المنطقة، ودفعت الدول للبحث عن سياسات بديلة لترشيد استخدامات الطاقة ضمن خياراتها للتكيف مع نتائج الأزمة.
كما أسهمت الأزمة في ارتفاع تكلفة التأمين البحري وأجور طواقم السفن (رفعت أجورها بنسبة 100%) وتكلفة الوقود، وإيجارات السفن، فقد ارتفعت تكلفة التأمين على السفن والتي كانت تتراوح لناقلة النفط متوسطة الحجم ما بين 0.25% – 0.50% من قيمة السفينة، قفزت إلى ما يتجاوز 7.5% من قيمة السفينة.
تباين دولي
ويتابع إسلام المراغي، ومن جهة أخرى؛ أعادت الأزمة رسم خريطة التفاعلات الإقليمية والدولية، وأبرزت حجم الخلاف الدولي بشأن سياسات التعامل معها.
ففي حين سعت الولايات المتحدة لحشد حلفاؤها الأوروبيين وفي المنطقة لإطلاق عملية عسكرية “مشروع الحرية” لفتح المضيق بالقوة ومرافقة السفن، ظهرت تباينات في مواقف الحلفاء الذي فضل كثير منهم عدم المشاركة وتفضيل سياسات أخرى لاحتواء الأزمة.
وهو ما أثر على مستقبل تلك العملية، كذلك فضلت بعض الدول فتح قنوات تواصل مع طهران مثل الهند وكوريا الجنوبية لعبور سفنها مع بداية الأزمة.
ملاحة تحت المراقبة
ويواصل الباحث، لم تشهد قواعد تأمين الملاحة الدولية المنصوص عليها في القانون الدولي تغييرا بفعل الأزمة، ولكن ما جرى هو تغيير في بعض السياسات الحمائية والبديلة.
كفرض مسارات عبور جديدة واستخدام ممرات بحرية محددة، مع بروز تصاعد عمليات التفتيش والاعتراض من قبل الأطراف المتنازعة، وتشويش الـ (GNSS) حيث تواجه السفن تشويشاً مستمراً وتزييفاً لإشارات تحديد المواقع (GPS/GNSS).مما فرض على الأطقم البحرية الاعتماد على وسائل ملاحية تقليدية بديلة لضمان سلامة العبور.
استجابة حذرة
ويرى المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية أن القوى الدولية والإقليمية تعاملت مع أزمة مضيق هرمز باستراتيجية حذرة ثنائية الأبعاد؛ ركزت في شقها الداخلي على استيعاب التداعيات الاقتصادية واحتواء آثارها.
بينما نشطت في شقها الخارجي عبر توظيف الضغوط الدبلوماسية وقنوات التفاوض لإقناع إيران بفتح المضيق، بالتوازي مع السعي لبناء تحالفات دولية داعمة لسلامة الملاحة.
وفي هذا السياق، تجلى الحذر الغربي في إعلان الأوروبيين عن عملية مؤجلة لإزالة الألغام لما بعد انتهاء الصراع تجنبًا للانزلاق إلى الحرب، في حين اتجهت قوى أخرى بشكل متسارع نحو تأمين بدائل وممرات نقل مرنة لتجاوز الاعتماد على هذا الشريان الملاحي المضطرب.
رهان البدائل
ويشير المراغي إلى أن هناك تأثيرات مباشرة لأزمة المضيق للاعتماد على ممرات بحرية بديلة، والحق أن هذا التوجه سبق هذه الأزمة.
حيث منذ سنوات ظهرت ما يمكن تسميته “معركة الممرات الاستراتيجية” لربط الشرق بالغرب وكطرق متنافسة لنقل الطاقة والتجارة العالمية، سواء عبر تطوير ممرات برية وبحرية إقليمية تربط بين آسيا وأوروبا، مثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا أو مثل ممر التنمية الذي يربط العراق بتركيا، أو ممرات دولية مثل ممر القطب الشمالي.
ومع تفاقم الأزمة في المضيق، برزت مساعي لإنشاء ممرات برية جديدة لنقل الطاقة تربط منطقة الخليج العربي بالبحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على إيجاد مسارات جديدة لخطوط أنابيب الطاقة تتجاوز مضيق هرمز.
ومنها قيام الإمارات بإنشاء خط أنابيب جديد من شأنه مضاعفة قدرتها على تصدير النفط بعيدًا عن مسار مضيق هرمز، كما تُجرى مناقشات أولية لإعادة إحياء مقترح خط أنابيب يربط العراق بميناء العقبة الأردني، بالإضافة إلى مشروعات أخرى قد توفر للكويت وقطر والبحرين منافذ بديلة لتصدير النفط والغاز.
تداعيات مستمرة
ويري إسلام المراغي، أنه من المرجح استمرار التداعيات الاقتصادية لأزمة المضيق على المديين المتوسط والبعيد، حتى في حال استقرار الوضع في المنطقة، مما يعني استمرار اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار والتضخم، فيما ستترك أثرًا على حرية التجارة العالمية.
وذلك بدفع الدول للبحث عن ممرات أكثر أمنًا وأقل تكلفة، مما يعني زيادة التنافسية بين الممرات المختلفة، وزيادة الأعباء على دول المرور البحري لرفع كفاءة وطاقة وجودة الخدمات المرورية البحرية أو البرية.



