من يتحكم في مضيق هرمز؟.. بند غامض يشعل الخلاف بين واشنطن وطهران

أعاد الخلاف حول تفسير أحد بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو الماضي التوتر إلى مضيق هرمز، بعدما أدى اختلاف تفسير الطرفين لنص الاتفاق إلى انهيار التهدئة واستئناف التصعيد العسكري في المنطقة.
وتشير تقارير وتحليلات أمريكية إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في البند الخامس من المذكرة، الذي ينص على أن إيران ستبذل “أفضل جهودها” لضمان المرور الآمن للسفن التجارية لمدة 60 يومًا، دون تحديد واضح لطبيعة الإجراءات المطلوبة أو الجهة المسؤولة عن تنظيم الملاحة أو النطاق الجغرافي لتطبيق الاتفاق.
وترى الولايات المتحدة أن هذا النص يلزم إيران بضمان حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق بالكامل أمام حركة التجارة الدولية، بينما تعتبر طهران أن الاتفاق يعترف بدورها في إدارة حركة الملاحة داخل المضيق، بما يمنحها صلاحية تنظيم مرور السفن وتحديد مساراتها، وربما فرض رسوم على بعض عمليات العبور.
ويؤكد محللون أن غياب الصياغة القانونية الدقيقة ترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متعارضة، ما جعل الاتفاق عاجزًا عن منع تجدد الخلافات بين الطرفين.
ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق مايكل راتني أن اعتبار إيران الاتفاق اعترافًا بدورها في إدارة الملاحة لم يكن أمرًا مفاجئًا، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات الدولية عادة ما تعتمد نصوصًا أكثر وضوحًا لتجنب مثل هذه الخلافات.
ويتركز الخلاف الأساسي بين واشنطن وطهران حول الجهة التي تمتلك حق إدارة المضيق، إذ تتمسك الولايات المتحدة بمبدأ حرية الملاحة الدولية، في حين تؤكد إيران أن أمن المضيق وتنظيم حركة السفن يجب أن يراعي سيادتها ومصالحها باعتبارها إحدى الدول المطلة على الممر البحري.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية تعكس أيضًا استمرار انعدام الثقة بين الجانبين، إذ لم تكن مذكرة التفاهم اتفاقًا نهائيًا للسلام، بل إطارًا مؤقتًا لوقف إطلاق النار وتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، دون معالجة الملفات الأمنية الأساسية في منطقة الخليج.
كما يعتقد مراقبون أن الصياغة المرنة للبند المختلف عليه سمحت للطرفين بتوقيع الاتفاق، لكنها في الوقت نفسه أبقت المجال مفتوحًا لتفسيرات متناقضة سرعان ما انعكست على أرض الواقع.
وتتهم طهران واشنطن بمحاولة إنشاء ممرات بحرية بديلة بالقرب من السواحل العُمانية لتقليل أهمية مضيق هرمز كورقة ضغط إيرانية، بينما ترى الولايات المتحدة أن هذه الممرات تمثل وسيلة لضمان استمرار حركة التجارة العالمية في حال تعرض المضيق لأي إغلاق.
ويحذر محللون من أن استمرار انهيار التفاهمات المؤقتة قد يدفع المنطقة نحو مواجهة طويلة الأمد، في ظل عجز أي من الطرفين عن تحقيق حسم عسكري كامل؛ فالولايات المتحدة قادرة على توجيه ضربات مؤثرة لإيران، لكنها لا تستطيع إنهاء قدرتها على تهديد الملاحة، بينما تستطيع إيران إرباك أسواق الطاقة العالمية دون أن تتمكن من فرض شروطها على واشنطن.
كما تشير التقارير إلى أن عدداً من بنود مذكرة التفاهم تعرض للانتهاك بالفعل، إذ استؤنفت الضربات العسكرية المتبادلة أكثر من مرة، كما لم تُنفذ بعض الالتزامات المتعلقة بتخفيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، في الوقت الذي واصلت فيه القوات الأمريكية إجراءاتها الأمنية في مضيق هرمز.
ورغم استمرار الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين، فإن المفاوضات دخلت مرحلة من الجمود نتيجة التصعيد العسكري، وسط تشكيك من أطراف دولية وإقليمية في فرص نجاح المسار التفاوضي إذا استمرت الانتهاكات المتبادلة.
ويقترح عدد من الخبراء العودة إلى تفاهم مؤقت جديد يركز على حماية السفن التجارية، وإنشاء آلية مشتركة تضم إيران ودول الخليج لتنسيق حركة الملاحة وتبادل المعلومات، بما يسهم في الحد من احتمالات التصعيد العسكري.
ويرى محللون أن الأزمة الحالية تؤكد أن أي غموض في صياغة الاتفاقات السياسية قد يتحول إلى سبب مباشر لتجدد الصراعات، خصوصًا في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية مثل مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والتجارة العالمية.
كان مضيق هرمز، الممتد بمحاذاة سواحل إيران وسلطنة عُمان، يعد تاريخياً ممراً مائياً دولياً مفتوحاً أمام الملاحة. إلا أن إيران أعلنت سيادتها عليه بعد وقت قصير من تعرضها لهجوم أمريكي وإسرائيلي في 28 فبراير الماضي، وهو ما تسبب في اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط.
وبعد أسابيع من التصعيد، وقّعت الولايات المتحدة وإيران في يونيو مذكرة تفاهم هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتهدئة التوتر، إلا أن هذه المذكرة لم تحقق أهدافها، بل تحولت إلى مصدر جديد للخلاف بسبب بند صيغ بصورة فضفاضة، سمح لكل طرف بتفسيره بما يتوافق مع مصالحه.
مكمن الغموض
تتمحور الأزمة حول الفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم، التي تنص على أن إيران ستتخذ الترتيبات اللازمة لاستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، على أن تعمل لاحقاً مع سلطنة عُمان لتحديد آلية إدارة الممر المائي مستقبلاً. كما تتضمن الفقرة تعهداً إيرانياً بضمان المرور الآمن للسفن وإزالة العوائق العسكرية، بما في ذلك الألغام.
وتكمن المشكلة في أن النص يجعل إيران مسؤولة عن إعادة فتح المضيق، لكنه لا يمنح الولايات المتحدة أي دور واضح في تأمين الملاحة، كما لا يتضمن ضماناً صريحاً لحرية الملاحة في كامل المضيق، إضافة إلى تأجيل حسم قضية الرسوم إلى جولات تفاوض لاحقة، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متعارضة.
التفسيران المتعارضان
الموقف الأمريكي
اعتبرت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الفقرة الخامسة تمثل التزاماً إيرانياً بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وضمان حرية الملاحة الدولية فيه، انطلاقاً من أن حرية الملاحة مبدأ غير قابل للتفاوض.
ومع تصاعد الأزمة، تطور الموقف الأمريكي من المطالبة بإعادة فتح المضيق إلى إعلان الرئيس ترامب رغبته في فرض رسوم أمريكية على السفن العابرة، في خطوة تعكس تغيراً في طريقة تعامل واشنطن مع الملف.
الموقف الإيراني
في المقابل، اعتبرت إيران أن نص الاتفاق يمثل اعترافاً أمريكياً ضمنياً بحقها في إدارة المضيق والإشراف على حركة الملاحة فيه، بما يمنحها صلاحية تنظيم مرور السفن وفرض رسوم مستقبلية عليها، إضافة إلى إلزام السفن بالحصول على تصاريح وتأمين معتمد من هيئة إيرانية مختصة.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات رسمية، أن طهران تعتبر نفسها صاحبة السلطة الأساسية في إدارة الممر الملاحي، وهو ما يتعارض مع التفسير الأمريكي للاتفاق.
ويرى محللون أن انهيار مذكرة التفاهم لا يعود فقط إلى الخلاف القانوني حول صياغة بند واحد، بل يعكس أزمة عميقة من انعدام الثقة بين واشنطن وطهران.
كيف استغلت طهران الغموض ميدانياً؟
استفادت إيران من غموض الاتفاق عبر اتخاذ عدة إجراءات على الأرض، أبرزها:
إلزام السفن بالتسجيل لدى “هيئة مضيق الخليج الفارسي” التي أُنشئت حديثاً، لإخضاع السفن وحمولاتها لإجراءات التفتيش.
استخدام السيطرة على المضيق كورقة ضغط من خلال مهاجمة بعض السفن أو المطالبة برسوم مقابل السماح لها بالعبور.
اعتبار أن الاتفاق يمنحها دوراً رسمياً في إدارة المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان.
رفض الحرس الثوري الاعتراف بأي مسارات بحرية لا توافق عليها طهران، ودعوة السفن إلى التنسيق حصرياً مع قواته البحرية.
التأكيد رسمياً أن إيران هي الطرف المسيطر على المضيق.
تداول وسائل إعلام إيرانية معلومات تفيد بأن العبور لا يتم إلا عبر المسارات التي تحددها السلطات الإيرانية.
التصعيد العسكري والرد الأمريكي
مع استمرار الخلاف، تصاعدت المواجهة العسكرية، حيث اشتبهت جهات دولية في وقوف إيران وراء استهداف عدد من السفن التي استخدمت المسار البحري القريب من سلطنة عُمان، كما تلقى مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني تقارير عن تعرض عدة سفن لهجمات داخل المضيق.
وردت الولايات المتحدة بتنفيذ موجة جديدة من الضربات العسكرية استهدفت رادارات ساحلية، ومنظومات دفاع جوي، ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن إيران لا تسيطر على مضيق هرمز، مشيرة إلى أن الضربات تستهدف تقليص قدرات طهران على تهديد الملاحة الدولية.
وفي السياق نفسه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشال” أن الولايات المتحدة ستُعرف من الآن فصاعداً بأنها “حارس مضيق هرمز”.
هل تصمد الهدنة؟
تشير التقديرات إلى أن معظم بنود مذكرة التفاهم تعرضت للانتهاك بالفعل، إذ استؤنفت الضربات العسكرية المتبادلة أكثر من مرة، كما لم تُنفذ بعض الالتزامات الخاصة بتخفيف الوجود العسكري الأمريكي، في الوقت الذي عززت فيه واشنطن إجراءاتها الأمنية داخل المضيق واستمرت عملياتها العسكرية.
من يملك أوراق القوة؟
يرى محللون أن ميزان القوى الحالي يمنع أياً من الطرفين من تحقيق حسم كامل.
فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤثرة لإيران، لكنها لا تستطيع إنهاء قدرة طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وفي المقابل، تستطيع إيران إرباك الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة عبر تهديد الملاحة، لكنها لا تملك القدرة على فرض شروطها على الولايات المتحدة.
كما يرى خبراء أن المضيق لا يخضع عملياً لسيطرة دولة واحدة، وإنما يمثل منطقة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الجغرافية والقانونية والعسكرية.
البعد الاستراتيجي
يرى محللون أن الصراع حول مضيق هرمز يتجاوز حرية الملاحة ليصبح صراعاً على النفوذ الإقليمي.
فإيران تعتبر السيطرة على المضيق جزءاً من استراتيجيتها الأمنية، وترى أن التحكم به يمنحها نفوذاً واسعاً في منطقة الخليج، ولذلك لا تبدي استعداداً للتخلي عن هذه الورقة إلا في إطار تسوية تحقق مصالحها.
وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن تقليص النفوذ الإيراني في المضيق يمثل هدفاً استراتيجياً لمنع استخدامه كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن مضيق هرمز بالنسبة لإيران لا يقل أهمية عن برنامجها النووي، نظراً لما يمنحه لها من تأثير سياسي واقتصادي واسع.
السيناريو المرجح
يستبعد معظم المحللين أن يتمكن أي من الطرفين من فرض سيطرة كاملة على المضيق خلال المرحلة المقبلة.
ويرجح الخبراء استمرار الوضع الحالي، بحيث يبقى مضيق هرمز في حالة من التوتر المستمر، تتراوح بين الفتح الجزئي والتصعيد المحدود، تبعاً لتطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية، وأوضاع أسواق النفط، ومسار المفاوضات السياسية.
وفي ظل هذا ، تبقى مذكرة التفاهم الشرارة الأكثر حساسية في الأزمة، بعدما نقلت الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى معركة حول السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية وشرايين الطاقة في العالم.



