تقارير

وسط تصاعد الخلافات.. قمة الناتو بأنقرة تفجر مفاجأت

كتبت: سارة محمود

“نحن، رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي، نجتمع في أنقرة لنؤكد مجدداً التزامنا الراسخ بالدفاع الجماعي بموجب المادة 5 من معاهدة واشنطن، وبالرابطة عبر الأطلسية. إن أي اعتداء على أحدنا هو اعتداء على الجميع. وتبقى وحدتنا وتضامننا وقوتنا الجماعية أساس السلام والأمن والازدهار لمليار مواطن في حلفنا من الدول الحرة والديمقراطية. ونؤكد التزامنا بنهجنا الشامل في الردع والدفاع”، كان هذا إعلان قمة الناتو بأنقرة.

وقد شهدت العاصمة التركية تنظيماً حافلاً وإنتشاراً لرجال الشرطة عند كل تقاطع تقريباً وتجمع موظفو المراسم ببدلاتهم الرسمية بجانب كل مبنى متصل بالقمة عن بُعد، وإرتفعت لافتات زرقاء سماوية تحمل شعار الناتو على أبراج سكنية نصف مبنية، “قمة الناتو في أنقرة، مفتاح الأمن، مفتاح السلام”، هكذا كُتب على اللافتات – ضمن استعدادات المدينة لاستضافة تركيا لهذا الاجتماع لأول مرة منذ عام 2004، حين كان العالم والتحديات الأمنية التي واجهها مختلفين تمامًا.

شهدت القمة أول زيارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تركيا في ولايته الثانية، مما سمح لتركيا باستغلال علاقاتها القوية مع إدارته لجمع حلفاء الناتو الذين اختلفوا حول السياسة في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا.

قال مسؤولون سابقون ومحللون لصحيفة “ذا ناشيونال” قبل انعقاد القمة التي استمرت يومين، إن تركيا تسعى إلى تسويق نفسها كمورد أساسي لمعدات الدفاع والأمن، وعضو رئيسي يقع بالقرب من أكبر التحديات التي تواجه الحلف.

وقال ريكاردو جاسكو، منسق السياسة الخارجية في مركز أبحاث “إستانبول” في إسطنبول، لصحيفة “ذا ناشيونال”: “ترى تركيا في هذه القمة فرصةً لترسيخ مكانتها كأحد حلفاء الناتو الذين لا غنى عنهم، ولترجمة هذه المكانة إلى مكاسب ملموسة في مجال الصناعات الدفاعية”.

إقرأ أيضاً: إيران وعُمان وتركيا تؤكد أهمية الدبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي

تركيا وصراع إيران

كانت دفاعات الناتو هي التي أسقطت صواريخ أطلقتها إيران كانت تقترب من المجال الجوي التركي في مارس، مما أدى إلى مواجهة متوترة وتساؤلات حول ما إذا كانت تركيا والحلف سيردان على الهجوم الإيراني. وقد أشاد ترامب الشهر الماضي بدوره في إبقاء تركيا خارج الصراع.

وقال الرئيس رجب طيب أردوغان، في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي أمام مسؤولين من دول حلف الناتو، إن تركيا تمتلك “حدودًا برية تمتد لأكثر من 1800 كيلومتر، وتضم مناطق تشهد توترات”. وأضاف أن تركيا تمتلك “جيشًا قويًا، وقدرات عسكرية حديثة، وصناعة دفاعية متطورة”، مما يضعها “في طليعة الحلفاء المساهمين في أمن الناتو”.

في الوقت نفسه، تحرص أنقرة على إدارة التوتر القائم بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، والذي نشأ بسبب ما تعتبره واشنطن عدم رغبة أوروبا في تقديم المساعدة خلال الحرب الإيرانية، وترددها في إنفاق ما يكفي على الأمن.

كما أن تركيا تنظر إلى نقاش تقاسم الأعباء داخل الناتو كفرصة ومخاطرة في آن واحد. ويصب ضغط ترامب على أوروبا لزيادة الإنفاق في مصلحة قطاع الصناعات الدفاعية التركي المزدهر. وفي الوقت نفسه، لا تزال أنقرة تعتبر الولايات المتحدة ركيزة أساسية للردع.

 

كواليس القمة

وأوضحت د. أريج جبر، أستاذ العلوم السياسية، أن القمة عقدت في ظل حالة من السيولة الجيوسياسية، وتصاعد غير مسبوق في مؤشرات انعدام الأمن والاستقرار العالمي، الأمر الذي انعكس على أجوائها الداخلية. فعلى خلاف ما حاولت الصورة الرسمية إظهاره، كشفت الكواليس عن حجم التباينات والشرخ العميق بين أعضاء الحلف، وأن وحدة المواقف كانت أقرب إلى الضرورة السياسية منها إلى القناعة الاستراتيجية.

كما طغى الطابع التجاري والعسكري على أعمال القمة، فلم تعد معارض الصناعات الدفاعية والتسليحية نشاطاً هامشياً، بل تحولت إلى جزء رئيسي من فعالياتها، في مؤشر واضح على انتقال الحلف إلى مرحلة اقتصاد الحرب، حيث بات الأمن مرتبطاً بصورة مباشرة بتوسيع الصناعات العسكرية والاستثمار فيها.

وفي الوقت ذاته، سادت أجواء من الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين، إذ شعرت بعض العواصم الأوروبية بأنها تتعرض لابتزاز سياسي وأمني، في ظل سعي واشنطن إلى توجيه القرار الاستراتيجي للحلف والتحكم بإيقاعه بما ينسجم مع أولوياتها.

 

انتقادات ترامب خلال القمة

وقالت جبر في حديث خاص لموقع “داي نيوز” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى القمة بخطاب هجومي، متهماً حلف الناتو بالعجز والتقصير، ومكرراً انتقاداته لأوروبا بوصفها القارة العجوز غير القادرة على حماية نفسها أو إدارة مصالحها الأمنية دون المظلة الأمريكية.

وأكد رفضه استمرار تحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر في الدفاع عن أوروبا وعن النظام الدولي، معتبراً أن استمرار هذا النهج لم يعد مقبولاً، خصوصاً في ظل الحرب الروسية الأوكرانية والتحديات الأمنية المتزايدة.

ولم تقتصر رسائله على التصريحات السياسية، بل اقترنت بإجراءات عملية تمثلت في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في بعض القواعد الأوروبية وسحب نحو خمسة آلاف جندي، في رسالة ضغط واضحة لإجبار الحلفاء على رفع إنفاقهم الدفاعي وتحمل مسؤولياتهم بصورة أكبر.

إقرأ أيضاً: ترامب يغادر تركيا بالطائرة الرئاسية القديمة بعد ضربات إيران

المواقف الدولية من القمة

وأشارت د أريج إلى أن الموقف الأمريكي اتسم بمنطق أمريكا أولاً، حيث ركزت واشنطن على توظيف الحلف لخدمة مصالحها المباشرة، مع السعي إلى إشراك الحلفاء في أزمات تراها ضرورية للحفاظ على نفوذها وإعادة ترسيخ قيادتها للنظام الدولي.

أما الموقف الأوروبي، فانقسم بين تيار استجاب للضغوط الأمريكية ووافق على زيادة الإنفاق الدفاعي تجنباً للصدام مع إدارة ترامب والحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، وتيار آخر أبدى تحفظاً على ما اعتبره ابتزازاً سياسياً، ودعا إلى تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية والتمسك بالحلول الدبلوماسية بدلاً من عسكرة الأزمات.

واستثمرت تركيا القمة لتعزيز موقعها الجيوسياسي، مستفيدة من موقعها داخل الحلف ومن أهمية قاعدة إنجرليك، بما يعزز مكانتها الإقليمية ويفتح المجال أمام مكاسب عسكرية واقتصادية وسياسية جديدة.

في المقابل، بدا الموقف الأوكراني أكثر واقعية، إذ اتجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي نحو التركيز على الضمانات الأمنية وفرص التسوية السياسية، بعد إدراكه أن استمرار الحرب المفتوحة يستنزف أوكرانيا أكثر مما يحقق لها مكاسب استراتيجية.

 

شراكات جديدة

وأضافت جبر أن القمة أبرزت مؤشرات على تقارب أمريكي تركي جديد، تمثل في الحديث عن إعادة دمج تركيا في برنامج مقاتلات F-35، ومنحها دوراً أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي في غرب آسيا والشرق الأوسط، بما يعكس رغبة أمريكية في إعادة بناء العلاقة مع أنقرة.

كما برزت ملامح تحرك فرنسي بريطاني، مدعوم من أطراف عربية وفي مقدمتها البحرين، لتعزيز أمن الملاحة في مضيق هرمز ومنع احتكار أي طرف منفرد لإدارة أمنه خلال الأزمات، بما يحافظ على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي المقابل، بقيت الشراكة الروسية الصينية حاضرة بقوة في حسابات القمة، رغم غيابها عنها، باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي يدفع الناتو إلى إعادة صياغة أولوياته العسكرية والسياسية.

 

خلافات عالمية تتصدر القمة

ولفتت جبر إلى أن واشنطن حاولت إعادة تسليط الضوء على البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً رئيسياً، بما يبرر استمرار حضورها العسكري في المنطقة، خاصة بعد المتغيرات الإقليمية التي أضعفت احتكارها للتوازنات، وفي مقدمتها المصالحة السعودية الإيرانية برعاية صينية، والتقارب الدفاعي بين السعودية وباكستان.

كما سعت الولايات المتحدة إلى إدراج الملف الإيراني ضمن أولويات القمة لحشد موقف أوروبي أكثر تشدداً، إلا أن عدداً من الدول الأوروبية تعامل مع الطرح بحذر، وفضل تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران حفاظاً على أمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد، باعتبار أن أي تصعيد واسع ستكون كلفته على أوروبا أكبر من مكاسبه.

وعسكرياً، اتجهت واشنطن إلى إعادة توزيع قواتها، عبر تقليص جزء من وجودها في أوروبا وإعادة نشره في محيط إيران والمناطق الأكثر توتراً في الشرق الأوسط.

أما في الملف الروسي الأوكراني، إستكملت د أريج حديثها بأن القمة قد أكدت استمرار الرؤية الأمريكية القائمة على إنهاك روسيا واستنزافها عبر استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، مع تحميل الدول الأوروبية الجزء الأكبر من تكلفة الحرب وتمويلها.

وفي المقابل، تواصل روسيا تحقيق مكاسب ميدانية وجغرافية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حضور اقتصادي طويل الأمد في أوكرانيا، بما يمنحها مستقبلاً نفوذاً واسعاً على مواردها وثرواتها وإعادة إعمارها.

 

نتائج القمة

وترى جبر أن القمة كرست بصورة أوضح مفهوم اقتصاد الحرب، بعدما أصبحت الصناعات الدفاعية والتسليحية محوراً رئيسياً في سياسات الحلف وخططه المستقبلية.

كما نجحت الضغوط الأمريكية في دفع غالبية الدول الأعضاء إلى تسريع رفع الإنفاق الدفاعي ليقترب من 4% خلال عام 2026، مع استمرار الالتزام بالوصول إلى 5% بحلول عام 2035.

وشهدت القمة أيضاً إعادة تموضع للقوات الأمريكية، من خلال تقليص بعض الأصول العسكرية في أوروبا وإعادة توجيهها نحو مناطق تعتبرها واشنطن أكثر أولوية، وفي مقدمتها محيط الصين وروسيا والشرق الأوسط.

ورغم هذه المخرجات، لم تؤسس القمة لتحول استراتيجي حقيقي داخل الحلف، بل عكست استجابة ظرفية لضغوط المرحلة ومحاولة لاحتواء الخلافات وإظهار قدر من التماسك أمام الرأي العام، في حين بقيت الفجوات بين مصالح الدول الأعضاء ورؤاها الاستراتيجية أعمق بكثير من البيانات الختامية، الأمر الذي يجعل وحدة الحلف حتى الآن وحدة وظيفية أكثر منها وحدة سياسية أو استراتيجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى