أسبوع بلا منبّه.. كيف درّبت كاتبة ساعتها البيولوجية على الاستيقاظ طبيعيًا؟

اعتمدت الكاتبة ألي هيرشلاج لسنوات طويلة على المنبّه للاستيقاظ، بعدما تغير نمط نومها مع مرور الوقت. ففي مرحلة المراهقة كانت تستيقظ غالبًا قبل رنين المنبّه بفضل انتظام مواعيد نومها، لكن خلال الجامعة والعمل أصبحت ساعات نومها أكثر اضطرابًا، ما جعل المنبّه جزءًا أساسيًا من صباحها.
ومع تقدمها في العمر، أصبحت تواجه صعوبة أكبر في النوم ليلًا، بينما ازدادت حالة الخمول في الصباح، واضطرت إلى الاعتماد بصورة متكررة على الكافيين. لذلك قررت خوض تجربة لمدة أسبوع بهدف تدريب ساعتها البيولوجية على الاستيقاظ طبيعيًا دون الاعتماد على المنبّه.
البداية كانت بفهم احتياجات الجسم
قبل بدء التجربة، تحدثت الكاتبة مع عدد من المتخصصين في النوم والإيقاع اليومي، الذين نصحوها أولًا بالتعرف إلى نمط نومها الطبيعي.
كانت تنام عادةً ما بين 7 و8 ساعات، لكن موعد نومها كان يتغير بصورة كبيرة، إذ قد تذهب إلى الفراش في أي وقت بين الساعة 11 مساءً والثانية صباحًا، وأحيانًا كانت تغفو أمام التلفزيون ثم تستيقظ في منتصف الليل، الأمر الذي يجعل العودة إلى النوم أكثر صعوبة.
وخلال رحلة بحرية، وجدت فرصة مناسبة لمراقبة إشارات جسمها بعيدًا عن ضغوط جدول العمل. واكتشفت أن جسمها يميل طبيعيًا إلى النوم حوالي الساعة 11:30 مساءً والاستيقاظ قرابة الثامنة صباحًا، أي أنها تحتاج إلى نحو 8 ساعات ونصف من النوم.
وأكد الخبراء أن عدد ساعات النوم المناسب يختلف من شخص لآخر، رغم أن البالغين يحتاجون عمومًا إلى نحو 7 إلى 9 ساعات يوميًا.
الانتظام أهم من عدد الساعات وحده
أوضح المتخصصون أن الحصول على عدد كافٍ من ساعات النوم لا يكفي وحده، بل يجب الحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ.
وقالت هيلين برجس، المديرة المشاركة لمختبر أبحاث النوم والإيقاع اليومي بجامعة ميشيغان، إن الذهاب إلى النوم في موعد ثابت يساعد الجسم على التكيف مع الروتين، ومع تكرار هذا النمط يبدأ الجسم في الاسترخاء تلقائيًا عند اقتراب موعد النوم.
لذلك حددت الكاتبة موعدًا مستهدفًا للنوم عند حوالي 11:30 مساءً، والاستيقاظ في الثامنة صباحًا.
الضوء الطبيعي أصبح جزءًا أساسيًا من التجربة
ركزت الخطة أيضًا على التعرض للضوء الطبيعي، باعتباره أحد أهم العوامل التي تساعد على ضبط الساعة البيولوجية.
وأوضح الخبراء أن الضوء يؤثر مباشرة في النظام المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ، ويساعد الجسم على معرفة متى يحين وقت النشاط ومتى يبدأ الاستعداد للنوم.
ولأن الكاتبة شديدة الحساسية للضوء، استخدمت ستائر معتمة وقناعًا للعين أثناء النوم، لكنها كانت تفتح الستائر فور الاستيقاظ للسماح بدخول ضوء الصباح.
ويساعد ضوء الصباح على إيقاف إفراز الميلاتونين المرتبط بالنعاس، وتحفيز الجسم على الاستيقاظ والنشاط، كما يؤدي إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول في الوقت المناسب من اليوم.
روتين هادئ قبل النوم
نصحها الخبراء كذلك بإنشاء روتين ثابت للتهدئة خلال الساعتين السابقتين للنوم.
وشمل ذلك تخفيف الإضاءة، وارتداء ملابس النوم، وتنظيف الأسنان والعناية بالبشرة، بحيث تصبح هذه الخطوات إشارات متكررة للجسم بأن وقت النوم اقترب.
كما كان التحكم في درجة حرارة الغرفة جزءًا من التجربة، لأن حرارة الجسم الأساسية تنخفض ليلًا استعدادًا للنوم، بينما قد يؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه.
لذلك جعلت الكاتبة نظام التدفئة والتبريد يخفض درجة حرارة المنزل في وقت مبكر من الليل، واستخدمت أغطية تساعد على تنظيم حرارة الجسم.
الهاتف كان أكبر عقبة
اكتشفت الكاتبة أن الهاتف الذكي يمثل أحد أكبر التحديات أمام تحسين نومها.
فالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات قد يرسل إشارات مشابهة لضوء النهار إلى الدماغ، لكن المشكلة الأكبر كانت في الاستخدام المستمر للهاتف وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي قبل النوم.
ويؤدي ما يسمى بـ«التصفح بحثًا عن جرعات صغيرة من المتعة» إلى إبقاء المستخدم منشغلًا لفترة أطول، خصوصًا أن خوارزميات منصات التواصل مصممة لزيادة مدة الاستخدام.
ولذلك استخدمت جهازًا فعليًا لحجب التطبيقات، وبرمجته لمنع الوصول إلى التطبيقات من الساعة التاسعة مساءً، كما حولت شاشة هاتفها إلى وضع التدرج الرمادي لجعل المحتوى أقل جاذبية.
تعديلات أخرى على نمط الحياة
أدخلت الكاتبة تغييرات إضافية خلال الأسبوع، منها:
الاكتفاء بفنجان واحد من القهوة في الصباح.
تناول الوجبات في أوقات متقاربة كل يوم.
إنهاء العشاء قبل النوم بثلاث ساعات على الأقل.
تقليل تناول الكحول قدر الإمكان.
الحفاظ على موعد نوم واستيقاظ ثابت.
تقليل استخدام الهاتف في ساعات المساء.
التعرض للضوء الطبيعي فور الاستيقاظ.
وأشار الخبراء إلى أن تناول الكحول قد يساعد الشخص على النوم سريعًا، لكنه يمكن أن يضر بجودة النوم في الساعات التالية ويؤثر في مرحلة نوم حركة العين السريعة.
اليوم الأول
في الليلة الأولى، نامت الكاتبة حوالي منتصف الليل، أي بعد موعدها المستهدف بنحو نصف ساعة.
استيقظت قبل الثامنة صباحًا بقليل، لكنها بقيت في السرير حتى الساعة 8:15.
اليوم الثاني
وفي الليلة الثانية، نامت في وقت قريب من ذلك، لكنها احتاجت إلى بعض المساعدة للنوم، واستخدمت مقطعًا من أصوات «ASMR» بينما كان هاتفها مقلوبًا، ثم استيقظت على المنبّه الاحتياطي عند الساعة 8:20 صباحًا.
اليوم الثالث
كان اليوم الثالث أكثر انشغالًا، ولذلك نامت حوالي الساعة 11 مساءً، واستيقظت بصورة طبيعية عند 7:10 صباحًا.
ورغم أنها كانت تستطيع النوم لفترة أطول، فإنها لم تتمكن من العودة إلى النوم، وهو ما اعتبرته مؤشرًا على أن جسمها بدأ في ضبط موعد الاستيقاظ.
اليوم الرابع
في الليلة الرابعة، لم تعد تواجه صعوبة كبيرة في النوم، وذهبت إلى الفراش قبل منتصف الليل.
لكن صباح اليوم التالي تعرضت لإزعاج غير متوقع عندما رن جرس الباب عند الساعة 6:45 صباحًا.
ومع ذلك تمكنت من العودة إلى النوم لمدة ساعة تقريبًا.
اليوم الخامس
في الليلة الخامسة، نامت عند حوالي 11:30 مساءً، واستيقظت في صباح اليوم التالي عند الساعة 8:12.
ورغم أن قطتها أزعجتها للحظات في الساعة 5:30 صباحًا، تمكنت من مواصلة النوم.
اليوم السادس
كان اليوم السادس مختلفًا لأنه صادف عيد ميلاد الكاتبة، فتناولت بعض المشروبات الكحولية وذهبت إلى النوم عند الساعة 12:30 بعد منتصف الليل.
استيقظت عند السادسة صباحًا بسبب حرقة في المعدة، لكنها عادت إلى النوم واستمرت حتى التاسعة صباحًا.
وأظهرت هذه الليلة مدى تأثر النوم بتغيير العادات المعتادة.
اليوم السابع
في الليلة السابعة، نامت الكاتبة بسهولة بين الساعة 11:30 مساءً ومنتصف الليل.
وفي صباح السبت استيقظت بصورة طبيعية عند الساعة 8:05، وهو أمر نادر بالنسبة لها في عطلات نهاية الأسبوع.
وبعد انتهاء التجربة الرسمية، استمرت في الاستيقاظ تلقائيًا تقريبًا عند الساعة الثامنة صباحًا خلال الأيام التالية.
النتيجة بعد أسبوع
لم تصبح الساعة البيولوجية للكاتبة دقيقة تمامًا، لكنها لاحظت تحسنًا واضحًا.
فبعد أربعة أيام تقريبًا، أصبحت أقل معاناة من الخمول الصباحي، وبدأت تستيقظ بصورة طبيعية قرب الساعة الثامنة.
وقالت إن أكثر ما ساعدها كان الالتزام بموعد نوم منتظم وتقليل التعرض للشاشات في المساء.
كما شعرت بأنها أكثر راحة ونشاطًا خلال النهار.
وبعد انتهاء التجربة، عادت أحيانًا إلى استخدام المنبّه، لكنها لاحظت أن الاستيقاظ أصبح أسهل بكثير، خصوصًا عندما تحصل على ثماني ساعات من النوم أو أكثر.
هل يمكن تغيير موعد الاستيقاظ؟
إذا أراد الشخص نقل موعد استيقاظه إلى وقت أبكر، ينصح الخبراء بعدم إجراء تغيير مفاجئ.
وقالت هيلين برجس إن النظام اليومي للجسم يتغير ببطء، ولذلك يمكن البدء بتحريك موعد النوم والاستيقاظ بنحو نصف ساعة في كل مرة، ثم الحفاظ على الموعد الجديد حتى يتكيف الجسم معه.
الهاتف والنوم لدى المراهقين
أشارت التجربة أيضًا إلى مشكلة أوسع تتعلق بعلاقة التكنولوجيا بالنوم.
وأظهرت دراسة تحليلية أجريت عام 2025 وشملت بيانات نحو 45 ألف طالب نرويجي وجود ارتباط مباشر بين الاستخدام المفرط للهواتف الذكية وسوء النوم.
ويحتاج المراهقون إلى قدر كبير من النوم بسبب نمو الدماغ والجسم، إلا أن نسبة كبيرة منهم لا تحصل على العدد المطلوب من الساعات.
ويرى الخبراء أن اضطرابات النوم يمكن أن ترتبط أيضًا بمشكلات الصحة النفسية لدى الشباب، وأن فقدان النوم قد يزيد من حدة بعض المشكلات لدى الأشخاص المعرضين لها.
أظهرت التجربة أن الاستيقاظ دون منبّه لا يعتمد على قوة الإرادة فقط، بل على إعادة تنظيم مجموعة من العادات التي تضبط الساعة البيولوجية.
ويأتي في مقدمة هذه العادات الالتزام بموعد نوم منتظم، والحصول على ساعات نوم كافية، والتعرض لضوء الصباح، وتقليل الإضاءة ليلًا، والابتعاد عن الهاتف قبل النوم، وتنظيم مواعيد الوجبات، والحفاظ على بيئة نوم مريحة وباردة نسبيًا.
ورغم أن أسبوعًا واحدًا لا يكفي لإعادة ضبط الساعة البيولوجية بصورة مثالية لدى الجميع، فإن التجربة تشير إلى أن تغيير العادات اليومية تدريجيًا يمكن أن يجعل الاستيقاظ الطبيعي أسهل ويقلل الشعور بالخمول في الصباح.
والأهم أن النوم ليس مفتاحًا يمكن تشغيله وإيقافه فجأة؛ بل هو عملية تدريجية تعتمد على إيقاع الجسم وعاداته اليومية، ولذلك يحتاج تغييرها إلى الانتظام والصبر.



