تقارير

أزمة تضرب أقوى بحرية في العالم.. لماذا تتجه واشنطن إلى أحواض السفن التركية لإنقاذ أسطولها؟

في ظل احتدام المنافسة البحرية مع الصين، تبحث الولايات المتحدة عن حلول غير تقليدية لمعالجة الأزمة التي تواجه صناعة بناء السفن، والتي باتت تؤثر على قدرة البحرية الأمريكية في الحفاظ على تفوقها العالمي.

وفي هذا السياق، برزت تركيا كأحد الشركاء المحتملين القادرين على دعم واشنطن بفضل التطور الكبير الذي حققته في الصناعات البحرية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة.

وتأتي هذه التحركات عقب مباحثات جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان، تناولت إمكانية توسيع التعاون في مجال بناء السفن، في وقت تواجه فيه أحواض السفن الأمريكية تحديات متزايدة تتعلق بالإنتاج والعمالة وسلاسل الإمداد.

واشنطن تبحث عن بدائل

تعاني صناعة بناء السفن الأمريكية منذ سنوات من تراجع واضح في الطاقة الإنتاجية، نتيجة تقادم أحواض البناء، ونقص العمالة الماهرة، وارتفاع تكاليف التصنيع، إلى جانب تأخر تنفيذ عدد من البرامج العسكرية الكبرى.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن أحواض السفن التجارية في الولايات المتحدة تنتج أقل من خمس سفن مدنية كبيرة سنويًا، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة للغاية من الإنتاج العالمي، فيما تقتصر قدرة الصناعة العسكرية على تسليم ما بين خمس وست سفن حربية وغواصات سنويًا، مع تسجيل تجاوزات متكررة في الميزانيات والجداول الزمنية.

في المقابل، تواصل الصين توسيع تفوقها الصناعي، إذ تنتج أكثر من 100 سفينة حربية وحوالي 1700 سفينة تجارية كبيرة سنويًا، ما يمنحها أفضلية واضحة في سباق بناء الأساطيل البحرية.

تركيا تدخل المشهد

خلال السنوات الأخيرة، عززت تركيا مكانتها كواحدة من أبرز الدول الصاعدة في صناعة السفن العسكرية والتجارية، بعدما رفعت قدراتها الإنتاجية بصورة ملحوظة.

وتنتج أحواض السفن التركية ما بين 50 و85 سفينة تجارية سنويًا، إضافة إلى نحو 10 سفن حربية وغواصات كل عام، فيما يجري حاليًا تنفيذ قرابة 50 مشروعًا بحريًا عسكريًا لصالح القوات البحرية التركية.

ويرى خبراء أن هذه القدرات تجعل تركيا شريكًا مناسبًا للمساهمة في تخفيف الضغط عن الصناعة البحرية الأمريكية، دون أن يعني ذلك نقل برامج تصنيع السفن القتالية الأكثر حساسية خارج الولايات المتحدة.

تعاون محدود في السفن القتالية

رغم حديث الرئيس أردوغان عن إمكانية التعاون في بناء الفرقاطات والكورفيتات والغواصات، فإن محللين عسكريين يرون أن الاعتبارات السياسية والتكنولوجية تجعل هذا السيناريو محدود الاحتمالات.

فالولايات المتحدة تفرض قيودًا صارمة على نقل التقنيات العسكرية المتقدمة، كما أن توجه الإدارة الأمريكية لدعم التصنيع المحلي يجعل من الصعب إسناد بناء السفن القتالية الرئيسية إلى دولة أخرى.

وبدلاً من ذلك، يتوقع الخبراء أن يتركز التعاون في مجالات أقل حساسية، تشمل سفن الإمداد والتموين، وسفن الدعم اللوجستي، وأعمال الصيانة والإصلاح، إضافة إلى تصنيع بعض المكونات أو المشاركة في الإنتاج داخل الولايات المتحدة.

خبرة تركية في سفن الدعم

تمتلك تركيا سجلًا متناميًا في تصدير السفن المساندة للقوات البحرية، من خلال شركاتها الدفاعية، وفي مقدمتها شركة “STM”.

ومن أبرز المشاريع التي نفذتها الشركة ناقلة الإمداد “PNS Moawin” لصالح البحرية الباكستانية، إلى جانب سفينتين للدعم اللوجستي يجري بناؤهما لصالح البرتغال، وتتميزان بقدرات تشمل نقل الوقود والإمدادات، ودعم العمليات البرمائية، وتقديم الخدمات الطبية، وتنفيذ مهام البحث والإنقاذ.

ويرى مراقبون أن هذه الخبرات تتوافق مع احتياجات البحرية الأمريكية الحالية، التي تسعى إلى تعزيز أسطولها من السفن المساندة دون الدخول في تعقيدات نقل التكنولوجيا العسكرية الحساسة.

فوائد تتجاوز بناء السفن

ولا يقتصر التعاون المحتمل على عمليات التصنيع فقط، إذ يمكن أن يشمل تبادل الخبرات في تشغيل الأساطيل البحرية، وإدارة حاملات الطائرات، والطيران البحري، والحرب المضادة للغواصات، وعمليات الإنقاذ والإمداد البحري، وهي مجالات تسعى تركيا إلى تطويرها ضمن خططها لبناء قوة بحرية قادرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.

كما قد يساهم هذا التعاون في دعم طموحات أنقرة لتطوير حاملة طائرات محلية مستقبلاً، والاستفادة من الخبرات الأمريكية في تشغيل التشكيلات البحرية الكبيرة.

الغواصات النووية خارج الحسابات

ورغم اهتمام تركيا بتطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية، فإن فرص التعاون مع الولايات المتحدة في هذا المجال تبدو محدودة للغاية.

فالولايات المتحدة لا تسمح بنقل تقنيات الدفع النووي إلا في إطار ترتيبات استراتيجية خاصة، كما حدث مع أستراليا ضمن اتفاقية “أوكوس”، ما يجعل أي تعاون مع أنقرة يقتصر على التدريب وإجراءات السلامة والبنية التحتية، دون مشاركة تكنولوجيا المفاعلات النووية.

عقبات سياسية وتمويلية

ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات قد تعرقل توسيع التعاون البحري بين البلدين، أبرزها تداعيات الخلافات السابقة بشأن منظومة الدفاع الروسية “إس-400″، التي أدت إلى فرض عقوبات أمريكية على تركيا وإخراجها من برنامج المقاتلة “إف-35”.

كما تواجه الشركات التركية تحديات مالية ناجمة عن ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف التمويل، في وقت تحظى فيه شركات منافسة، مثل الكورية الجنوبية، بدعم مالي كبير لتنفيذ استثمارات ضخمة في قطاع بناء السفن داخل الولايات المتحدة.

سباق بحري يتسارع

يرى مراقبون أن اهتمام واشنطن بالقدرات التركية يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الصناعة البحرية الأمريكية في ظل تسارع التوسع العسكري الصيني.

وبينما تبدو فرص مشاركة تركيا في بناء المدمرات أو حاملات الطائرات الأمريكية محدودة، فإن التعاون في سفن الدعم والخدمات اللوجستية والتصنيع المشترك قد يشكل خطوة عملية لتعزيز القدرات البحرية الأمريكية، وفي الوقت نفسه يمنح الصناعات الدفاعية التركية فرصة جديدة لتوسيع حضورها في الأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى