موجة الحر في أوروبا.. هل أصبحت درجات الحرارة القياسية “الوضع الطبيعي الجديد”؟

تشهد أوروبا صيفاً استثنائياً مع تسجيل درجات حرارة قياسية تسببت في وفيات وأضرار واسعة للبنية التحتية، وسط تحذيرات متزايدة من أن موجات الحر الشديدة لم تعد أحداثاً استثنائية، بل قد تصبح السمة الدائمة لمناخ القارة خلال العقود المقبلة.
ويؤكد خبراء المناخ والصحة أن التغير المناخي والاحتباس الحراري رفعا احتمالات تكرار موجات الحر إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تدعو فيه منظمة الصحة العالمية الحكومات الأوروبية إلى التعامل مع الحرارة كما تتعامل مع مواسم الإنفلونزا الشتوية، عبر خطط دائمة للتأهب والاستجابة.
أوروبا تسجل درجات حرارة قياسية وخسائر بشرية
سجلت عدة دول أوروبية خلال صيف 2026 درجات حرارة غير مسبوقة، حيث بلغت 40 درجة مئوية في ألمانيا وجمهورية التشيك وبولندا، بينما وصلت إلى 44 درجة مئوية في إحدى المدن الفرنسية، بعد أن بلغ متوسط الحرارة اليومية في فرنسا 29.8 درجة مئوية.
وأدت موجة الحر إلى اضطرابات في حركة النقل، كما أعقبها تشكل عواصف عنيفة في فرنسا أسفرت، وفق التقديرات، عن نحو ألف وفاة إضافية.
كما تشير التقديرات إلى أن موجة الحر التي شهدها صيف العام الماضي تسببت في وفاة نحو 2300 شخص في 12 دولة أوروبية نتيجة الآثار المرتبطة بتغير المناخ.
هل أصبحت موجات الحر الوضع الطبيعي الجديد؟
يرى خبراء المناخ أن الإجابة أصبحت أقرب إلى “نعم”.
فقد أظهرت دراسة صادرة عن منظمة “وورلد ويذر أتريبيوشن” (WWA) أن موجات الحر بالمستوى الذي شهدته أوروبا هذا الصيف أصبحت أكثر احتمالاً بعشرات إلى مئات المرات مقارنة بما كانت عليه في عام 2003، بينما كانت مثل هذه الظواهر شبه غير معروفة قبل نحو خمسين عاماً.
وقال الدكتور أكشاي ديوراس، الباحث في جامعة ريدينغ، إن الاحتباس الحراري غيّر نقطة الانطلاق الأساسية لدرجات الحرارة، مشبهاً الأمر بـ”تقريب خط البداية من خط النهاية”، ما يجعل الوصول إلى درجات الحرارة القياسية أكثر سهولة.
وتشير التوقعات إلى أنه إذا استمرت الانبعاثات بالمعدلات الحالية، فإن موجة حر بحجم موجة صيف 2026 قد تتكرر مرة كل عشرين عاماً، فيما قد تصبح هذه الظروف جزءاً من صيف اعتيادي بحلول منتصف القرن.
لماذا ترتفع درجات الحرارة في أوروبا أسرع من بقية العالم؟
بحسب خدمة “كوبرنيكوس” الأوروبية لتغير المناخ، ترتفع درجات الحرارة في أوروبا بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما يجعل القارة من أكثر مناطق العالم تأثراً بالاحتباس الحراري.
ويعزو العلماء موجة الحر الحالية إلى تشكل “قبة حرارية”، وهي نظام ضغط جوي مرتفع يحبس الهواء الساخن فوق منطقة معينة لأيام أو أسابيع، إلا أن تأثيرها أصبح أكثر شدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة الأساسية الناتج عن تغير المناخ.
وأوضحت البروفيسورة هانا كلوك من جامعة ريدينغ أن الانبعاثات التي أُطلقت قبل عقود هي التي تقود الظواهر المناخية الحالية، لأن النظام المناخي يحتاج إلى سنوات طويلة للاستجابة، وهو ما يجعل العالم يعيش اليوم آثار التلوث المتراكم في الماضي.
كما أظهر تقرير “كوبرنيكوس” لحالة المناخ الأوروبي لعام 2025 أن أكثر من 95% من مساحة أوروبا سجلت درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع فقدان قياسي للأنهار الجليدية في جبال الألب وتسجيل أعلى درجات حرارة لسطح البحر في تاريخ القارة.
هل يمكن عكس هذا المسار؟
يرى الخبراء أن بعض آثار التغير المناخي أصبحت دائمة، وعلى رأسها التراجع الكبير في الأنهار الجليدية بجبال الألب، التي تعد مصدراً رئيسياً للأنهار الأوروبية، ما أدى إلى انخفاض دائم في تدفقات المياه خلال فصل الصيف.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن خفض الانبعاثات لا يزال قادراً على تقليل شدة موجات الحر وتكرارها ومدتها، كما أن بعض الموارد الطبيعية، مثل المياه الجوفية في شمال أوروبا، لا تزال قابلة للتعافي إذا جرى التحرك سريعاً.
منظمة الصحة العالمية: الحرارة يجب أن تُعامل كأزمة موسمية متكررة
حذر المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، الدكتور هانز كلوج، من أن الوفيات المرتبطة بالحرارة ستظل على الأرجح سمة دائمة للمناخ الأوروبي، مشيراً إلى أن معدل الوفيات المرتبطة بالحرارة ارتفع بنحو 52 حالة لكل مليون نسمة سنوياً منذ تسعينيات القرن الماضي.
وتشير بيانات مجلة “لانسيت كاونت داون أوروبا” إلى تسجيل نحو 62 ألف وفاة مرتبطة بالحرارة في أوروبا خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاع هذا العدد بصورة كبيرة بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وأضاف كلوج أن معظم المباني الأوروبية صُممت للاحتفاظ بالحرارة في الشتاء، وليس للتخلص منها خلال الصيف، ما يجعل تحديث المباني والبنية التحتية ضرورة ملحة للحد من الوفيات.
ودعا الحكومات إلى التخطيط لموجات الحر كما تخطط لمواسم الإنفلونزا الشتوية، عبر خطط دائمة تشمل أنظمة إنذار مبكر، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وخاصة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، والتواصل معهم قبل وصول موجات الحر.
كيف يمكن لأوروبا الحد من مخاطر موجات الحر؟
يشدد الخبراء على أن مواجهة موجات الحر تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل تحديث أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة تأهيل شبكات المياه، وتطوير البنية التحتية لتتلاءم مع المناخ الجديد، إلى جانب مواصلة خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
ويؤكد الباحثون أن موجات الحر ستظل جزءاً من النظام المناخي، لكن تقليل الانبعاثات سيجعلها أقل شدة وأقل تكراراً وأقصر زمناً.
ويجمع الخبراء على أن مستقبل الصيف الأوروبي لم يُحسم بعد، وأن القرارات التي تُتخذ اليوم ستحدد ما إذا كانت القارة ستواجه صيفاً أكثر صعوبة يمكن التكيف معه، أم ظروفاً مناخية تتجاوز قدرة المجتمعات على التعامل معها بحلول عام 2050.



