منوعات

بنات الجيل زد يتفوقن على أمهاتهن في فهم الدورة الشهرية؟.. طفرة الوعي تصطدم بمخاطر المعلومات المضللة

تشهد طريقة الحديث عن صحة المرأة والدورة الشهرية تحولاً واضحاً بين الأجيال، بعدما أصبحت مصطلحات مثل “مزامنة الدورة الشهرية” و”مراحل الدورة” والخصوبة والهرمونات أكثر حضوراً في النقاشات اليومية، خصوصاً بين فتيات الجيل زد.

ومع اتساع انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تقول شابات إنهن أصبحن أكثر قدرة على فهم أجسادهن وملاحظة الأعراض المرتبطة بالدورة الشهرية، بل إن بعضهن أصبحن ينقلن هذه المعرفة إلى أمهاتهن.

لكن هذا الانفتاح لا يخلو من مخاطر، إذ يحذر متخصصون من انتشار معلومات طبية غير دقيقة عبر الإنترنت، ومن إمكانية تحول الوعي المتزايد إلى مصدر للقلق إذا لم يكن قائمًا على معلومات موثوقة واستشارة الأطباء.

فجوة معرفية بين الأجيال

تقدم تجربة إقرا وسيم مثالاً على الفجوة المعرفية بين بعض الأمهات وبناتهن.

فعندما كانت وسيم في الحادية عشرة من عمرها، بدأت تعاني أعراضاً مرتبطة بمتلازمة تكيس المبايض، من بينها حب الشباب المؤلم. ومع مرور الوقت، تمكنت من معرفة المزيد عن حالتها من خلال الأطباء ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأصبحت وسيم لاحقاً تساعد والدتها، التي تعاني هي الأخرى من المتلازمة، على فهم الأعراض وطرق التعامل معها.

وتقول إن والدتها كانت تعاني نزيفاً غزيراً، لكنها لم تكن تعرف الكثير عن الخيارات المتاحة للتعامل مع الحالة، بما فيها بعض وسائل منع الحمل التي يمكن أن تستخدم لأغراض طبية.

وترى وسيم أن الفارق بين جيل والدتها وجيلها يعود جزئياً إلى سهولة الوصول إلى المعلومات حالياً، بعدما كان الحديث عن الدورة الشهرية محصوراً في نطاق الأسرة أو بين النساء والأطباء.

أما اليوم، فأصبحت تجارب النساء متاحة على نطاق واسع عبر الإنترنت، وهو ما يسمح للفتيات بمقارنة أعراضهن وتجاربهن والبحث عن إجابات لأسئلة ربما لم تكن الأجيال السابقة تجرؤ على طرحها.

ومع ذلك، تؤكد وسيم أن وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تحل محل الطبيب المختص.

وسائل التواصل الاجتماعي.. مصدر معرفة ومصدر تضليل

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في جعل قضايا صحة المرأة أكثر حضوراً في النقاش العام، وأتاحت للفتيات الوصول إلى معلومات لم تكن متاحة بسهولة للأجيال السابقة.

لكن انتشار المعلومات لا يعني دائماً أنها صحيحة.

كارولين هيرمان، التي أسست مع ابنتها مؤسسة توفر منتجات الدورة الشهرية لبنوك الطعام، ترى أن هناك حاجة إلى مزيد من العمل لتعزيز الوعي بصحة المرأة.

وتشير إلى وجود فجوة معرفية بين الأجيال، موضحة أن كثيراً من النساء في جيلها لم يحصلن على تعليم كافٍ بشأن الدورة الشهرية، بينما نشأت أجيال أخرى في ظل حالة من الصمت والتحفظ حول هذه الموضوعات.

وتقول هيرمان إنها اضطرت إلى تثقيف نفسها بعد تعرضها لسكتة دماغية يُعتقد أنها مرتبطة بخلل هرموني.

ورغم ترحيبها بكمية المعلومات المتاحة حالياً، فإنها تحذر من ضرورة التعامل معها بحذر، والتأكد من مصدرها وما إذا كانت تستند إلى أدلة طبية موثوقة.

وتثير كذلك مخاوف بشأن تأثير ثقافة المؤثرين على المعلومات الصحية، خصوصاً عندما يتم تقديم نصائح طبية من دون دعم علمي.

لماذا تتحدث الفتيات عن الدورة الشهرية في سن أصغر؟

ترى بيث لورين، وهي مؤثرة في مجال الصحة وأم لطفلين، أن الحديث عن الدورة الشهرية يجب أن يبدأ في سن مبكرة، قبل أن تتحول المسألة إلى موضوع محظور أو مثير للخجل.

وتؤكد أن الأطفال أكثر انفتاحاً على هذه الموضوعات مما يعتقد بعض البالغين، وأن المشكلة غالباً تبدأ عندما يتعامل الكبار مع الدورة الشهرية باعتبارها موضوعاً مخيفاً أو محرجاً.

وترى لورين أن تثقيف الأولاد بشأن الحيض مهم أيضاً، وليس من الضروري أن تقتصر المعرفة على الفتيات وحدهن.

وتوضح أنها لم تكن تعرف الكثير عن مراحل الدورة الشهرية إلا بعد أن أصبحت أماً، رغم أن والدتها كانت منفتحة نسبياً في الحديث معها عن هذه الأمور.

وتقول إن جزءاً كبيراً من معرفتها الحالية جاء من وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها ترى أن التعامل مع هذا المحتوى يحتاج إلى قدر من الوعي والقدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.

“مزامنة الدورة الشهرية” ووعي جديد بالجسم

أصبحت مفاهيم مثل “مزامنة الدورة الشهرية” والمراحل المختلفة للدورة والخصوبة أكثر انتشاراً بين الشابات.

وترى ميسي هيل، مؤلفة كتب تتناول صحة المرأة والدورة الشهرية، أن الحديث عن الحيض أصبح أقل إحراجاً مقارنة بالماضي.

وتقول إن النقاش لم يعد يقتصر على كيفية التعامل مع الدورة الشهرية أثناء حدوثها، بل أصبح أكثر ارتباطاً بفهم طريقة عمل جسم المرأة والعوامل التي تؤثر في صحتها.

كما تشير إلى أن الوعي الجنسي والصحي شهد تحسناً، لكنه لا يزال غير كافٍ.

وتلفت إلى أن بعض الأمهات قد يعتقدن أن الفتاة في التاسعة من عمرها ما زالت صغيرة جداً للحصول على معلومات عن الدورة الشهرية والخصوبة، رغم أن بعض الفتيات قد تبدأ لديهن الدورة في هذا العمر أو قبله.

وترى هيل أن زيادة المعرفة بالجسم تمثل خطوة إيجابية، لكن التحدي التالي هو تحويل هذه المعرفة إلى سياسات تعليمية أفضل ورعاية صحية أكثر كفاءة وإتاحة أكبر للعلاج.

هل يتحول الوعي الصحي إلى “قلق”؟

تحذر هيل من استخدام مصطلح “القلق الصحي” بطريقة تقلل من شأن تجارب النساء وأعراضهن.

وترى أن وصف مخاوف المرأة بشأن جسدها بأنها مجرد قلق قد يعيد إنتاج نمط تاريخي طويل من تجاهل الشكاوى الصحية للنساء.

وتشير إلى أن بعض الآلام والأعراض النسائية جرى تفسيرها عبر التاريخ بطريقة تقلل من شأنها أو تربطها باضطرابات نفسية أو هرمونية دون فهم طبي كافٍ.

ولهذا، فإن زيادة معرفة المرأة بجسدها، في رأيها، يجب ألا تُعامل تلقائياً باعتبارها مصدر قلق، بل ينبغي أن تكون وسيلة تساعدها على طلب الرعاية الطبية المناسبة عند الحاجة.

فجوة في التعليم المدرسي

تكشف دراسة تجريها بوبي تايلور، الباحثة في جامعة بريستول، عن مشكلة أخرى تتعلق بالتثقيف حول الدورة الشهرية.

فوفقاً لنتائج الدراسة التي تناولت تجارب شابات تتراوح أعمارهن بين 18 و24 عاماً، لم تحصل نحو واحدة من كل خمس فتيات على تعليم عن الدورة الشهرية في المدرسة إلا بعد بدء دورتها بالفعل.

وتشير تايلور إلى أن بعض الفتيات قد تبدأ لديهن الدورة الشهرية في سن مبكرة، تصل إلى نحو ثماني سنوات في بعض الحالات، ما يجعل توقيت التثقيف الصحي مسألة مهمة.

وترى أن المشكلة لا تتعلق بالمعلومات الطبية فقط، وإنما أيضاً بالاندماج المجتمعي وكسر ثقافة السرية المحيطة بالحيض.

فمن المهم، بحسب رأيها، أن يفهم الجميع ما يحدث لأجسادهم، وأن يعرفوا كيفية دعم أقرانهم وأفراد أسرهم.

تغير ثقافي أوسع

تعتقد تايلور أن النقاش المتزايد حول قضايا مثل انقطاع الطمث ساعد في إحداث تحول ثقافي أوسع بشأن صحة المرأة.

فكلما أصبحت موضوعات كانت تعتبر محرجة أو خاصة أكثر حضوراً في النقاش العام، اتسع المجال أمام الحديث عن قضايا نسائية أخرى، كما ازداد اهتمام الباحثين بإجراء الدراسات المتعلقة بصحة المرأة.

وترى أن امتلاك النساء معرفة أكبر بأجسادهن يمكن أن يمنحهن شعوراً أكبر بالتمكين، ويساعدهن على معرفة متى تكون الأعراض طبيعية ومتى تستدعي طلب المساعدة الطبية.

هل تعرف بنات الجيل زد أكثر من أمهاتهن؟

لا تعني هذه التحولات بالضرورة أن بنات الجيل زد يمتلكن معرفة طبية أفضل من أمهاتهن في كل المجالات، لكنهن بالتأكيد يتمتعن بميزة لم تكن متاحة للأجيال السابقة، وهي الوصول الفوري إلى كم هائل من المعلومات والتجارب الشخصية.

وفي المقابل، يمثل هذا الكم الهائل من المعلومات تحدياً جديداً، لأن المحتوى المتاح على الإنترنت ليس كله موثوقاً أو مدعوماً بأدلة علمية.

ولهذا، فإن الفارق الحقيقي بين الأجيال قد لا يكون في مقدار المعرفة فقط، بل في سهولة الوصول إليها والقدرة على البحث عنها ومناقشتها علناً.

وتشير التجارب التي استعرضها التقرير إلى أن الجيل الجديد بدأ يكسر حالة الصمت التي أحاطت بالدورة الشهرية وصحة المرأة لسنوات طويلة، لكن الخطوة التالية تتمثل في ضمان أن تكون هذه المعرفة دقيقة وآمنة، وأن تتكامل المعلومات المتداولة عبر الإنترنت مع التعليم الطبي والرعاية الصحية المتخصصة.

فزيادة الوعي بصحة المرأة يمكن أن تكون وسيلة للتمكين، لكن قيمتها الحقيقية تعتمد على القدرة على التمييز بين المعلومة العلمية والنصيحة غير الموثوقة، وعلى تحويل المعرفة إلى رعاية صحية وتعليم أفضل للنساء والفتيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى