لغز الكتب المستعملة.. هل يشتري الذكاء الاصطناعي الكتب لتدريب نماذجه؟

يشهد سوق الكتب المستعملة حول العالم ظاهرة غير معتادة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما بدأ عدد من تجار الكتب المستقلة يتلقون طلبات ضخمة لشراء كميات كبيرة من الكتب، في عمليات تبدو مختلفة عن أنماط الشراء المعتادة.
ففي شمال إنجلترا، لاحظ ستيوارت مانلي، صاحب مكتبة “بارتر بوكس” في نورثمبرلاند، تغيراً لافتاً في حركة المبيعات. فالمكتبة تبيع عادة ما بين ألفين وثلاثة آلاف كتاب أسبوعياً، إلا أنها تلقت مؤخراً طلباً واحداً يعادل تقريباً حجم المبيعات التي تتوقعها خلال أسبوع كامل.
ويقول مانلي إنه لم يواجه شيئاً مماثلاً طوال ثلاثة عقود قضاها في تجارة الكتب المستعملة.
ولم تقتصر الظاهرة على بريطانيا، إذ أبلغ تجار كتب في مناطق مختلفة من العالم عن تلقيهم طلبات كبيرة وغير معتادة على كتب متنوعة، دون أن تكون الوجهة النهائية لهذه الكتب واضحة.
هل تقف شركات الذكاء الاصطناعي وراء الطلبات؟
يرجح بعض العاملين في سوق الكتب أن يكون الذكاء الاصطناعي أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الطفرة المفاجئة.
ويستند هذا الاعتقاد إلى تطورات قانونية شهدتها الولايات المتحدة، وإلى وثائق قضائية كشفت تفاصيل عن الطريقة التي استخدمتها شركة “أنثروبيك” في جمع الكتب لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود”.
وفي عام 2025، أصدر قاضٍ أمريكي حكماً في قضية رفعتها مجموعة من المؤلفين ضد شركة أنثروبيك، وخلص إلى أن استخدام الشركة للكتب التي اشترتها لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن اعتباره استخداماً “تحويلياً” بدرجة كبيرة، وبالتالي يدخل ضمن الاستخدام المسموح به بموجب القانون الأمريكي في الحالة التي تناولتها الدعوى.
وكشفت وثائق المحكمة التي رُفعت عنها السرية لاحقاً أن الكتب التي جرى جمعها في إطار العملية كانت تُستخدم لإدخال محتوياتها إلى أنظمة رقمية، مع التخلص من النسخ الورقية بعد مسحها.
وأكدت أنثروبيك أن نموذج “كلود” يتدرب على مزيج من بيانات الإنترنت المتاحة للجمهور، وبيانات تم الحصول عليها تجارياً، وبيانات تنتجها الشركة بنفسها.
وقالت الشركة إن الحصول على الكتب لأغراض التدريب يمثل نهجاً متبعاً على نطاق واسع في قطاع الذكاء الاصطناعي، لكنها شددت على أن برامجها الحالية لجمع البيانات لا تتضمن شراء الكتب النادرة أو الأثرية بهدف إتلافها.
ما هو “المسح الضوئي الإتلافي”؟
أظهرت الوثائق المتعلقة بقضية أنثروبيك أن عملية جمع الكتب ورقمنتها أُطلق عليها داخلياً اسم “مشروع بنما”.
وكان الهدف من المشروع، وفق الوثائق، إجراء مسح ضوئي واسع النطاق للكتب بهدف تحويل محتوياتها إلى بيانات رقمية يمكن استخدامها في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتختلف هذه العملية عن المسح التقليدي للكتب، إذ يمكن أن تتضمن إزالة كعب الكتاب وفصل صفحاته حتى تتمكن الآلات من مسحها بسرعة كبيرة.
وبعد الانتهاء من عملية المسح، يمكن التخلص من الأجزاء الورقية وإرسالها لإعادة التدوير.
وهذا يفسر سبب القلق لدى بعض بائعي الكتب من أن الكتب التي يبيعونها قد لا تصل إلى قارئ جديد، وإنما قد تنتهي إلى عملية رقمنة ثم إتلاف.
ويقول مانلي إن مصطلح “مشروع بنما” جديد بالنسبة إليه، لكن فكرة شراء الكتب بكميات كبيرة بهدف رقمنتها ليست جديدة تماماً، إذ سبق أن ناقشها بائعو الكتب في منتديات متخصصة.
لماذا تُشترى كتب متنوعة وغير متوقعة؟
من الأمور التي أثارت انتباه بائعي الكتب أن الطلبات لا تتركز على الكتب الأكثر شهرة أو الأعمال الأدبية الأكثر مبيعاً.
فقد شملت بعض الطلبات كتباً لاتينية نادرة أو غير معروفة، إلى جانب روايات من أدب رعاة البقر وغيرها من العناوين المتنوعة.
ويرى خبراء أن هذا التنوع قد يكون مؤشراً على استخدام الكتب في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لأن النماذج اللغوية الكبيرة تحتاج إلى كميات هائلة ومتنوعة من البيانات.
ويمكن للكتب النادرة وغير المتداولة على نطاق واسع أن توفر للنماذج محتوى جديداً قد لا يكون متاحاً بسهولة على الإنترنت.
وهذا يعني أن كتاباً لم يكن له طلب تجاري كبير منذ سنوات قد يصبح فجأة ذا قيمة بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا التي تبحث عن بيانات جديدة لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
اختلاف كبير بين بريطانيا والولايات المتحدة
تثير القضية أيضاً أسئلة قانونية بشأن حقوق المؤلفين والملكية الفكرية.
وتوضح البروفيسورة إميلي هدسون، المتخصصة في الملكية الفكرية بجامعة أكسفورد، أن القواعد البريطانية تختلف عن النظام القانوني الأمريكي.
وبحسب تفسيرها، فإن عمليات نسخ الأعمال وإنشاء مكتبة تستخدم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك عملية التدريب نفسها، تحتاج في بريطانيا إلى إذن من صاحب حقوق النشر.
ويفتح ذلك الباب أمام نقاش واسع بشأن الحدود القانونية لاستخدام الكتب في تدريب الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تزايد اعتماد شركات التكنولوجيا على كميات ضخمة من المحتوى لتطوير نماذجها.
معضلة أخلاقية أمام بائعي الكتب
يجد بائعو الكتب المستعملة أنفسهم أمام موقف معقد.
فمن جهة، يمثل بيع كميات كبيرة من الكتب فرصة تجارية مهمة، خصوصاً للكتب التي ظلت سنوات طويلة دون مشترين.
ومن جهة أخرى، يشعر بعض البائعين بالقلق من أن تكون الكتب قد اشتريت بهدف تدميرها بعد نسخ محتوياتها.
ويرى ديريك ووكر، صاحب مكتبة في إدنبرة، أن إتلاف بعض الكتب التي توجد منها آلاف النسخ قد لا يمثل خسارة كبيرة.
لكن الوضع يصبح مختلفاً تماماً عندما يتعلق الأمر بكتاب نادر أو نسخة تاريخية لا يوجد منها سوى عدد محدود للغاية.
ويحذر من أن شراء نسخة نادرة بغرض إتلافها بعد قراءتها رقمياً قد يعني فقدان جزء مهم من التراث المكتوب.
هل كل الكتب تستحق الحفظ؟
في المقابل، يرى بعض بائعي الكتب أن التخلص من بعض العناوين ليس بالضرورة أمراً سلبياً.
ويشير مانلي إلى وجود أعداد ضخمة من الكتب التي لم تعد تحظى بطلب من القراء، وقد يكون إعادة تدويرها أفضل من بقائها في المخازن إلى أجل غير محدد.
ويضرب مثالاً على ذلك بالكتب ذات الانتشار الهائل، والتي توجد منها ملايين النسخ، مؤكداً أن العالم لا يحتاج بالضرورة إلى الاحتفاظ بكل نسخة ورقية من الكتب التي طبعت بأعداد ضخمة.
المفارقة أن بعض الكتب التي ظلت معروضة للبيع عبر الإنترنت لعقدين من الزمن بدأت تجد مشترين الآن، وهو ما يراه بعض التجار فرصة لإنعاش سوق الكتب المستعملة.
هل يصبح الكتاب القديم مادة خام للذكاء الاصطناعي؟
تكشف هذه الظاهرة عن تحول غير متوقع في قيمة الكتب القديمة.
فالكتاب الذي فقد قيمته التجارية بالنسبة إلى القارئ قد يظل ذا قيمة كبيرة بالنسبة إلى نظام ذكاء اصطناعي يبحث عن بيانات جديدة.
ومع توسع سباق تطوير النماذج اللغوية، قد تصبح الكتب النادرة والمحتويات القديمة مصدراً مهماً للبيانات، خصوصاً إذا كانت غير متاحة رقمياً على نطاق واسع.
لكن ذلك يثير أسئلة تتجاوز التجارة، من بينها: من يملك الحق في استخدام هذه الكتب؟ وهل يجوز تحويلها إلى بيانات لتدريب الذكاء الاصطناعي؟ وماذا يحدث للنسخ الأصلية بعد رقمنتها؟ وهل يجب الحفاظ على الكتب النادرة حتى بعد استخراج محتواها رقمياً؟
وبينما يرى البعض أن رقمنة الكتب يمكن أن تساعد في الحفاظ على محتواها وإتاحته للأجيال المقبلة، يخشى آخرون أن تؤدي عمليات المسح الإتلافي إلى خسارة النسخ الورقية النادرة التي تحمل قيمة تاريخية وثقافية تتجاوز النص الموجود داخلها.
وفي ظل استمرار توسع الذكاء الاصطناعي، يبدو أن سوق الكتب المستعملة أصبح جزءاً غير متوقع من سباق التكنولوجيا، بعدما تحولت بعض الكتب القديمة من سلع مهملة على رفوف المخازن إلى مصادر محتملة للبيانات التي تحتاج إليها نماذج الذكاء الاصطناعي لبناء قدراتها.



