اقتصاد وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يدخل قلب انتخابات الكونغرس

تحول الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة خلال عام 2026 من ملف محدود النقاش داخل أروقة الكونغرس إلى واحدة من أبرز القضايا المثيرة للجدل في انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بعدما امتدت تداعياته إلى الاقتصاد وسوق العمل والأمن القومي والطاقة وحتى الحملات الانتخابية.

وبحسب مجلة «نيوزويك»، أصبحت الخلافات حول تخصيص الأراضي لإنشاء مراكز البيانات مادة تستخدم في الإعلانات الانتخابية، فيما انتقلت تساؤلات كانت تبدو في السابق أقرب إلى الخيال العلمي، مثل مخاطر الروبوتات القاتلة، إلى برامج النقاش السياسي والإخباري.

لكن اللافت أن الذكاء الاصطناعي لم يتحول إلى قضية ذات اصطفاف حزبي واضح على غرار ملفات أخرى، إذ تتباين مواقف النواب والشيوخ داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي بدرجات مختلفة.

وقال إيفان روث سميث، خبير استطلاعات الرأي والشريك المؤسس لشركة «سلينغشوت ستراتيجيز»، إن قضية الذكاء الاصطناعي أحدثت «اضطرابا كاملا» في الاصطفاف الحزبي، بعدما ظهرت تأثيراتها على الانتخابات بأشكال متعددة.

بطاقة لقياس مواقف أعضاء الكونغرس

أعدت «نيوزويك» بطاقة لتقييم سياسات الذكاء الاصطناعي، تشمل أعضاء الكونغرس الـ537 الحاليين، بما في ذلك أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب والمندوبين غير المصوتين في مجلس النواب.

وتقيس البطاقة مواقف المشرعين على مقياس من 1 إلى 5، يبدأ من التحفظ تجاه الذكاء الاصطناعي وينتهي بموقف أكثر دعما له.

ويستند التقييم إلى خمسة محاور رئيسية هي: التنظيم والحوكمة، مراكز البيانات والطاقة، الوظائف والاقتصاد، السلامة والخصوصية، والأمن القومي والصين.

كما اعتمدت عملية التقييم على السجل الرسمي للمشرعين، ونتائج التصويت ومقدمي مشروعات القوانين خلال الدورة الـ119 للكونغرس، إلى جانب مراجعة تصريحاتهم العلنية في الخطب والمقابلات والبيانات الصحفية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

ويمثل الاتجاه الداعم للذكاء الاصطناعي أجندة تركز على تقليل القيود التنظيمية، وتسريع التطور التقني والتوسع في بناء مراكز البيانات، والنظر إلى مخاطر السلامة باعتبارها مشكلات يمكن معالجتها تقنيا، مع اعتبار المنافسة مع الصين قضية رئيسية للأمن القومي.

في المقابل، يرفض الاتجاه الأكثر تحفظا هذه الأولويات، بينما يقف معظم المشرعين في منطقة وسطى تجمع بين مواقف مختلفة بحسب القضية.

الجمهوريون والديمقراطيون.. اختلاف محدود

تكشف البيانات عن ميل عام لكل حزب في اتجاه مختلف، إذ يبلغ متوسط تقييم الجمهوريين 3.26، مقابل 2.60 للديمقراطيين.

ويقع 137 من أصل 262 ديمقراطيا ضمن فئة المتحفظين نسبيا، في حين يوجد 137 من أصل 266 جمهوريا ضمن فئة الداعمين نسبيا.

ورغم هذا الاختلاف، فإن الفارق بين متوسط الحزبين يبلغ 0.66 نقطة فقط على مقياس من 1 إلى 5.

وتظهر اختلافات أكبر في بعض الملفات الفرعية، بينما يتقارب الحزبان في ملفات أخرى.

ففي محور السلامة، يبلغ متوسط تقييم كل من الجمهوريين والديمقراطيين 2.1، وهو ما يضع الطرفين ضمن فئة المتحفظين نسبيا.

أما في الأمن القومي، فيبلغ المتوسط 4.4 لدى الجمهوريين، مقابل 3.9 لدى الديمقراطيين، وكلاهما ضمن الاتجاه الداعم أو الداعم نسبيا للذكاء الاصطناعي.

ويظهر أكبر فارق في ملف مراكز البيانات، حيث يصل متوسط الجمهوريين إلى 3.5، مقابل 1.9 للديمقراطيين، بفارق يبلغ 1.7 نقطة.

الوظائف.. نقطة تقارب بين الحزبين

رغم الخلافات، توجد قضايا يتقاطع فيها موقف أعضاء الحزبين، من بينها التساؤلات بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي وأهمية المنافسة مع الصين.

كما يظهر تقارب نسبي في ملف الوظائف والاقتصاد، إذ يبلغ متوسط تقييم الجمهوريين 3.0 مقابل 2.8 للديمقراطيين، وهي مستويات تقع ضمن فئة المواقف المختلطة.

وتبرز المخاوف المتعلقة بسوق العمل بشكل خاص، في ظل القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الداخلين حديثا إلى سوق العمل والعاملين في الوظائف الكتابية والإدارية.

ووفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» ونشر في مارس/آذار، قال 72% من الأمريكيين إن الوقت الحالي ليس مناسبا للعثور على وظيفة.

وترى لورين ماكفران، المديرة التنفيذية لمعهد التكنولوجيا التابع لاتحاد النقابات العمالية الأمريكي، أن الأمن الوظيفي سيكون من أبرز الاختبارات السياسية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

تحالفات تتجاوز الانقسام التقليدي

لا يقتصر الاختلاف عن الاصطفافات السياسية المعتادة على أعضاء الكونغرس، إذ بدأت تتشكل تحالفات تضم أطرافا من خلفيات سياسية واجتماعية مختلفة.

وقال ناثانيال بيرسيلي، أستاذ كلية الحقوق في جامعة ستانفورد، إن ملف الذكاء الاصطناعي لم يخضع حتى الآن بالكامل للديناميكيات المعتادة للاستقطاب السياسي.

وأشارت ماكفران إلى أن قادة الحركة العمالية باتوا يوقعون أحيانا على الرسائل نفسها التي يوقع عليها قادة دينيون محافظون، بسبب مخاوف مشتركة تتعلق بالوظائف والسلامة ومسار تطور التكنولوجيا.

ويفسر إيفان روث سميث هذا التقارب بأن القلق من الذكاء الاصطناعي قد ينطلق من دوافع مختلفة؛ فقد يركز الديمقراطي على تركز الثروة ونفوذ شركات التكنولوجيا، بينما قد ينظر الجمهوري إلى القضية من زاوية اكتساب نخبة من أصحاب النفوذ سلطة أكبر على حياة المواطنين.

أما المستقلون، فقد تكون لديهم مخاوف أوسع بشأن تركز السلطة، ما يجعل اختلاف دوافع الأطراف لا يمنع وصولها أحيانا إلى نتائج متشابهة بشأن بعض القضايا.

ويرى سميث أن الذكاء الاصطناعي دخل المشهد السياسي بسرعة لافتة، لأنه يرتبط بجوانب عديدة من الحياة اليومية، مشيرا إلى أن استطلاعات «سلينغشوت» أظهرت أن بعض الأشخاص قد يشعرون بالارتياح لاستخدام الذكاء الاصطناعي شخصيا، وفي الوقت نفسه يشعرون بالقلق من تأثيراته الأوسع على الاقتصاد والمجتمع.

موقف البيت الأبيض

يتجه البيت الأبيض في موقفه العام إلى الجانب الأكثر دعما للذكاء الاصطناعي، وهو ما يتقاطع في بعض جوانبه مع مواقف قادة صناعة التكنولوجيا.

وكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة «تروث سوشيال» في 14 سبتمبر/أيلول أن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج، من وجهة نظره، إلا إلى قيادة قوية وذكية في ما يتعلق بالرقابة والضوابط.

وفي المحصلة، تعكس بطاقة «نيوزويك» صورة للكونغرس في لحظة سياسية محددة، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي مؤثرا في التصويت والتمويل والحملات الانتخابية والسياسات المحلية.

ومع ذلك، لا يزال الخلاف قائما داخل الحزبين وفيما بينهما بشأن المعنى العملي لتأييد الذكاء الاصطناعي أو التحفظ تجاهه، في وقت تتحول فيه التكنولوجيا إلى ملف سياسي واسع يمتد من مراكز البيانات والوظائف إلى الأمن القومي والخصوصية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى