تقارير

لماذا بقيت مصر خارج «اتفاق مكة» للدفاع المشترك؟

أثار عدم انضمام مصر إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، تساؤلات حول أسباب ابتعاد القاهرة عن الترتيب الأمني الجديد، خاصة أنها شاركت في المرحلة السابقة من المشاورات الرباعية التي ضمت الدول الأربع.

وبحسب تحليلات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الموقف المصري يرتبط بالدرجة الأولى باختلاف أولويات الأمن القومي للقاهرة، وحرصها على الاحتفاظ بحرية الحركة في السياسة الخارجية، إلى جانب تشابك علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية قد تتعارض مصالحها مع بعض أطراف الاتفاق.

وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت اتفاقًا للدفاع المشترك ينص، وفق ما أُعلن، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا. ووُصف الاتفاق بأنه ترتيب دفاعي، فيما شبّهه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من حيث المبدأ بفكرة الدفاع الجماعي التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي.

وجاء الاتفاق في ظل توترات أمنية متزايدة في الشرق الأوسط، وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مناطق خليجية، إلى جانب تصاعد النقاش بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة ودور الولايات المتحدة فيها.

مصر شاركت في المشاورات قبل الاتفاق

كان اسم مصر حاضرًا خلال الاجتماعات التي سبقت الإعلان عن الاتفاق الثلاثي. ففي مارس/آذار الماضي عقد وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان اجتماعًا في الرياض ضمن آلية رباعية هدفت إلى تعزيز التنسيق بشأن التطورات الإقليمية.

وتواصلت المشاورات بعد ذلك من خلال اجتماعات واتصالات في إسلام آباد والقاهرة، وهو ما فتح الباب أمام توقعات بإمكانية تطور هذا التنسيق إلى صيغة أمنية أوسع، وربما إلى إطار دفاعي إقليمي.

لكن التطورات اتخذت مسارًا مختلفًا، بعدما اختارت السعودية وتركيا وباكستان الانتقال إلى اتفاق دفاعي ثلاثي، بينما قررت القاهرة عدم الانضمام إليه في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن غياب مصر لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام انضمامها مستقبلًا، إذ أشارت تصريحات تركية إلى إمكانية توسع الاتفاق وضم دول أخرى، ومن بينها مصر.

اختلاف أولويات الأمن القومي

تتمتع الدول الأربع بعلاقات ومصالح مشتركة، إلا أن طبيعة التهديدات التي تواجه كل دولة تختلف بصورة واضحة.

فالسعودية تركز بدرجة كبيرة على أمن الخليج والبحر الأحمر، والتهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى التوتر مع إيران والتهديدات القادمة من جماعة الحوثيين في اليمن.

أما تركيا فتتعامل مع مجموعة واسعة من الملفات الأمنية، تشمل سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، إلى جانب التزاماتها باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي.

وفي المقابل، يمثل الصراع مع الهند التحدي الاستراتيجي الأكبر بالنسبة إلى باكستان، وهو ما يمنح إسلام آباد حسابات أمنية مختلفة عن حسابات شركائها في الاتفاق.

أما مصر فتتركز حساباتها الأمنية حول ملفات متعددة، من بينها الوضع في قطاع غزة وسيناء، والحدود مع ليبيا، والحرب في السودان، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وقناة السويس، إضافة إلى ملف المياه والعلاقات مع إثيوبيا.

وترى التحليلات أن اختلاف هذه الأولويات يجعل الدخول في تحالف دفاعي ملزم قرارًا أكثر تعقيدًا بالنسبة للقاهرة.

العلاقات مع الهند وإيران عامل مهم

من أبرز الاعتبارات التي قد تفسر الحذر المصري طبيعة العلاقات التي تربط القاهرة بأطراف خارج الاتفاق.

فمصر طورت خلال السنوات الماضية علاقات استراتيجية واقتصادية وعسكرية متقدمة مع الهند، في الوقت الذي تمثل فيه الهند المنافس والخصم الاستراتيجي الرئيسي لباكستان.

وبالتالي، فإن انضمام القاهرة إلى اتفاق دفاعي ملزم قد يفرض عليها حسابات صعبة في حال اندلاع أزمة أو مواجهة مستقبلية بين الهند وباكستان، خصوصًا إذا ترتب على الاتفاق التزام بتقديم دعم عسكري لأحد أطرافه.

كما تمثل إيران عاملًا آخر في الحسابات المصرية. فرغم وجود خلافات وتوترات في بعض مراحل العلاقات المصرية الإيرانية، حافظت القاهرة على قنوات اتصال مع طهران، وتتبنى تقليديًا سياسة تقوم على الحوار والوساطة وتجنب الانخراط المباشر في محاور عسكرية متصارعة.

ولهذا، فإن الانضمام إلى اتفاق يُنظر إلى إيران باعتبارها أحد مصادر التهديد الرئيسية لبعض أعضائه قد يضيّق مساحة الحركة المصرية في التعامل مع الملفات الإقليمية.

القاهرة تفضل تنويع الشراكات

تعتمد السياسة المصرية خلال السنوات الماضية على بناء علاقات متوازنة ومتعددة الأطراف بدل الارتباط بتحالف عسكري واحد.

وتحافظ القاهرة على تعاون عسكري واستراتيجي مع الولايات المتحدة، كما طورت علاقاتها الدفاعية مع دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب تعزيز التعاون مع الصين والهند وتركيا، واستمرار العلاقات الوثيقة مع السعودية ودول الخليج.

وتمنح هذه السياسة مصر قدرة أكبر على التعامل مع كل ملف وفق مصالحها المباشرة، دون أن تصبح ملزمة تلقائيًا بالدخول في صراع عسكري بسبب تحالف دفاعي.

وتختلف طبيعة التعاون العسكري أو التنسيق السياسي عن العضوية في اتفاق للدفاع المشترك، إذ يمكن للتحالف الملزم أن يفرض التزامات على الدولة في حال تعرض أحد أعضائه لهجوم.

أسئلة حول آلية تنفيذ الاتفاق

هناك أيضًا جوانب عملية قد تفسر تحفظ القاهرة، إذ إن الإعلان عن اعتبار الهجوم على دولة عضو اعتداءً على جميع الأعضاء لا يجيب وحده عن تفاصيل تطبيق الاتفاق.

ومن بين الأسئلة المطروحة: من يحدد أن هجومًا معينًا يستوجب تفعيل آلية الدفاع المشترك؟ وهل يحتاج القرار إلى موافقة جميع الدول؟ وما طبيعة المساعدة التي يتعين على كل عضو تقديمها؟ وهل ستكون المساعدة عسكرية مباشرة أم يمكن أن تكون سياسية أو لوجستية؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنسبة إلى مصر، التي تمتلك جيشًا كبيرًا ومصالح أمنية واسعة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الالتزامات التي قد تدفع قواتها إلى المشاركة في صراعات خارج نطاق أولوياتها المباشرة.

اتفاق قابل للتوسع

رغم عدم انضمام مصر إلى الاتفاق في مرحلته الحالية، فإن الباب لم يُغلق أمام إمكانية مشاركتها مستقبلًا.

وتشير التصريحات التركية إلى أن الاتفاق ليس بالضرورة إطارًا مغلقًا، وأن دولًا أخرى يمكن أن تنضم إليه لاحقًا، مع الإشارة إلى مصر باعتبارها إحدى الدول المحتملة.

وقد يكون الموقف المصري الحالي أقرب إلى التريث ودراسة طبيعة الاتفاق وحدوده وآليات اتخاذ القرار داخله، بدلًا من اتخاذ قرار نهائي بالرفض.

وتملك القاهرة مصلحة في مراقبة كيفية تطور الاتفاق، ومدى تحوله من إطار للتنسيق الأمني إلى تحالف دفاعي دائم، إضافة إلى معرفة طبيعة الالتزامات التي ستترتب على الدول الأعضاء.

السعودية تعيد صياغة سياستها الأمنية

في المقابل، يعكس الاتفاق الثلاثي توجهًا سعوديًا متزايدًا نحو تنويع الشراكات الأمنية والاستراتيجية.

فالسعودية تعمل على تعزيز علاقاتها مع تركيا وباكستان والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات للحوار مع إيران، وتسعى إلى توسيع خياراتها الأمنية والاقتصادية بما يتناسب مع أهداف «رؤية 2030».

وتوفر الرياض للترتيب الجديد الموارد والإمكانات الاقتصادية، بينما تمتلك تركيا قدرات متقدمة في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية، في حين تمتلك باكستان جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية وعلاقات تاريخية مع السعودية.

لكن مدى قدرة هذا الترتيب على العمل كتحالف دفاعي فعلي لن يتضح بصورة كاملة إلا عند تعرض إحدى الدول الأعضاء لأزمة أمنية كبيرة واختبار مدى استعداد الأطراف الأخرى لتقديم الدعم.

ماذا يعني الاتفاق بالنسبة إلى إسرائيل؟

وترى التحليلات الإسرائيلية أن الاتفاق يمثل تحولًا في طريقة تعامل السعودية مع أمنها الإقليمي، لكنه لا يعني بالضرورة تشكيل تحالف مباشر ضد إسرائيل.

وتبقى الولايات المتحدة شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا للسعودية، بالتزامن مع تطوير علاقات أمنية مع قوى أخرى، وهو ما يعكس توجهًا نحو تنويع مصادر القوة والحماية بدل الاعتماد على طرف واحد.

كما يرتبط ذلك بملفات أخرى، من بينها التعاون النووي المدني مع واشنطن، والطاقة، والدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، تواصل السعودية الحوار مع إيران، رغم استمرار المخاوف المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات التي تمثلها الجماعات المدعومة من طهران في المنطقة.

مستقبل الترتيبات الإقليمية

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن خريطة التحالفات في الشرق الأوسط تشهد تغيرًا متسارعًا، مع سعي دول المنطقة إلى بناء علاقات أمنية متعددة وعدم الاعتماد الكامل على ترتيبات سابقة.

وبالنسبة إلى مصر، فإن عدم الانضمام إلى «اتفاق مكة» لا يعني خروجها من منظومة الأمن الإقليمي، إذ تظل القاهرة طرفًا رئيسيًا في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، إلى جانب امتلاكها علاقات مع السعودية وتركيا وباكستان وإيران والولايات المتحدة.

ويبدو أن الرسالة الأساسية من الموقف المصري تتمثل في الحفاظ على استقلالية القرار الأمني وحرية الحركة، مع مراقبة تطورات الاتفاق قبل اتخاذ قرار بشأن الانضمام إليه.

وبذلك، لا يقتصر السؤال على سبب بقاء مصر خارج الاتفاق في الوقت الراهن، وإنما يتعلق أيضًا بالشروط التي قد تدفع القاهرة مستقبلًا إلى الانضمام، وما إذا كان الاتفاق سيتحول إلى تحالف دفاعي دائم أم سيظل إطارًا مرنًا للتنسيق الأمني بين دول المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى