تقارير

البديل التركي لـ”اتفاقيات أبراهام”.. هل تعيد أنقرة رسم توازنات الشرق الأوسط؟

كتبت: هدير البحيري


في خطوة تعكس رغبة أنقرة في إعادة تموضعها كلاعب محوري في صياغة هندسة الأمن الإقليمي، جاءت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لتفتح الباب أمام قراءة جديدة لمستقبل التحالفات في الشرق الأوسط.

ولم يكتف فيدان بوضع شروط لعودة العلاقات مع تل أبيب، بل تجاوز ذلك لتقديم “مقاربة هيكلية” شاملة، يرى فيها أن دمج إسرائيل في بنية أمنية إقليمية جديدة يمر حتمًا عبر بوابة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967.

تتحرك الدبلوماسية التركية هنا في مساحة تحاول فيها صياغة معادلة “الأمن مقابل الدولة”، وهي مقاربة تبدو في جوهرها محاولة لتقديم رؤية بديلة ومنافسة للمشروع الذي قادته واشنطن عبر “اتفاقيات أبراهام”.

فبينما ركزت الهندسة الأمريكية السابقة على بناء تحالفات أمنية واقتصادية تتجاوز القضية الفلسطينية أو تؤجل تفكيك عقدتها، تقدم أنقرة صيغة معاكسة؛ حيث لا يمكن لقطار الدمج الإقليمي أن ينطلق دون حل الصراع الأساسي.

وتتجلى أبعاد هذه الرؤية البديلة في طبيعة “القوى الضامنة” التي حددها فيدان؛ إذ رسم إطارًا يضم قوى إقليمية وازنة مثل تركيا، وباكستان، والسعودية، ومصر، ودول الخليج، مع ترك الباب مواربًا لضم إيران مستقبلًا.

هذا الطرح يمثل تحولًا في مسار الترتيبات الأمنية التقليدية التي ترعاها الولايات المتحدة بشكل منفرد، متجهًا نحو “منظومة أمنية متعددة الأطراف” تنبع من داخل الإقليم ذاته.

اللافت في هذا التوقيت هو تفاؤل أنقرة بوجود “انفراجة دائمة” وشيكة بين واشنطن وطهران، تديرها وساطة تقودها قطر وباكستان بدعم تركي.

وترى تركيا في هذا التقارب المحتمل محركًا أساسيًا يمكنه تسريع خطة السلام في غزة ونزع فتيل التصعيد الإقليمي.

هذا الربط بين الملفين (الفلسطيني والإيراني) يعكس رغبة تركية في استغلال هوامش المناورة المتاحة حاليًا، لتقديم أنقرة كـ “جسر دبلوماسي” قادر على صياغة تفاهمات كبرى تتجاوز الصيغ الضيقة للاتفاقيات السابقة.

ففي حين تؤكد أنقرة أن تعليق علاقاتها التجارية — التي بلغت نحو 10 مليارات دولار قبل الحرب — مرتبط بوقف العمليات ورفع الحصار عن غزة، تميل النخبة الحاكمة في إسرائيل إلى تصوير تركيا باعتبارها “تهديدًا استراتيجيًا”.

ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين مشروع إسرائيلي يسعى إلى تعزيز شرعيته الإقليمية دون تقديم تنازلات، ورؤية تركية تربط الاستقرار بالقبول بحدود عام 1967 كمدخل لأي تسوية مستدامة.

هل تملك تركيا أوراق ضغط حقيقية؟

ويقول الخبير في الشؤون التركية والشرق أوسطية، شعبان عبد الفتاح لـ”داي نيوز” إن تصريحات وزير الخارجية التركي تندرج في إطار سعي أنقرة لترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في رسم ملامح النظام الإقليمي خلال مرحلة ما بعد الحرب في غزة.

وأوضح عبد الفتاح أن تركيا تسعى إلى التأكيد على أن أي منظومة أمنية أو سياسية مستدامة في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن حديث فيدان عن إمكانية دمج إسرائيل في إطار أمني إقليمي، شريطة الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، يعكس محاولة تركية لتقديم رؤية متكاملة للأمن الإقليمي تقوم على الربط بين أمن إسرائيل وضمان الحقوق الفلسطينية ضمن معادلة واحدة.

وحول توقيت هذا الطرح، قال إنه يرتبط بتصاعد النقاشات الدولية بشأن مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وتزايد الاعترافات بالدولة الفلسطينية، إلى جانب الجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة ترتيب البيئة الإقليمية.

ورغم أهمية هذه المقاربة، يؤكد عبد الفتاح أنها لا تمثل تحولًا جوهريًا في السياسة التركية، بل إعادة صياغة أكثر براغماتية لموقفها التقليدي الداعم لحل الدولتين.

ويشير إلى أن الاختلاف هذه المرة لا يتعلق بالمضمون، وإنما بالإطار الذي تطرح من خلاله القضية الفلسطينية، حيث باتت أنقرة تربط بين تسويتها ومستقبل الأمن الإقليمي والاستقرار في المنطقة.

وفي سياق متصل، اعتبر عبدالفتاح أن تصريحات فيدان تحمل أيضًا رسالة استباقية إلى إدارة ترامب، لا سيما أنها جاءت بالتزامن مع تزايد الحديث في واشنطن عن توسيع “اتفاقيات أبراهام” وضم دول عربية وإسلامية جديدة إلى مسار التطبيع.

وأضاف أن تركيا تحاول في المقابل طرح رؤية مختلفة تقوم على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر التطبيع وحده، بل يجب أن يسبقه أو يتزامن معه حل عادل للقضية الفلسطينية.

وقال عبدالفتاح إنه يمكن فهم تصريحات فيدان في هذا السياق باعتبارها محاولة لتقديم “معادلة تركية” موازية للرؤية الأمريكية؛ إذ لا ترفض أنقرة دمج إسرائيل في المنطقة من حيث المبدأ، لكنها تربط ذلك بقيام دولة فلسطينية مستقلة.

كما لفت عبد الفتاح إلى أن صانع القرار التركي يدرك أن توسع اتفاقيات أبراهام قد يفضي إلى نشوء ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية، وهو ما قد يحد من هامش النفوذ التركي في المنطقة، مضيفًا أن أنقرة تسعى إلى ضمان حضورها في أي عملية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عبر طرح رؤية تربط بين التطبيع والتسوية السياسية.

وفيما يتعلق بقدرة تركيا على الدفع بهذه الرؤية، أوضح عبدالفتاح أن أنقرة لا تمتلك بمفردها أدوات ضغط كافية لإجبار إسرائيل على القبول بحدود عام 1967، نظرًا لارتباط هذا الملف باعتبارات داخلية إسرائيلية، فضلًا عن الموقف الأمريكي والتوازنات الدولية الأوسع.

ومع ذلك، أشار إلى أن تركيا لا تزال تمتلك أوراقًا سياسية ودبلوماسية مؤثرة، من بينها ثقلها داخل العالم الإسلامي، وعضويتها في حلف الناتو، وعلاقاتها الواسعة مع القوى الإقليمية والدولية، فضلًا عن حضورها المؤثر في الملفات المرتبطة بغزة والقضية الفلسطينية.

ويخلص عبد الفتاح إلى أن الهدف الرئيسي من تصريحات فيدان لا يتمثل في ممارسة ضغط مباشر على إسرائيل، بقدر ما يعكس سعي أنقرة إلى تثبيت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، معتبرًا أن الطرح التركي يحمل أبعادًا دبلوماسية واستراتيجية تتجاوز مسألة الضغط المباشر، وتستهدف تأمين دور مؤثر لتركيا في مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، عبر التأكيد على أن دمج إسرائيل في المنطقة يجب أن يكون نتاجًا لحل القضية الفلسطينية، لا بديلًا عنها.

الفرص والتحديات.. هل يقبل الشرق الأوسط “مظلة أمنية” شاملة؟

لكن يبقى السؤال الأبرز: إلى أي مدى يمكن تحويل هذه الرؤية التركية إلى إطار أمني قابل للتطبيق في منطقة تشهد تداخلًا معقدًا في المصالح والتوازنات الجيوسياسية؟

وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية د. هيثم عمران لـ”داي نيوز” إن الطرح التركي الذي عبر عنه وزير الخارجية هاكان فيدان يمثل محاولة لتقديم نموذج موازٍ لمقاربة الأمن الإقليمي السائدة في المنطقة.

وأوضح عمران أن المقارنة بين الرؤية التركية و”اتفاقيات أبراهام” لا تتعلق بصدام مباشر بين المشروعين بقدر ما ترتبط باختلاف المسارات المؤدية إلى الاستقرار. فبينما قامت اتفاقيات أبراهام على بناء شبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية مع تأجيل الملفات السياسية المعقدة، تعيد المقاربة التركية وضع القضية الفلسطينية في قلب المعادلة، عبر اعتبار حل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 شرطًا أساسيًا لأي عملية دمج إقليمي مستدام لإسرائيل.

وأضاف أن الطرح التركي يتجاوز كذلك الإطار الجغرافي والسياسي لاتفاقيات أبراهام، من خلال تصوره لمنظومة أوسع تضم قوى إقليمية متعددة، بينها تركيا وباكستان ودول عربية رئيسية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام انضمام إيران مستقبلًا.

وحول فرص نجاح هذه الرؤية، أشار عمران إلى أن المشروع التركي يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية المعقدة، يأتي في مقدمتها اشتراط الاعتراف الإسرائيلي بدولة فلسطينية مستقلة، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في ظل طبيعة المشهد السياسي الإسرائيلي الحالي وصعود التيارات اليمينية الرافضة لتقديم تنازلات جوهرية في هذا الملف.

كما لفت إلى أن فكرة إدراج إيران وإسرائيل ضمن إطار أمني واحد تصطدم بتناقضات استراتيجية عميقة، في ظل عقود من العداء المتبادل والخلافات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وشبكات النفوذ الإقليمية، ما يجعل تحقيق هذا التصور الشامل أمرًا بالغ الصعوبة على المدى المنظور.

وفي المقابل، يرى عمران أن هناك فرصًا واقعية يمكن البناء عليها، خصوصًا في ظل التحسن الملحوظ في العلاقات بين تركيا وعدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، وما نتج عنه من تقارب في الرؤى المتعلقة بأولوية الاستقرار وحماية الممرات التجارية وتعزيز التنمية الاقتصادية.

ويعتبر أن هذا الواقع قد يفتح المجال أمام أشكال تدريجية من التعاون الأمني والسياسي بين القوى العربية وتركيا، حتى في حال تعذر قيام منظومة إقليمية شاملة تضم جميع الأطراف.

وأكد عمران أن الطرح التركي لا يستهدف إقصاء الولايات المتحدة من معادلة الأمن الإقليمي، بل يعكس توجهًا نحو نموذج أكثر تشاركية تتولى فيه القوى الإقليمية دورًا أكبر في إدارة الأزمات وصياغة المبادرات، مع استمرار الحاجة إلى الدور الأمريكي بوصفه الضامن الرئيسي للتفاهمات الاستراتيجية الكبرى.

واختتم بالقول إن العقبة الأبرز أمام أي مشروع للأمن الجماعي في الشرق الأوسط لا تكمن فقط في الخلافات السياسية، بل في غياب توافق إقليمي حول تعريف مصادر التهديد وأولويات الأمن، فضلًا عن أزمة الثقة المزمنة بين القوى الإقليمية وتنافسها على النفوذ والقيادة. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية خلال المرحلة المقبلة يتمثل في بناء شبكات تعاون وتنسيق تدريجية ومتعددة المسارات، بدلًا من ظهور منظومة أمنية إقليمية شاملة ومتكاملة في المدى القريب.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى