تأخر الغواصات البديلة وضغوط الصيانة يهددان استمرارية الردع النووي البريطاني

أثار وجود ثلاث غواصات بريطانية من أصل أربع غواصات نووية حاملة للصواريخ في البحر في الوقت نفسه تساؤلات بشأن احتمال توجيه رسالة إلى روسيا أو رفع مستوى التأهب العسكري، إلا أن هذا الانتشار يرتبط بصورة أساسية بجدولة التشغيل والصيانة، ويعكس تحسنًا في جاهزية الأسطول بعد فترة من التراجع والضغوط.
ولا يعني وجود الغواصات الثلاث في البحر أنها جميعًا تنفذ دوريات للردع النووي، إذ يعتمد النظام البريطاني على إبقاء غواصة واحدة مسلحة وجاهزة في دورية دائمة، بينما تتوزع الغواصات الأخرى بين التدريب والاختبارات وأعمال الصيانة، وفقًا لما أوردته صحيفة «التلغراف».
غواصات «فانغارد» ودورها في الردع النووي
يمثل أسطول غواصات «فانغارد» الركيزة الأساسية للردع النووي البريطاني، ونظرًا إلى التعقيد الفني والتشغيلي لهذه الغواصات، فإن امتلاك أربع وحدات يُعد الحد الأدنى المقبول لضمان استمرار المهمة دون انقطاع.
وتحدد جداول تشغيل الغواصات قبل أشهر، وأحيانًا قبل سنوات، مع إمكانية تعديلها وفقًا لمواعيد الصيانة والإصلاح أو الأعطال المفاجئة. لذلك، فإن خروج ثلاث غواصات إلى البحر لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار سياسي أو عسكري استثنائي، بل قد يكون نتيجة ترتيبات تشغيلية سابقة.
تحسن الجاهزية مقابل استمرار الدوريات الطويلة
يشير وجود ثلاث غواصات في البحر إلى تحسن توافر الوحدات اللازمة لتنفيذ المهام، بعد فترة شهدت تراجعًا في جاهزية الأسطول. لكن المؤشر الأهم على نجاح هذا التحسن لا يقتصر على زيادة عدد الغواصات المتاحة، بل يشمل تقليص مدة الدوريات وتخفيف الأعباء الواقعة على أطقمها.
فقد تجاوزت مدة كل واحدة من آخر تسع دوريات مكتملة خمسة أشهر، ووصلت بعض الدوريات إلى 204 و205 أيام، وهي فترات طويلة للغاية مقارنة بالدورية القياسية لغواصات «ريزوليوشن» الأقدم، التي بلغت 108 أيام خلال تسعينيات القرن الماضي.
وكانت تلك المدة قد أثارت في السابق مخاوف بشأن الضغوط التي يتعرض لها البحارة، بينما تقترب مدد الدوريات الحالية من ضعفها، ما يسلط الضوء على حجم الاستنزاف الذي تتحمله الأطقم في ظل استمرار المهام لفترات ممتدة.
تأخر الغواصات البديلة يفاقم أزمة الأسطول
ترجع جذور التحديات التي تواجه الردع النووي البريطاني إلى تأخر برنامج استبدال الغواصات، إلى جانب ضعف الاستثمار في أحواض الصيانة ومنظومات الدعم على مدار عقود.
فعندما تعهدت بريطانيا عام 2006 باستبدال منظومة «ترايدنت»، كان من المقرر أن تدخل أول غواصة جديدة الخدمة عام 2024. لكن تأخر اتخاذ القرار الاستثماري الرئيسي أدى إلى ترحيل الموعد إلى عام 2028، قبل أن يتأجل مرة أخرى إلى أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
ولا تحدد وزارة الدفاع البريطانية حتى الآن موعدًا أكثر دقة لدخول الغواصات الجديدة الخدمة، في حين تشير تقديرات إلى احتمال حدوث ذلك عام 2032.
وفي الوقت نفسه، تخضع الغواصة «فيكتوريوس» لعملية صيانة عميقة في قاعدة ديفونبورت منذ مايو/أيار 2023، وهو ما ساهم في زيادة الضغوط على الأسطول، وجعل دورة التشغيل تعتمد على غواصتين فقط من أصل أربع خلال جزء كبير من العام.
مشكلات الصيانة تمتد إلى برامج بحرية أخرى
لا تقتصر التأخيرات على برنامج الغواصات النووية، بل تشمل أيضًا مشروعات بناء فرقاطات جديدة وتطوير بدائل للمدمرات الحالية، وهو ما يعكس التحديات التي تواجه تحويل الخطط الدفاعية البريطانية إلى قدرات عسكرية جاهزة في المواعيد المحددة.
ويتطلب الحفاظ على التحسن الأخير في جاهزية غواصات «فانغارد» توفير دعم مستمر لعمليات الصيانة والإصلاح، بالتوازي مع استكمال برنامج الإحلال، حتى لا يتحول ارتفاع عدد الغواصات المتاحة في البحر إلى تحسن مؤقت.
لماذا لا تستخدم بريطانيا غواصات الردع لملاحقة روسيا؟
أثارت التحركات البحرية تكهنات بشأن إمكانية استخدام الغواصات الاستراتيجية في مهام بديلة، مثل القيام بأدوار غواصات الهجوم أو ملاحقة الغواصات الروسية، إلا أن هذه المهام تتعارض مع طبيعة الدور الأساسي للغواصات النووية الحاملة للصواريخ.
فإسناد مهام قد تزيد احتمالات اكتشاف هذه الغواصات يهدد أهم ميزة تعتمد عليها، وهي السرية، التي تمثل أساس قدرتها على البقاء في البحر وتنفيذ مهمة الردع النووي.
وتتمثل الأولوية البريطانية في ضمان وجود قدرة نووية بحرية متاحة بصورة مستمرة، مع العمل على تقليص مدد الدوريات الطويلة وحماية الأطقم من الاستنزاف، إلى جانب معالجة مشكلات الصيانة والتأخر في بناء الغواصات البديلة لضمان استدامة جاهزية الأسطول.



