الذكاء الاصطناعي يفك شفرة «لغة النباتات».. جهاز جديد يكشف احتياجاتها ويرصد الإجهاد قبل ظهور علاماته

في خطوة جديدة لتطوير الزراعة الذكية، كشفت شركة «إلكتريك بلانت» (Electric Plant Co.) عن جهاز استشعار مبتكر يحمل اسم «باد» (Bud)، يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الإشارات الكهربائية التي تصدرها النباتات بصورة طبيعية، وتحليلها وتحويلها إلى بيانات تساعد على فهم احتياجاتها وظروفها البيئية.
ويستهدف الجهاز مساعدة المزارعين والمهتمين بالنباتات على التعرف بصورة أدق على حالتها، من خلال مراقبة مؤشرات مثل الرطوبة والإجهاد الفسيولوجي، بما قد يسهم في تحسين كفاءة الزراعة وتقليل الهدر في الموارد.
جهاز «باد».. كيف يستمع إلى النباتات؟
يتميز جهاز «Bud» بخفة وزنه وانخفاض تكلفته، ويُثبت على النبات باستخدام مسبارين، مع تثبيته بواسطة برغيين مصنوعين من الفولاذ المقاوم للصدأ.
ويمكن استخدام الجهاز مع النباتات التي يبلغ سمك ساقها بوصة واحدة على الأقل، أي نحو 2.5 سنتيمتر، كما يتمتع عند استخدامه مع الأشجار بحساسية تسمح بالوصول إلى طبقة «الكامبيوم»، الواقعة بين اللحاء والخشب.
وتعتمد التقنية على حقيقة أن النباتات تنتج إشارات كهربائية وكهروكيميائية استجابة للمؤثرات المحيطة بها، إذ تستخدم هذه الإشارات في تنسيق عدد من استجاباتها الحيوية.
وقال جاستن ماست، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للشركة، في حديثه لمجلة «فاست كومباني»، إن الجهاز يشبه «وحدة ربط» تتيح الوصول إلى المعلومات التي تعالجها النباتات، موضحًا أن النباتات والأشجار تمتلك مستقبلات تستجيب للبيئة، وتنسق استجاباتها عبر إشارات كهروكيميائية تسعى الشركة إلى رصدها وفهمها.
من الإشارات الكهربائية إلى مؤشرات الإجهاد
تعمل الشركة على تحليل الإشارات الكهربائية التي تطلقها النباتات عند تعرضها لظروف بيئية مختلفة، بهدف استخلاص معلومات تساعد في تحديد احتياجاتها وحالتها الفسيولوجية.
ويعتمد نظام الذكاء الاصطناعي للشركة، الذي يحمل اسم «بومباديل» (Bombadil)، على قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 4 ملايين ساعة من الإشارات الكهربائية، جُمعت من أكثر من 1400 نبات ينتمي إلى 100 نوع مختلف.
وتشمل العينات نباتات الزينة المنزلية والطماطم، إلى جانب أشجار التفاح واللوز والبلوط.
ويحلل النموذج البيانات لاستخلاص سبعة مؤشرات للإجهاد الفسيولوجي، من بينها مؤشرات تتعلق بكفاءة عمل نظام التمثيل الضوئي، والفارق بين درجة حرارة الأوراق ودرجة حرارة الهواء المحيط بها، بهدف تقديم قراءات تساعد على فهم وضع النبات بصورة أكثر دقة.
وتتيح هذه البيانات إمكانية التعرف على التغيرات التي قد لا تظهر علاماتها بوضوح على النبات إلا بعد مرور أسابيع أو أشهر، خصوصًا عند حدوث تغييرات في جداول الري أو مستويات العناصر الغذائية.
تمويل بقيمة 11.2 مليون دولار لتطوير التقنية
أعلنت شركة «إلكتريك بلانت» خروجها من مرحلة العمل في الخفاء، كاشفة عن حصولها على تمويل أولي بقيمة 11.2 مليون دولار، لدعم تطوير تقنياتها المرتبطة بمراقبة النباتات وتحليل احتياجاتها.
وتنضم الشركة إلى مجموعة من المؤسسات الناشئة التي تسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في فهم الإشارات الحيوية للنباتات، وتحويلها إلى معلومات عملية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ورعاية النباتات.
ومن بين هذه الشركات «فيفنت بايوسيجنالز» (Vivent Biosignals) السويسرية المتخصصة في ذكاء النباتات، التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الإشارات النباتية، وأعلنت في يوليو الماضي تجاوزها مليوني يوم من مراقبة النباتات.
كما ظهرت شركة بريطانية ناشئة تحمل اسم «سمارتي بلانتس» (Smarty Plants)، وتطور مستشعرات تُغرس في تربة نباتات الزينة المنزلية، إذ عرض مؤسسها منتج الشركة في إحدى حلقات برنامج واقعي للأعمال على شبكة «بي بي سي» بُث الشهر الماضي.
تطبيقات تمتد من نباتات المنازل إلى الزراعة والغابات
تتجاوز استخدامات التقنية الجديدة رعاية نباتات الزينة، لتشمل مجالات الزراعة والغابات، حيث يمكن أن تساعد البيانات المستخلصة في تحسين قرارات الري والتغذية النباتية، وتعزيز كفاءة إدارة المحاصيل.
وأوضح ماست، الذي أسس سابقًا شركة «بلومسكيب» (Bloomscape) المتخصصة في توصيل نباتات الزينة مباشرة إلى المستهلكين، أن تجربته في هذا المجال كشفت صعوبة تحديد احتياجات النبات بدقة في كل وقت.
وأشار إلى أن احتياجات النباتات تتأثر بعوامل متعددة، منها كمية ضوء الشمس، والموقع الجغرافي، وحجم النبات، ومدى قربه من مصادر الحرارة، مثل أجهزة التدفئة.
وأضاف أن هذه التحديات لا تقتصر على النباتات المنزلية، بل تمتد إلى الزراعة والغابات، حتى مع وجود خبراء متخصصين، إذ يصعب توسيع نطاق الرعاية الدقيقة لتشمل أعدادًا كبيرة من النباتات.
هل تمهد التقنية لزراعة أكثر كفاءة؟
تأتي هذه الابتكارات في وقت تواجه فيه القطاعات الزراعية تحديات متزايدة، تشمل ارتفاع درجات الحرارة وتكاليف مستلزمات الإنتاج، ومن بينها الأسمدة.
ومن شأن الاعتماد على بيانات أكثر دقة بشأن الحالة الفسيولوجية للنباتات أن يفتح المجال أمام تحسين استخدام المياه والعناصر الغذائية، وتقليل الهدر، ورفع فرص نجاح المحاصيل، وإن كانت النتائج العملية ستعتمد على دقة النماذج وقدرتها على العمل في ظروف زراعية متنوعة.
واختتم ماست حديثه بالتأكيد على أن الهدف الأساسي يتمثل في الوصول إلى ما وصفه بـ«اللغة الداخلية» للنباتات والأشجار، لفهم طبيعة استجابتها للعالم المحيط بها، والتعرف على أفضل الطرق لرعايتها.



