ألمانيا في مواجهة «الحرب الهجينة».. طائرات مسيرة وتجسس وتخريب وحملات تضليل

تواجه ألمانيا خلال الفترة الأخيرة بيئة أمنية متزايدة التعقيد، لا تقتصر على التهديدات العسكرية التقليدية، وإنما تمتد إلى التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي، إلى جانب نشاط متزايد للطائرات المسيرة فوق المنشآت الحيوية والعسكرية.
وأعاد العثور على طائرة مسيرة محملة بمتفجرات بالقرب من مطار لايبزيغ فتح ملف المخاطر التي تواجه البنية التحتية الألمانية، وسط تساؤلات حول قدرة السلطات على رصد مثل هذه التهديدات والتعامل معها في الوقت المناسب.
وعثر سائق حافلة على الطائرة وهي تحلق على ارتفاع منخفض داخل محيط المطار، وتمكن من تعطيلها، قبل أن تكشف السلطات أنها كانت تحمل مواد متفجرة. ولم يسفر الحادث عن وقوع إصابات، إلا أن خطورته دفعت الادعاء الاتحادي الألماني إلى تولي التحقيق، مع بحث احتمال وجود صلة بجهة أجنبية.
وتزداد أهمية الحادث بسبب الموقع الاستراتيجي لمطار لايبزيغ، الذي يعد مركزًا رئيسيًا لشركة «دي إتش إل» المتخصصة في الخدمات اللوجستية، كما يرتبط بعمليات نقل المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، وتوجد فيه طائرات نقل أوكرانية منذ اندلاع الحرب.
تهديدات تتجاوز التجسس
وصف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريشت حادث الطائرة المسيرة بأنه نموذج جديد للمخاطر المرتبطة بما يعرف بـ«الحرب الهجينة»، في ظل تزايد وقائع تحليق المسيرات فوق المطارات والمنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
وفي الأسبوع نفسه، تحدثت تقارير ألمانية عن رصد طائرة مسيرة فوق موقع عسكري تستخدم فيه وتُصان منصات إطلاق صواريخ «باتريوت» الأمريكية، ما أثار مخاوف إضافية بشأن عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات حول المنشآت الدفاعية.
ويمثل العثور على طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات تصعيدًا مقارنة بحوادث التحليق والرصد السابقة، خصوصًا بعدما كشفت السلطات أن المواد المضبوطة تضمنت مزيجًا من «سيمتكس» و«بي إي تي إن»، وهما من المواد شديدة الفعالية، دون أن تتوصل التحقيقات حتى الآن إلى تحديد الجهة التي تقف وراء العملية.
روسيا في دائرة الاشتباه
تأتي روسيا في مقدمة الجهات التي تشتبه السلطات الألمانية في ارتباطها بعدد من عمليات التجسس والتخريب والتضليل التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن موسكو قد تعتمد في بعض العمليات على أشخاص يتم تجنيدهم لتنفيذ مهام محددة، بما يجعل إثبات وجود علاقة مباشرة بين المنفذين وأجهزة الاستخبارات الروسية أكثر صعوبة.
وأثار حادث لايبزيغ شكوكًا إضافية بسبب طبيعة العملية وموقعها، بينما لم يستبعد وزير الداخلية الألماني احتمال وقوف «قوى أجنبية» وراءها.
وفي المقابل، وجه مسؤولون من المعارضة اتهامات مباشرة إلى موسكو، فيما نفت السفارة الروسية في برلين أي علاقة بالحادث، ووصفت الاتهامات بأنها محاولة استفزازية لتحميل روسيا المسؤولية.
ولا تزال التحقيقات مفتوحة أمام احتمالات أخرى، من بينها احتمال تورط جهات أوكرانية أو متطرفين ألمان معارضين لحلف شمال الأطلسي «الناتو» وللدعم العسكري الذي تقدمه ألمانيا لأوكرانيا، ما يعكس صعوبة تحديد مصدر الهجمات الهجينة دون أدلة قاطعة.
المطارات والمنشآت الحيوية أمام اختبار أمني
سلط حادث لايبزيغ الضوء مجددًا على نقاط الضعف في منظومة حماية البنية التحتية الألمانية، خاصة في ظل محدودية بعض القدرات المتاحة للمطارات لاكتشاف الطائرات المسيرة والتعامل معها بسرعة.
وتتوزع مسؤولية مواجهة هذه التهديدات بين الشرطة الاتحادية وشرطة الولايات والجيش الألماني، ورغم اتخاذ إجراءات قانونية لتوضيح الصلاحيات، فإن التنسيق بين مختلف الأجهزة لا يزال يمثل تحديًا أمام السلطات.
ولا تقتصر المخاطر على المطارات، بل تمتد إلى المنشآت العسكرية ومرافق الطاقة والمصانع الكيميائية وشبكات النقل والاتصالات، الأمر الذي دفع السلطات إلى بحث منح مسؤولي بعض المنشآت الحيوية صلاحيات أكبر للتعامل الفوري مع الطائرات المسيرة.
طرود مفخخة ومحاولات تخريب وتجسس
وشهدت ألمانيا خلال السنوات الماضية وقائع أخرى أثارت مخاوف من وجود عمليات تخريب منظمة، من بينها قضية طرود مفخخة، انفجر أحدها قبل تحميله على طائرة في منشأة مرتبطة بمطار لايبزيغ، بينما تجري محاكمة أشخاص في ليتوانيا للاشتباه في صلتهم بالقضية.
كما أُحبط قبل عامين مخطط لاستهداف الرئيس التنفيذي لشركة «راينميتال» الألمانية للصناعات الدفاعية، وسط شبهات ألمانية بوجود ارتباط روسي بالعملية.
وتعرضت منشآت عسكرية وأمنية ألمانية كذلك لمحاولات تجسس، تضمنت جمع معلومات حول الرحلات والمنشآت والمواقع الحساسة.
وتكشف هذه الحوادث عن تحول المنشآت المدنية والعسكرية إلى أهداف محتملة في صراع حديث لا يعتمد بالضرورة على العمليات العسكرية المباشرة، وإنما يستخدم التخريب وتعطيل الخدمات وإرباك المؤسسات واختبار قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية.
التضليل الرقمي.. سلاح في مواجهة الرأي العام
إلى جانب العمليات الميدانية، تمثل حملات التضليل الرقمي جبهة أخرى من «الحرب الهجينة» التي تواجهها ألمانيا.
وظهرت مؤخرًا مقاطع فيديو مزيفة تحاكي محتوى وسائل إعلام ألمانية، من بينها فيديو منسوب إلى «دويتشه فيله» يزعم استقالة المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
كما تصاعدت حملات إلكترونية تستهدف شخصيات سياسية ومرشحين، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإقليمية المقررة في سبتمبر، من خلال نشر معلومات مضللة ومحاولة تشكيل روايات زائفة حول المشهد السياسي.
وترى السلطات الألمانية أن هذه الحملات تستهدف التأثير في الرأي العام وتقويض الثقة بالمؤسسات، خاصة مع قدرة منصات التواصل الاجتماعي على نشر المحتوى المضلل على نطاق واسع خلال وقت قصير، قبل أن تتمكن الجهات الرسمية ووسائل الإعلام من التحقق منه والرد عليه.
برلين تستعد لمرحلة أمنية أكثر تعقيدًا
وفي ظل تصاعد هذه التحديات، عقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس اجتماعًا لمجلس الأمن القومي، الذي أُنشئ في ظل تزايد المخاوف من عمليات التجسس والتخريب ومحاولات زعزعة الاستقرار داخل البلاد.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التهديد الذي تواجهه ألمانيا لم يعد يقتصر على احتمال وقوع هجوم عسكري تقليدي، بل بات أكثر تعقيدًا، مع تداخل العمليات السرية والطائرات المسيرة والهجمات الإلكترونية والتجسس والتخريب الاقتصادي والسياسي وحملات التضليل.
وتجد برلين نفسها أمام تحدٍ أمني جديد يتطلب تعزيز قدرات الرصد والحماية والتنسيق بين الأجهزة المختلفة، في وقت تتحول فيه البنية التحتية الحيوية والمعلومات والرأي العام إلى ساحات رئيسية في صراعات لا تخوضها الدول بالضرورة عبر الجيوش والأسلحة التقليدية.



