منوعات

اللحوم المزروعة في المختبر.. حلم إنقاذ المناخ يصطدم بالتكاليف والأزمات وتعثر الشركات

في عام 2013، بدا أن العالم يقف على أعتاب ثورة جديدة في صناعة الغذاء، بعدما نجح فريق علمي بقيادة مارك بوست، أستاذ علم وظائف الأوعية الدموية بجامعة ماستريخت الهولندية، في إنتاج أول برجر من لحم البقر المزروع داخل المختبر، في تجربة أثارت اهتمامًا عالميًا واسعًا، وفتحت الباب أمام آمال بتغيير مستقبل إنتاج اللحوم والحد من الأضرار البيئية الناجمة عن تربية الماشية.

وفي الخامس من أغسطس من ذلك العام، تذوق رجل وامرأة البرجر للمرة الأولى أمام الجمهور خلال فعالية أقيمت في استوديوهات ريفرسايد بالعاصمة البريطانية لندن، بحضور نحو 200 صحفي، وبث مباشر تابعه آلاف الأشخاص. لكن هذا الإنجاز العلمي، الذي استغرق عامين وبلغت تكلفته نحو 250 ألف يورو، أي ما يعادل قرابة 210 آلاف جنيه إسترليني آنذاك، لم يكن سوى بداية رحلة طويلة لم تصل حتى الآن إلى إنتاج تجاري واسع النطاق.

وجاء تمويل المشروع من سيرجي برين، الشريك المؤسس لشركة جوجل، بينما تولى بوست وفريقه تطوير اللحم باستخدام خلايا مأخوذة من عضلة كتف بقرة حية، جرى وضعها في أوعية بلاستيكية تحتوي على مصل غني يُعرف باسم مصل الجنين البقري، وهو مادة مستخلصة من أجنة الأبقار.

ونمت الخلايا داخل هذه البيئة حتى تحولت إلى نحو 20 ألف خيط من الأنسجة العضلية، جُمعت لتكوين قطعة برجر واحدة بلغ وزنها 140 جرامًا.

وكان بوست يرى أن إنتاج اللحوم بهذه الطريقة يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ويساعد في مواجهة أزمة المناخ، خاصة أن تربية الماشية تحتاج إلى مساحات شاسعة من الأراضي وكميات كبيرة من المياه والأعلاف، بما يفرض أعباء بيئية ضخمة.

كما توقع أن يتجاوز الطلب العالمي على اللحوم قدرة أنظمة الإنتاج التقليدية على توفيرها، الأمر الذي قد يجعل استمرار الاعتماد على الأساليب الحالية غير مستدام. ومن هنا ظهرت فكرة إنتاج اللحوم دون الحاجة إلى تربية الحيوانات وذبحها، باعتبارها بديلًا يمكن أن يحافظ على استهلاك اللحوم مع تقليل تكلفتها البيئية.

أول برجر مزروع في المختبر.. تجربة تاريخية وطعم لم يكن مثاليًا

كُشف عن البرجر الأول في أجواء احتفالية مدروسة، إذ رفع مارك بوست غطاءً معدنيًا من النوع المستخدم عادة في تقديم وجبات خدمة الغرف، ليظهر اللحم النيئ داخل طبق بتري، تحت أضواء الاستوديو.

وتولى الطاهي البريطاني ريتشارد ماكغوين طهي البرجر في مقلاة باستخدام زيت دوار الشمس والزبدة، بحضور المذيعة نينا حسين، بينما اقتصر التذوق على شخصين هما جوش شونوالد، الكاتب الأمريكي المتخصص في مستقبل الغذاء ومؤلف كتاب «طعم الغد»، وهاني روتزلر، عالمة التغذية النمساوية.

ونظرًا إلى القيمة الباهظة للبرجر، لم يحصل المتذوقان إلا على قطعة واحدة لتقاسمها، وقدمت مع خبز السمسم والخس والطماطم، بينما بدت قطعة اللحم بنية مائلة إلى الحمرة، مسطحة ودائرية، ولم يخرج منها سائل يشبه دماء اللحوم التقليدية عند تقطيعها.

وجاءت التقييمات متباينة؛ إذ وصف شونوالد مذاقها بأنه يقع في منطقة وسطى بين برجر نباتي من نوع «بوكا» وبرجر ماكدونالدز، مشيرًا إلى أن غياب الدهون أحدث فرقًا واضحًا، لكنه أبدى دهشته من قوامها الذي يشبه كعكة مصنوعة من البروتين الحيواني.

أما روتزلر، فرأت أن البرجر يفتقر إلى النكهة الكافية، وأكدت أن هناك مجالًا كبيرًا لتحسينه. ورغم بقاء كمية من اللحم تقدر قيمتها بنحو 113 ألف يورو دون استهلاك بعد انتهاء الفعالية، ظل بوست متفائلًا بإمكانية تحول اللحوم المزروعة إلى منتج متاح للمستهلكين خلال عشر سنوات.

140 شركة واستثمارات بمليارات الدولارات.. سباق عالمي لإنتاج اللحوم

أطلقت التجربة موجة واسعة من الاستثمارات والمشروعات في مجال الزراعة الخلوية، وظهرت نحو 140 شركة في ست قارات، سعت إلى تكرار التجربة وتطوير لحوم مزروعة من أنواع مختلفة، شملت الدجاج والخنازير والأسماك وحتى السمان.

وتدفقت استثمارات بلغت نحو 3 مليارات دولار إلى هذا القطاع، وسط توقعات بأن تسهم التكنولوجيا الجديدة في مواجهة التغير المناخي وانعدام الأمن الغذائي، والحد من انتشار الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر، فضلًا عن تقليل مخاطر مقاومة المضادات الحيوية.

وروجت شركة «أبسايد فودز» لمشروعها باعتباره خطوة نحو وضع معايير جديدة لإنتاج اللحوم وتحويلها إلى قوة إيجابية في العالم، بينما جذبت شركة «فاو» الأنظار عندما أعلنت إنتاج كرة لحم ضخمة مستوحاة من الماموث الصوفي المنقرض.

لكن كرة اللحم التي صنعتها الشركة لم تكن متاحة للتذوق، لأن المادة الوراثية المستخدمة في إنتاجها جاءت من أحفورة، ولم تكن الشركة متأكدة من مدى صلاحيتها للاستهلاك البشري.

وذهبت التوقعات المتفائلة إلى حد أن مؤسسة الأبحاث «ريثينك إكس» توقعت أن تؤدي اللحوم المزروعة إلى إضعاف صناعة لحوم الأبقار التقليدية في الولايات المتحدة بحلول عام 2030، مع انخفاض الطلب عليها بنسبة تصل إلى 70%.

واعتبرت المؤسسة أن الزراعة الخلوية قد تقود إلى أكبر وأسرع تحول في إنتاج الغذاء والزراعة منذ تدجين النباتات والحيوانات قبل نحو 10 آلاف عام.

لكن هذه التوقعات لم تتحقق بالسرعة التي روج لها مؤيدو التكنولوجيا، إذ بقيت اللحوم المزروعة بعيدة عن الأسواق الواسعة، رغم سنوات من الأبحاث والاستثمارات الضخمة.

لماذا تعثرت صناعة اللحوم المزروعة؟

واجه القطاع مجموعة من العقبات التقنية والاقتصادية والتنظيمية التي حالت دون الانتقال من التجارب المعملية إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق.

وكانت التكلفة الأولية لإنشاء المصانع المتخصصة من أبرز التحديات، إلى جانب الكميات الكبيرة من الطاقة اللازمة لتشغيلها، وصعوبة إنتاج كميات ضخمة من اللحوم بأسعار تنافس المنتجات التقليدية.

كما واجهت الشركات نقصًا في العمالة ذات المهارات المتخصصة القادرة على تشغيل التكنولوجيا الجديدة، فضلًا عن تعدد إجراءات الفحص والمراجعة التي تجريها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ووزارة الزراعة الأمريكية قبل السماح بتسويق المنتجات.

وظهرت أيضًا مشكلات غير متوقعة خلال الأبحاث، من بينها رصد آثار لحمض نووي خاص بالقوارض في بعض العينات البحثية لدى شركتي «أبسايد» و«إيت جاست»، ما أضاف تحديات جديدة أمام الصناعة.

وبعد أن بلغت الاستثمارات ذروتها في عام 2021، بدأت تتراجع تدريجيًا، حتى لم تتمكن الشركات العاملة في القطاع من جمع سوى نحو 177 مليون دولار على مستوى العالم خلال عام 2023.

ولم تكن الشكوك الاقتصادية وحدها وراء تعثر الصناعة، إذ تحولت اللحوم المزروعة إلى هدف لانتقادات سياسية من جانب المحافظين في الولايات المتحدة.

حظر اللحوم المزروعة في عدة ولايات أمريكية

اتخذت حكومات ولايات فلوريدا وألاباما وميسيسيبي وإنديانا ومونتانا ونبراسكا وتكساس خطوات متتابعة لإقرار قوانين تحظر بيع اللحوم المزروعة أو إنتاجها أو كليهما.

وكان حاكم فلوريدا رون ديسانتيس من أبرز المعارضين لهذه التكنولوجيا، إذ حول توقيع قانون حظرها إلى فعالية إعلامية، ظهر خلالها أمام لوح تقطيع ملطخ بالدماء ومحاط بقطع من اللحم التقليدي، معلنًا رفضه دخول اللحوم المصنعة مخبريًا إلى الولاية.

وفي عام 2024، قال جويل ستون، المستشار المتخصص في التكنولوجيا الحيوية الصناعية، لصحيفة «نيويورك تايمز»، إن احتمال نجاح الصناعة في توفير حتى 10% من إمدادات اللحوم خلال المستقبل المنظور يساوي صفرًا، وفق تقديره.

وبحلول الوقت الذي أُعد فيه التقرير، لم يكن شراء اللحوم المزروعة متاحًا إلا في متجر واحد على مستوى العالم، هو متجر «هوبر بوتشري» في سنغافورة، الذي يبيع عبوات من شرائح الدجاج المزروع مخبريًا من إنتاج شركة «جود ميت».

عودة الأمل من ولاية نورث كارولاينا بفضل جيف بيزوس

وسط تراجع الاستثمارات وخروج عدد من الشركات من القطاع، ظهرت مؤشرات جديدة أعادت بعض التفاؤل إلى مستقبل اللحوم المزروعة، وجاءت هذه المرة من ولاية نورث كارولاينا الأمريكية.

ففي مايو 2024، قدم جيف بيزوس، مؤسس أمازون، من خلال صندوقه «إيرث فاند» تمويلًا بقيمة 30 مليون دولار لإنشاء مركز بيزوس للبروتين المستدام في جامعة ولاية نورث كارولاينا.

ويهدف المركز إلى تطوير مصادر بروتين غذائية تتسم بالاستدامة البيئية والقيمة الصحية والمذاق الجيد والسعر المناسب، مع العمل على معالجة العقبات التقنية التي لا تزال تعترض إنتاج اللحوم المزروعة.

وساهم المشروع في تعزيز مكانة الولاية باعتبارها مركزًا دوليًا جديدًا لصناعة اللحوم المزروعة، إلى جانب وجود مركز نورث كارولاينا للتكنولوجيا الحيوية، وهو مؤسسة معنية بالتنمية الاقتصادية في مجال علوم الحياة داخل منطقة ريسيرش تراينجل بارك.

وعلى الجانب التجاري، كانت شركة «بيليفر ميتس» الإسرائيلية قد بدأت أعمال إنشاء مصنع ضخم في مدينة ويلسون بالولاية، على مساحة تبلغ نحو 200 ألف قدم مربعة، وكان من المقرر أن يصبح أكبر منشأة لإنتاج اللحوم المزروعة في العالم.

ووفقًا لما أعلنته الشركة، كان المصنع قادرًا على إنتاج نحو 9.5 مليون كيلوجرام من الدجاج المصنع مخبريًا سنويًا، وهو ما كان سيشكل خطوة مهمة نحو توسيع الإنتاج التجاري.

وفي سبتمبر 2025، حصلت الشركة على خطاب من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية يفيد بعدم وجود تساؤلات أو مخاوف تتعلق بسلامة منتجاتها عقب مراجعة الوكالة لها.

وعبّر الرئيس التنفيذي السابق للشركة، جوستافو برجر، عن اعتزازه بتطوير المشروع في الولاية، مؤكدًا أن المصنع سيسهم في توفير وظائف صناعية عالية الجودة، ودعم الابتكار الغذائي الذي يراعي حماية البيئة.

مصنع بيليفر.. من مشروع واعد إلى أزمة مالية مفاجئة

بعد حصول الشركة على الضوء الأخضر التنظيمي، تواصلت كاتبة التقرير مع مسؤولي «بيليفر ميتس»، وعقدت اجتماعًا عبر تطبيق زووم مع هيثَر هدسون، المسؤولة عن المنتجات والنمو، ورودريجو لافال من قطاع المبيعات والتسويق.

وخلال الاجتماع، طرح المسؤولان إمكانية تنظيم حفل لافتتاح المصنع ودعوة الصحفيين لزيارته، في ظل عدم السماح لوسائل الإعلام بدخوله حتى ذلك الوقت، واقتصار الزيارات على عدد محدود من المتخصصين في المجال.

وبدت الزيارة المرتقبة فرصة استثنائية للاطلاع على مستقبل صناعة اللحوم المزروعة، وربما تذوق أحد منتجاتها للمرة الأولى.

لكن الأمور اتخذت مسارًا مختلفًا خلال الرحلة إلى نورث كارولاينا، إذ ظهرت أنباء عن رفع شركة «جراي كونستراكشن»، المسؤولة عن بناء المصنع الضخم في ويلسون، دعوى قضائية ضد «بيليفر ميتس» للمطالبة بتعويض قدره 34 مليون دولار.

وجاءت الدعوى بعدما أخفقت الشركة في الوفاء باتفاق يقضي بسداد دفعة مالية تبلغ 22 مليون دولار لشركة الإنشاءات.

وزادت الشكوك بعدما انقطع التواصل مع هيدسون، التي كانت قد أبدت حماسًا في البداية بشأن الزيارة، قبل أن تتوقف عن الرد على الرسائل في الأيام السابقة لها، ثم اكتشفت الكاتبة أن حساب بريدها الإلكتروني لم يعد نشطًا.

وخلال زيارة مركز بيزوس، أبدى مديره روهان شيروايكر دهشته من تطورات الأزمة، موضحًا أنه كان يعتقد أن المصنع اقترب من بدء التشغيل، وأن العاملين لم يتبق أمامهم سوى تشغيل الإضاءة وبدء تشغيل أحواض زراعة خلايا الدجاج.

ولم يكن لديه تفسير واضح لما حدث داخل الشركة، كما لم يكن من المؤكد ما إذا كانت ستتمكن من تجاوز الأزمة والاستمرار في نشاطها.

كيف تُنتج اللحوم داخل المختبرات الحديثة؟

خلال زيارة مركز بيزوس للبروتين المستدام، اطلعت الكاتبة على التطورات التي شهدتها عمليات إنتاج اللحوم منذ تجربة مارك بوست الأولى.

فبدلًا من العمل على إنتاج قطعة برجر واحدة داخل المختبر خلال سنوات، انتقلت الصناعة إلى استخدام مصانع معقمة تشبه مصانع الجعة، تعتمد على مفاعلات حيوية ضخمة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، تُزرع داخلها الخلايا وتُنمى في ظروف خاضعة للرقابة.

كما تخلت الشركات تدريجيًا عن استخدام مصل الجنين البقري الذي كان يُستخدم في التجارب الأولى، نظرًا إلى ارتفاع تكلفته والحاجة إلى استخلاص دماء الأجنة من المسالخ، وهو ما يتعارض مع الصورة التي تسعى الصناعة إلى تقديمها باعتبارها بديلًا أكثر مراعاة للحيوانات.

وأصبحت الشركات تعتمد على محاليل تعرف باسم «الأوساط الخالية من المصل»، وهي تركيبات خاصة تختلف من شركة إلى أخرى، وتوفر العناصر اللازمة لنمو الخلايا.

وتبدأ إحدى الطرق الشائعة بالحصول على خلايا جذعية من حيوان حي عن طريق أخذ عينة بإبرة، ثم وضعها في محاليل تحتوي على الجلوكوز والفيتامينات والدهون والمعادن والبروتينات والأحماض الأمينية.

وتُحرك هذه العناصر داخل المفاعل الحيوي لضمان توزيع المغذيات بصورة متساوية، ما يسمح للخلايا بالانقسام والتكاثر والتمايز بالطريقة نفسها التي تحدث داخل جسم الحيوان.

وتُجمع الخلايا عندما تصل إلى الكثافة المطلوبة، وهي عملية تستغرق عادة ما بين أسبوعين وثمانية أسابيع، وفقًا لنوع الحيوان الذي تُنتج منه اللحوم.

لماذا لا يستطيع العلماء إنتاج قطعة لحم كاملة مثل شرائح الستيك؟

على الرغم من التطور في تقنيات الزراعة الخلوية، لا تزال هناك عقبة أساسية تتمثل في صعوبة إنتاج قطعة لحم كاملة تحاكي تركيب اللحوم الطبيعية، مثل شرائح الستيك.

فالقطعة التقليدية تتكون من أنواع متعددة من الأنسجة، بينما لا تستطيع التكنولوجيا الحالية زراعة العضلات والدهون معًا في صورة نسيج متماسك بالدرجة المطلوبة.

وفي الوقت الراهن، تُزرع العضلات والدهون بصورة منفصلة، وغالبًا ما تنتج عنها مادة شبه سائلة أو عجينة كثيفة، يجري استخراجها من المفاعلات وغسلها وخلطها بمكونات أخرى لتحسين النكهة والقوام.

بعد ذلك، تُشكل المادة باستخدام تقنيات البثق أو الطباعة ثلاثية الأبعاد لتتحول إلى منتجات يمكن التعرف عليها باعتبارها لحومًا، مثل البرجر وقطع الناجتس وكرات اللحم وشرائح الفيليه.

وتحاول بعض الشركات تجاوز هذه المرحلة من خلال إنشاء هياكل داخل المفاعلات الحيوية تلتصق بها الخلايا، بما يساعد على تكوين منتجات أكثر تماسكًا وصلابة، بدلًا من ترك الخلايا تنمو في وسط سائل دون بنية داعمة.

اللحوم المزروعة لا تزال أغلى من اللحوم التقليدية

رغم انخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة بالتجربة الأولى التي وصف فيها أحد المتذوقين البرجر بأنه يشبه كعكة من البروتين الحيواني، فإن أسعار اللحوم المزروعة لا تزال مرتفعة للغاية مقارنة بالمنتجات التقليدية.

وفي متجر «هوبر بوتشري» بسنغافورة، يُباع منتج «جود ميت 3»، الذي يحتوي على 3% فقط من خلايا الدجاج المزروعة، بسعر 5.62 دولار، أو نحو 4.20 جنيه إسترليني، مقابل حصة وزنها 110 جرامات.

وفي المقابل، يبدأ سعر الدجاج التقليدي في أحد المتاجر المحلية للكاتبة من 3.49 دولار مقابل 450 جرامًا، مع احتوائه على خلايا حيوانية بنسبة 100%.

وتوضح هذه المقارنة حجم الفجوة السعرية التي لا تزال تفصل اللحوم المزروعة عن المنتجات التقليدية، رغم التقدم التقني الذي تحقق خلال السنوات الماضية.

مركز بيزوس لا يزال في مرحلة التجهيز

شملت الزيارة جولة داخل مختبر البروتين الجديد في مركز بيزوس، الذي كان لا يزال في مرحلة الإعداد والتجهيز.

وبدا المكان واسعًا ومضاءً بصورة جيدة، واحتوى على طابعات ثلاثية الأبعاد وثلاجة كبيرة مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، لكن المختبر لم يكن قد اكتمل بعد، إذ كانت بعض الكابلات معلقة من السقف في انتظار وصول المعدات اللازمة.

ورغم الإمكانات المتاحة، لم تكن المنشأة قد انتقلت إلى مرحلة التشغيل الكامل، وهو ما يعكس أن تطوير البنية التحتية اللازمة لهذه الصناعة لا يزال يتطلب وقتًا واستثمارات إضافية.

نظرية «دورة الضجة التقنية» تفسر تراجع التوقعات

قبل مغادرة المركز، عرض شيروايكر على الكاتبة مفهوم «دورة الضجة التقنية» (Gartner Hype Cycle)، وهو إطار تحليلي وضعته جاكي فين عام 1995 أثناء عملها في شركة «جارتنر» الاستشارية.

ويهدف هذا النموذج إلى مساعدة المستثمرين على فهم المخاطر والفرص الحقيقية للتكنولوجيا الجديدة، وتجنب تبنيها قبل نضجها أو التخلي عنها مبكرًا أو الاستمرار في دعمها بعد فقدان جدواها.

وتبدأ الدورة بمرحلة ظهور الابتكار، عندما تُطرح التكنولوجيا الجديدة وسط اهتمام إعلامي واسع، ثم ترتفع التوقعات إلى ذروتها مع تصاعد الحماس والاستثمارات.

لكن هذه المرحلة يعقبها عادة تراجع حاد، عندما يكتشف المستثمرون صعوبة تحويل الابتكار إلى منتج تجاري قابل للتطبيق.

وبعد ذلك تبدأ مرحلة أكثر هدوءًا من التطوير، تظهر خلالها أجيال جديدة من المنتجات وتتحسن كفاءة التكنولوجيا تدريجيًا، وصولًا إلى مرحلة الإنتاجية التي تصبح فيها الابتكارات أكثر استقرارًا وانتشارًا.

وعندما سُئل شيروايكر عن المرحلة التي وصلت إليها اللحوم المزروعة، أشار إلى المنطقة المنخفضة في منتصف الرسم البياني، والتي تُعرف باسم «وادي خيبة الأمل»، في إشارة إلى الفجوة الكبيرة بين التوقعات الأولى والواقع العملي للصناعة.

زيارة مصنع ويلسون تكشف حجم الأزمة

بعد انتهاء الزيارة، حاولت الكاتبة التواصل مجددًا مع هيدسون لمعرفة ما إذا كان من الممكن زيارة المصنع، لكنها تلقت رسالة آلية تفيد بأن حساب بريدها الإلكتروني لم يعد نشطًا.

وقررت التوجه بنفسها إلى مدينة ويلسون، التي تبعد نحو 45 دقيقة بالسيارة عن رالي، على أمل العثور على مسؤول داخل المنشأة والحصول على توضيح بشأن مستقبل المشروع.

وخلال الطريق، مرت عبر مناطق ريفية واسعة تتسم بالمساحات المفتوحة والمصانع المتفرقة، قبل أن تصل إلى منطقة تضم عددًا من المنشآت الصناعية، حيث يقع مصنع «بيليفر ميتس».

لكن المشهد الذي واجهته كان أكثر قتامة مما توقعت؛ فلم تجد موظفين أو مسؤولين لاستقبالها، بل وجدت المنشأة مغلقة ومحاطة بالبوابات، وخالية من العاملين، رغم احتوائها على معدات وتقنيات حديثة تقدر قيمتها بملايين الدولارات.

وبدا المصنع، الذي كان من المفترض أن يصبح أكبر منشأة لإنتاج اللحوم المزروعة في العالم، وكأنه مشروع متوقف ينتظر مصيرًا مجهولًا.

هل كانت اللحوم المزروعة مجرد وعود تكنولوجية مبالغ فيها؟

أثارت الأزمة تساؤلات أوسع لدى الكاتبة بشأن مدى مصداقية بعض الوعود التكنولوجية التي تُطرح في الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه الشكوك الشعبية حول مشروعات توصف بأنها ثورية قبل أن يتضح مدى قدرتها على تحقيق أهدافها.

واستحضرت في هذا السياق أمثلة لمشروعات وتقنيات أثارت ضجة كبيرة، ثم ظهرت بشأنها معلومات أثارت الجدل، من بينها سيارات الأجرة ذاتية القيادة التي يُقال إن بعضها يعتمد على مشغلين عن بُعد في الفلبين عند مواجهة مواقف مربكة، وشركة تقنية ادعت امتلاك ابتكار قادر على تحليل الدم للكشف عن أمراض متعددة قبل أن تنكشف باعتبارها عملية احتيال واسعة.

كما أشارت إلى رجل أعمال في مجال العملات المشفرة تعهد بتأمين مستقبل البشرية، قبل أن يتبين أنه استولى على نحو 8 مليارات دولار من أموال عملائه لتمويل حياته الخاصة في جزر البهاما.

وأمام المصنع المغلق، بدأت الكاتبة تتساءل عما إذا كانت اللحوم المزروعة تمثل بالفعل ابتكارًا قابلًا للتحقق، أم أنها مجرد وعد تكنولوجي آخر لم يكتمل، أو مشروع يحمل جزءًا من الحقيقة وجزءًا من المبالغة التسويقية.

وترى أن تعثر شركة «بيليفر ميتس» لا يمثل مجرد انتكاسة تجارية لشركة واحدة، بل يثير مخاوف بشأن مستقبل مساعٍ كان يُفترض أن تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز قدرة أنظمة الغذاء على مواجهة تداعيات التغير المناخي.

وبعد أكثر من 13 عامًا على تقديم أول برجر مزروع في المختبر، لا تزال التكنولوجيا تواجه تحديات الإنتاج والتكلفة والتسويق والقبول السياسي، بينما لم تتحول الوعود الكبيرة التي صاحبت ظهورها إلى واقع غذائي متاح على نطاق واسع، لتبقى الصناعة عالقة، وفق توصيف التقرير، في مرحلة خيبة الأمل بين الطموح العلمي والقدرة الفعلية على التنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى