نيجيريا قبل انتخابات 2027.. هل تُحسم الرئاسة بقوة الحزب أم بغضب الشارع؟

كتبت/ منار حجاج
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية النيجيرية في 2027، تتشابك حسابات الحزب الحاكم بقيادة بولا أحمد تينوبو مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والتحديات الأمنية، في وقت تواجه فيه المعارضة اختبارًا حاسمًا بشأن قدرتها على توحيد صفوفها.
فهل تحسم موازين النفوذ الحزبي معركة الرئاسة، أم تنجح المعارضة في تحويل الغضب الشعبي إلى قوة انتخابية قادرة على تغيير المشهد السياسي في نيجيريا؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، يلتقى موقع «داي نيوز» بـ الأستاذ محمود سامح همام- الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي، للحديث عن موازين القوى السياسية قبل انتخابات 2027، وفرص تينوبو في الاحتفاظ بالسلطة، وقدرة المعارضة على توحيد صفوفها واستثمار الغضب الشعبي والتحديات الأمنية في مواجهة الحزب الحاكم.
قوة الحزب
يقول سامح همام: “إن قوة الرئيس بولا أحمد تينوبو لا تعتمد على شعبيته الشخصية وحدها، وإنما في قدرته على توظيف شبكة النفوذ الحزبي والتحالفات السياسية الممتدة داخل الولايات النيجيرية.
فحزب مؤتمر جميع التقدميين (APC) يمتلك أدوات تنظيمية تسمح له بالتواصل مع القيادات المحلية وحشد الناخبين، فضلًا عن خبرة تينوبو الطويلة في بناء التحالفات وإدارة التوازنات داخل الحزب”.
ويتابع همام: “تكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في دولة تتسم بالتنوع الجغرافي والاثني والديني، وتتأثر المنافسة الانتخابية فيها بقدرة المرشحين على بناء ائتلافات تتجاوز قواعدهم التقليدية.
لكن امتلاك أدوات السلطة لا يضمن بالضرورة تحويلها إلى أصوات انتخابية؛ فالتحدي الذي يواجه تينوبو يتمثل في الحفاظ على تماسك تحالفاته، واحتواء تداعيات الإصلاحات الاقتصادية، واستقطاب فئات جديدة من الناخبين، خصوصًا الشباب والشرائح المتضررة من ارتفاع الأسعار.
ولذلك، ينبغي التمييز بين التفوق التنظيمي للحزب الحاكم وبين مستوى الرضا الشعبي عن أداء الحكومة، فالأول يمنح تينوبو أدوات للمنافسة، بينما يحدد الثاني جانبًا مهمًا من قدرته على الحفاظ على قاعدته الانتخابية.
وكلما اتسعت الفجوة بين النفوذ التنظيمي للحزب ومستوى الرضا عن أدائه، ازدادت أهمية اختبار مدى قدرة هذه الماكينة على تعبئة الناخبين فعليًا”.
الأزمة المعيشية
ويواصل محمود سامح حديثه قائلًا : “تمثل الأوضاع الاقتصادية أحد أبرز التحديات أمام تينوبو، لأن الإصلاحات الاقتصادية التي تبنتها حكومته منذ مايو 2023، وعلى رأسها إلغاء دعم الوقود وتغيير نظام سعر الصرف، لم تظل مجرد قرارات مالية، بل تحولت إلى قضية تمس الحياة اليومية للمواطنين.
ورغم أن الحكومة تطرح هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، فإنها ارتبطت بارتفاع تكاليف النقل والغذاء وزيادة الضغوط على الأسر”.
ويرى همام أن المعضلة السياسية تكمن في مدى قدرة الحكومة على إقناع المواطنين بجدوى هذه السياسات، خاصة أن الناخب لم يلمس تحسنًا في مستويات المعيشة، فقد تتراجع ثقته في الوعود الحكومية.
ومع ذلك، فإن الاستياء الاقتصادي لا يعنى بالضرورة التصويت ضد الرئيس؛ إذ يتوقف تأثيره الانتخابي على قدرة المعارضة على تقديم بديل مقنع، وعلى مدى اقتناع الناخبين بأن تغيير القيادة سيؤدي إلى نتائج أفضل.
الأمن والغضب
ويقول الباحث في الشأن الأفريقي: “إنه لا تنحصر التحديات التي تواجه الحكومة النيجيرية في الاقتصاد، بل تشمل الأوضاع الأمنية أيضًا، بما تحتويه من تهديدات الجماعات المتطرفة وعمليات الخطف والعنف المسلح والنزاعات المحلية في مناطق مختلفة من البلاد.
وتؤثر هذه التحديات في حياة النيجيريين، كما تنعكس على الأنشطة الاقتصادية والزراعة والتجارة، بما يزيد من الأعباء المعيشية، ويضع تداخل الملفين الاقتصادي والأمني في صدارة تقييم الناخبين لأداء الحكومة، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا من العنف.
ومع ذلك، لا يتحول الغضب الشعبي تلقائيًا إلى تغيير سياسي؛ حيث تتوقف نتائجه على حجم المشاركة الانتخابية، وقدرة الأحزاب على حشد المؤيدين، ومدى نجاح المعارضة في تقديم بديل قادر على الاستجابة لمخاوف المواطنين”.
تشتيت المعارضة
ويتابع سامح همام حديثه: “تواجه المعارضة النيجيرية تحديًا يتمثل في تحويل تعدد الشخصيات السياسية والقواعد الانتخابية إلى قوة موحدة قادرة على منافسة الحزب الحاكم، فقد أظهرت انتخابات 2023 وجود قواعد انتخابية معتبرة خارج معسكر تينوبو، بعدما توزعت الأصوات بين أتيكو أبو بكر وبيتر أوبي ومرشحين آخرين.
لكن كل هذه الأصوات خلف مرشح واحد ليس أمرًا تلقائيًا؛ إذ يتطلب التوصل إلى تفاهمات بشأن القيادة والبرنامج الانتخابي وتوزيع الأدوار، فضلًا عن التوفيق بين المصالح الإقليمية والسياسية المختلفة.
وتحتاج المعارضة أن تقدم رؤية مشتركة بشأن الاقتصاد والأمن والبطالة والخدمات العامة، بدلاً من الاكتفاء بالاتفاق على معارضة الحكومة، فكلما استمرت الخلافات حول الترشيحات والقيادة، ازدادت صعوبة بناء تحالف انتخابي قادر على المنافسة بصورة منظمة”.
معركة التحالفات
ويستكمل الباحث: “تعتمد موازين القوى قبل انتخابات ٢٠٢٧ على قدرة الحزب الحاكم على الحفاظ على تحالفاته، مقابل قدرة المعارضة على تجاوز خلافاتها وتنسيق جهودها.
فقد تؤثر الانقسامات داخل الحزب الحاكم في تماسك قاعدته الانتخابية، خاصة إذا أدت إلى انتقال قيادات محلية مؤثرة إلى معسكرات منافسة.
وفي المقابل، لا يكفي توحيد المعارضة شكليًا لإحداث تحول في المنافسة؛ إذ ينبغي أن يقترن هذا التوحيد بقدرة على استقطاب الناخبين خارج القواعد التقليدية لكل حزب، وتقديم مرشح يحظى بقبول مشترك، وتنسيق الحملات في الولايات ذات الأهمية الانتخابية.
كما أن التحالفات التي تقوم على رفض استمرار الحكومة دون الاتفاق على برنامج بديل قد تواجه صعوبة في الحفاظ على تماسكها.
وبالتالي، فإن تأثير الانقسامات والتحالفات سيعتمد على مدى انعكاسها على الحشد الانتخابي وتوزيع الأصوات، وليس فقط على عدد القيادات التي تنضم إلى كل معسكر.
اختبار الصندوق
ويختتم محمود سامح: “يطرح اقتراب انتخابات 2027 سؤالًا جوهريًا بشأن العلاقة بين الرضا الشعبي والقدرة التنظيمية للأحزاب في نيجيريا، فمن ناحية، تمنح الأزمة المعيشية والتحديات الأمنية الناخبين أسبابًا لمراجعة موقفهم من الحكومة.
ومن ناحية أخرى، تظل شبكات النفوذ والتحالفات المحلية وتعدد المرشحين عوامل مؤثرة في كيفية توزيع الأصوات، ولذلك، لا يمكن استنتاج نتيجة الانتخابات من مستوى الاستياء الشعبي وحده، كما لا يمكن اعتبار قوة الحزب الحاكم دليلًا كافيًا على ضمان استمراره في السلطة.
وتقدم انتخابات 2023 نقطة مرجعية مهمة؛ فقد فاز تينوبو بحوالي 8.8 مليون صوت، في سباق تنافس فيه عدد من المرشحين الرئيسيين، بينما توزعت أصوات المعارضة بين أكثر من معسكر.
وهذا يعنى أن بنية المنافسة وتماسك التحالفات سيظلان عنصرين أساسيين في قراءة الانتخابات المقبلة، إلى جانب اتجاهات الرأي العام ومستوى المشاركة والتطورات الاقتصادية والأمنية”.
وتمثل انتخابات 2027 اختبارًا سياسيًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة تينوبو على الدفاع عن حصيلة حكمه وإقناع المواطنين بجدوى الإصلاحات التي تبنتها حكومته، واختبارًا لقدرة المعارضة على تحويل الاستياء إلى مشروع سياسي موحد.
أما النتيجة، فستتحدد وفق تفاعل هذه المتغيرات معًا، فضلًا عن نزاهة العملية الانتخابية ومشاركة الناخبين.



