كندا تشعل جبهة جديدة في الحرب التجارية مع ترامب برسوم بـ20 مليار دولار

دخلت الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضتها كندا على سلع أمريكية بقيمة تقارب 20 مليار دولار حيز التنفيذ، في تصعيد جديد للحرب التجارية بين البلدين، بالتزامن مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع شركة بومباردييه الكندية من بيع طائراتها في الولايات المتحدة ما لم توسّع تصنيعها داخل الأراضي الأمريكية.
وبدأت الإجراءات الكندية الجديدة عند الساعة 12:01 صباح الثلاثاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في أعقاب تعثر المفاوضات التجارية بين واشنطن وأوتاوا وعدم توصل الطرفين إلى اتفاق بشأن الملفات العالقة.
وتشمل الإجراءات الكندية رفع الرسوم المفروضة على واردات الصلب والألومنيوم الأمريكيين إلى 50%، وهي النسبة نفسها التي تفرضها الولايات المتحدة على المعادن الكندية، إلى جانب فرض رسوم جديدة على مجموعة من المنتجات، بينها الورق ومواد البناء والأجهزة المنزلية والسلع الزراعية.
ويأتي التصعيد بعد انهيار المحادثات التجارية بين البلدين الشهر الماضي، بعدما كان ترامب قد أرجأ في وقت سابق الموعد الذي حدده لفرض رسوم جديدة، وسط حديث عن قرب التوصل إلى اتفاق. إلا أن الخلافات المتبقية حالت دون إتمام الاتفاق، واستمرت المفاوضات وسط تباين واضح في مواقف الطرفين.
وخلال الأيام الماضية، تصاعدت حدة التوتر بين ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إذ اتخذ الرئيس الأمريكي مواقف أكثر تشددًا تجاه كندا، من بينها تهديده بفرض رسوم تصل إلى 50% على السيارات اعتبارًا من الأول من يناير، إلى جانب تهديده بمنع مبيعات طائرات بومباردييه في السوق الأمريكية إذا لم تُصنع داخل الولايات المتحدة.
وقال ترامب إن الشركات التي تريد الوصول إلى السوق الأمريكية يجب أن تقوم بالتصنيع داخل الولايات المتحدة، متهمًا كندا بالتعامل مع السوق الأمريكية باعتبارها مصدرًا للتمويل.
وردت بومباردييه، ومقرها مونتريال، بالتأكيد على امتلاكها حضورًا صناعيًا كبيرًا في الولايات المتحدة، مشيرة إلى استمرارها في توسيع أنشطتها هناك، ومؤكدة أن قطاع الطيران الأمريكي يستفيد من التجارة والصادرات المرتبطة بالشركة، التي توفر عشرات الآلاف من فرص العمل في أنحاء الولايات المتحدة.
من جانبه، تمسك كارني بالإجراءات الانتقامية التي اتخذتها حكومته، مؤكدًا استعداد كندا للرد على أي إجراءات تجارية أمريكية جديدة.
كما اتهم رئيس الوزراء الكندي الجانب الأمريكي بعدم التعامل بجدية مع المفاوضات، في وقت نفت فيه واشنطن أن تكون قضايا اللغة الفرنسية والثقافة الكندية السبب الرئيسي وراء انهيار المحادثات.
وكانت كندا قد اعترضت على مطالب أمريكية مرتبطة بالقواعد المنظمة لظهور المحتوى الكندي والفرنسي على منصات البث، إضافة إلى متطلبات وضع الملصقات باللغتين الإنجليزية والفرنسية. ويرى كارني أن هذه الإجراءات تمثل حماية لحقوق وثقافة كندا، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد عوائق تجارية.
في المقابل، قال وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك إن المفاوضات انهارت بعد تقديم المسؤولين الكنديين مطالب في اللحظات الأخيرة، من بينها طلب تخفيف الرسوم المفروضة على الشاحنات.
وتفرض الولايات المتحدة حاليًا رسومًا بنسبة 25% على الشاحنات، مع إعفاءات مرتبطة بنسبة المكونات التي تستوفي قواعد الاتفاق التجاري الثلاثي بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. كما تنطبق الرسوم نفسها على السيارات وقطع غيارها.
وكانت واشنطن قد وافقت مبدئيًا، وفق تصريحات ممثل التجارة الأمريكي جيميسون جرير، على خفض الرسوم على السيارات إلى 15% مع إمكانية خفضها لاحقًا إلى 7%، إلى جانب تقليص الرسوم على الصلب والألومنيوم إلى 25%.
وفي ظل استمرار التصعيد، بدأت المخاوف تتزايد من انتقال الحرب التجارية إلى قطاعات أكثر حساسية. فقد ألمح رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو دوج فورد إلى إمكانية فرض قيود على صادرات الكهرباء إلى الولايات الأمريكية الحدودية التي تعتمد على الطاقة القادمة من المقاطعة، ومن بينها نيويورك وميشيغان.
وتدافع الحكومة الكندية عن إجراءاتها باعتبارها وسيلة للضغط السياسي على إدارة ترامب لإعادة النظر في سياستها التجارية. وفي الوقت نفسه، استثنت أوتاوا المأكولات البحرية الأمريكية من الرسوم البالغة 25%، في خطوة من شأنها حماية قطاعات اقتصادية في ولايات أمريكية مهمة مثل ألاسكا وماين.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن حجم الاقتصاد الأمريكي يمنح واشنطن أفضلية في المواجهة. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن من الصعب الدخول في مواجهة تجارية متبادلة مع دولة أصغر بكثير، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الأمريكي أكبر بنحو 13 مرة من الاقتصاد الكندي من حيث الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الخبراء يحذرون من أن ضخامة الاقتصاد الأمريكي لا تعني أن الولايات المتحدة قادرة على تجنب الأضرار. فالعلاقات التجارية بين البلدين شديدة التشابك، وتعتمد الشركات في الجانبين على سلع ومكونات يصعب استبدالها سريعًا بمصادر أخرى.
ويبرز قطاع السيارات مثالًا واضحًا على ذلك، إذ يعتمد مصنع فورد في مدينة وندسور الكندية على إنتاج محركات متخصصة تستخدم في بعض شاحنات الشركة الأمريكية. ويصعب على الشركة استبدال هذه المكونات بمصادر أخرى بسرعة، بسبب اختلاف المنتجات وسلاسل الإمداد بين الدول.
كما أن تأثير الرسوم الجمركية على المستهلكين قد لا يظهر بصورة فورية، لأن الشركات غالبًا ما تحدد الأسعار والعقود قبل وصول المنتجات إلى الأسواق بفترة طويلة. إلا أن استمرار الرسوم والتوتر التجاري قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في الأسعار على جانبي الحدود خلال الأشهر المقبلة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن النزاع التجاري بين واشنطن وأوتاوا لم يعد يقتصر على الرسوم الجمركية، بل أصبح يمتد إلى قطاعات الطيران والسيارات والطاقة والزراعة، فضلًا عن قضايا اللغة والثقافة، ما يزيد من احتمالات استمرار المواجهة وتصاعدها خلال الفترة المقبلة.



