الذكاء الاصطناعي يقتحم صناعة «البرومو».. هل يستطيع خطف انتباه المشاهد؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لإنتاج صور ومقاطع مبهرة، بل بدأ يشق طريقه إلى واحدة من أكثر مراحل صناعة المحتوى حساسية، وهي الترويج للأعمال التلفزيونية والأفلام والبرامج والأغاني عبر ما يعرف بـ«البرومو».
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت مقاطع ترويجية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تعتمد على شخصيات وأصوات ومشاهد تبدو للوهلة الأولى حقيقية، لكنها في أحيان كثيرة تترك لدى المشاهد شعوراً بأنها مصطنعة، ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل يكفي الإبهار البصري الذي توفره التقنية لجذب الجمهور، أم أن البرومو يحتاج إلى شيء لا تستطيع الآلة تقليده بالكامل؟
وتعيد هذه الظاهرة إلى الأذهان التحولات البصرية التي شهدتها صناعة الأغنية والفيديو كليب منذ أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، عندما بدأت الرسوم المتحركة والأنيميشن تفتح مجالات جديدة أمام صناع المحتوى.
ومن الأمثلة على ذلك أغنية هاني العمري «كل ما طل الصبح علي بفكر فيك»، التي ظهر فيها الفنان كشخصية كرتونية تتحرك بين الخزائن ويتغير حجمها خلال الفيديو، إلى جانب شارة مسلسل «مرايا» التي استعانت بالرسوم المتحركة في أواخر التسعينيات لمواكبة موجة تقنية وبصرية جديدة آنذاك.
لكن الإبهار الذي تسببه التكنولوجيا لا يعني بالضرورة نجاح المحتوى في تحقيق هدفه الأساسي؛ فهناك فارق بين أن تدهش المشاهد، وأن تدفعه فعلاً إلى متابعة ما تروّج له.
البرومو.. أكثر من مجرد صور سريعة
تزداد أهمية اختبار الذكاء الاصطناعي في صناعة «البرومو» لأن هذه المقاطع تعتمد في الأساس على جذب انتباه المشاهد خلال ثوانٍ معدودة.
فالبرومو ليس مجرد مجموعة لقطات من عمل تلفزيوني أو فيلم، وإنما محاولة لاختزال الفكرة والمزاج والقصة في وقت قصير، مع ترك مساحة من الفضول تدفع المشاهد إلى الضغط ومواصلة المشاهدة.
ومن هنا، لا يتعلق نجاح البرومو بجودة الصورة أو سرعة إنتاجها فقط، وإنما بما تتركه الثواني القليلة في ذهن المتلقي.
ويطرح انتشار البروموهات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي أسئلة تتجاوز دقة الصورة ومصداقيتها، من بينها: هل تستطيع الآلة صناعة شعور حقيقي؟ وهل يمكن لشخصية رقمية، مهما بلغت درجة إتقانها، أن تقنع المشاهد كما يفعل أداء إنساني حقيقي؟ وهل تستطيع التقنية خلق فضول يستمر بعد انتهاء لحظة الانبهار الأولى؟
«الإنسان يبحث دائماً عن الأصالة»
يرى الدكتور سليم شريف، أستاذ علم النفس الإعلامي، أن نجاح البرومو المصنوع بالذكاء الاصطناعي لا يمكن قياسه من خلال الإبهار البصري وحده.
ويقول إن «الإنسان بطبيعته يبحث دائماً عن الأصالة»، موضحاً أن الدماغ يستطيع التمييز بين عمل يحمل جهداً وإبداعاً وتجربة إنسانية، وبين منتج صناعي.
وبحسب شريف، قد ينظر الإنسان إلى المحتوى الذي تنتجه الآلة باعتباره أكثر برودة وأبعد عن العاطفة، لأنها في النهاية لا تمتلك شعوراً أو روحاً أو فكراً أو تاريخاً أو أخلاقاً.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجمهور سيرفض المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. فقد يكون الفضول نفسه سبباً كافياً للتفاعل معه، إذ قد يتوقف المشاهد لمجرد رؤية ما يمكن أن تنتجه الآلة، ثم يشارك المقطع مع الآخرين بدافع الدهشة.
غير أن الإعجاب أو الفضول، بحسب شريف، لا يعني بالضرورة تكوين علاقة عاطفية عميقة مع المحتوى.
ويستشهد أستاذ علم النفس الإعلامي بالفن لتوضيح الفارق، إذ يمكن للمتلقي أن ينجذب إلى لوحة عمرها مئة عام لأنها تحمل تاريخاً وتجربة وأصالة، حتى لو لم تكن الأكثر إبهاراً من الناحية التقنية.
ومن هذا المنطلق، قد ينجح الذكاء الاصطناعي في جذب العين، لكنه لا يضمن وحده بناء ارتباط طويل الأمد مع المشاهد.
حين يتفوق الذكاء الاصطناعي على حدود الإنتاج
في المقابل، يمتلك الذكاء الاصطناعي ميزة يصعب تجاهلها، وهي قدرته على إنشاء مشاهد ووقائع قد يكون تنفيذها بالوسائل التقليدية مكلفاً أو شبه مستحيل، حتى بالنسبة إلى أكبر الاستوديوهات.
ويرى شريف أن هذه القدرة يمكن أن تمنح البرومو أداة قوية لإثارة الفضول ودفع المشاهد إلى متابعة المحتوى، حتى عندما تكون القصة أو المشاهد نفسها غير حقيقية.
ويشير إلى أن الجمهور قد يستمتع بالقصة غير الحقيقية بفضل السرد والمحتوى، خصوصاً عندما تستخدم المؤثرات بطريقة تدفعه إلى التساؤل عما سيحدث لاحقاً.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحوّل الفضول إلى مشاهدة وتفاعل ومشاركة، وهي الأهداف الرئيسية التي يسعى إليها صانع البرومو.
لكن، رغم ذلك، قد يحتفظ المشاهد بإحساس داخلي يذكّره بأن ما يراه «ليس حقيقياً».
المخرج: الذكاء الاصطناعي قلّل المسافة بين الخيال والتنفيذ
من زاوية صناع البرومو، لا ينظر المخرج والمنتج محمود جمعة إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً مباشراً للعمل الإنساني، وإنما أداة توسع الإمكانات الإبداعية.
ويؤكد جمعة أن صناعة البرومو تبدأ من الفكرة، وليس من الكاميرا أو الأداة المستخدمة في التنفيذ.
ويقول إن الأسئلة الأساسية التي يجب طرحها قبل بدء الإنتاج هي: ماذا أريد أن أقول؟ وما الإحساس الذي أريد أن يصل إلى المشاهد؟ وما الذي سيجعله يتوقف أمام البرومو ويرغب في معرفة المزيد؟
بعد ذلك تأتي الصورة والإيقاع والموسيقى والمونتاج لخدمة الفكرة الأساسية.
ويرى جمعة أن الذكاء الاصطناعي لم يغير هذه القاعدة، لكنه وسّع بدرجة كبيرة مساحة التنفيذ، وأصبح من الممكن تجربة أفكار ومشاهد كانت تتطلب في السابق إمكانات إنتاجية ضخمة.
ويصف التقنية بأنها قلّلت «المسافة بين الخيال والتنفيذ»، وفتحت مجالاً واسعاً للإبداع والتجريب.
ليست كل صورة مبهرة مفيدة
ورغم الإمكانات الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، يحذر جمعة من الخلط بين كثرة الخيارات وبين جودة النتيجة.
فالأداة يمكن أن تنتج عدداً هائلاً من الصور المبهرة، لكن هنا يبدأ الدور الحقيقي للمخرج: اختيار الصورة التي تخدم الفكرة وتملك معنى داخل الحكاية.
ولهذا يؤكد أن «الفكرة هي التي تحدد الأداة، وليس العكس».
ويعتقد جمعة أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي يظهر عندما يحتاج العمل إلى بناء عالم بصري مختلف، أو استعادة فترة زمنية أو مكان معين، أو تنفيذ مشهد يصعب إنتاجه بصورة واقعية.
أما المشاهد التي تعتمد على الأداء الإنساني، فقد تكون نظرة أو رد فعل أو حركة بسيطة أو إحساس حقيقي أكثر تأثيراً من صورة رقمية شديدة الإتقان.
الإنسان والآلة.. شراكة أم منافسة؟
لا يرى جمعة أن التصوير التقليدي والذكاء الاصطناعي يخوضان بالضرورة معركة لإقصاء أحدهما للآخر، بل يعتقد أن الجمع بينهما قد يكون من أهم المساحات الإبداعية في الوقت الحالي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج صور واقعية ومحاكاة المشاعر، لكن هناك فارقاً بين صناعة صورة لشخص يبدو حزيناً، وبين معرفة لماذا يجب أن تؤثر هذه اللحظة تحديداً في المشاهد.
وقد تكون قوة البرومو أحياناً في تفاصيل بسيطة للغاية، مثل نظرة، أو لحظة صمت، أو تردد في الصوت، أو ثانية إضافية قبل الانتقال إلى المشهد التالي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة شكل الإحساس، لكن الإنسان هو من يمنح هذا الإحساس معناه.
وبالنسبة لجمعة، فإن البرومو الناجح يمنح المشاهد ما يكفي ليشعر، ويخفي عنه ما يكفي ليطرح الأسئلة.
ومن هنا، قد ينجح الذكاء الاصطناعي في جذب الانتباه خلال اللحظات الأولى، لكن استمرار اهتمام المشاهد يحتاج إلى فكرة أو إحساس أو قصة.
الاختبار الحقيقي ليس في الأداة
في النهاية، لا يرى جمعة أن السؤال الأهم هو ما إذا كان البرومو مصنوعاً بالذكاء الاصطناعي أم بالتصوير التقليدي، وإنما ما إذا كان نجح فعلاً في الوصول إلى المشاهد وجعله يشعر بشيء.
وبذلك، قد لا تكون المنافسة المقبلة بين الإنسان والآلة بقدر ما تكون بين من يمتلك الأداة فقط، ومن يمتلك الرؤية والقدرة على توظيف الأداة لسرد قصة تستحق المشاهدة.
فالآلة قد تنجح في خطف عين المشاهد بصورة مبهرة، لكن كسبه يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: فكرة تثير فضوله، وإحساس يترك أثراً، وقصة تجعله يرغب في مواصلة المشاهدة.
ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي في صناعة الصور والمشاهد والأصوات، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع التكنولوجيا أن تصنع الدهشة فقط، أم أنها ستتمكن أيضاً من صناعة الشعور؟



